الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.سعيد اللاوندى* يكتب:ذكريات باريسية !
د.سعيد اللاوندي

د.سعيد اللاوندى* يكتب:ذكريات باريسية !

أمضيتُ في باريس- عاصمة النور – نحو عشرين عاما، بين دراسة وعمل وتعلمتُ فيها أمورا كان من الصعب أن أتعلمها خصوصا القراءة والتأمل واحترام آراء الآخرين والموسيقى التى تصدح فى أرجاء بيتي دون أن أشعر بملل و ضيق ومشاهدة التماثيل التى تملأ الشوارع والميادين ، أما الزهور فحدث عنها ولا حرج تملأ الأرجاء حتى لم تترك مكانا على أعمدة النور فى الشوارع فتحولت إلى حدائق معلقة من كل لون وجنس.
وإن كنتُ أنسى فلن أنسى ثلاث ذكريات تقتحمني وتملأ علىّ حياتي هى :
الذكرى الأولى :
مهاتفة الدكتور الراحل عبد الفتاح الديدي صاحب كتاب عبقرية العقاد وكنتُ قمتُ بتجميع معلومات عنه فعلمت أنه كان ضريرا لا يرى بعينيه وأمضى فى باريس ردحا من الزمن وحصل على دكتوراه الفلسفة لكنه بعد أن عاد إلى مصر لم ينتظم فى عمل بالجامعة وكان يُلقي محاضرات بين وقت وآخر وكان من عشاق العقاد فنصحني أحد الزملاء بقراءة هذا الرجل والاعتماد على كتبه خصوصا كتاب “ينابيع الفكر المصري المعاصر “.
وأذكر عندما هاتفته من باريس رد عليّ صارخا “الله أكبر ..الله أكبر” وبعد ن هدأ قليلا طلب مني أن أذكره عند تجوالي داخل حديقة لوكسبمورج التى كان يعشقها وكذلك ستاذه بيرم التونسي والدكتور مصطفى عبد الرازق .
أعترفُ أني نسيتُ أشياءا كثيرة لكن كلمة “الله أكبر “للدكتور الديدي ماتزال ترن في أذني، فباريس ليست مجرد مدينة إنها ثقافة وحياة وصفها الشيخ مصطفى عبد الرازق بأنها عروس المدائن رغم أنه لم يعش فيها طويلا ، وكان يُمضي معظم وقته في مدينة ليون حيث معهد الدراسات الاسلامية الذي تعاون مع أصدقائه الفرنسيين في إنشائه وإداراته ..وفيها أيضا قام بتغيير الجبة والقفطان وارتدى البدلة الحديثة وتشبه بالغربيين ، وظل على هذا الحال عدة سنوات ولم يعد إلى لبسه الأزهري القديم إلا عند عودته وداخل الباخرة التى كانت تقله مع آخرين من مارسيليا إلى الأسكندرية .
الذكرى الثانية:
فكانت عندما هاتفني الفيلسوف الكبير حسن حنفي وقال لي أنه يريد أن يلتقي بفيلسوف مصر الشارد عبد الرحمن بدوي.
ولأننى كنتُ علم يقينا أنه من الصعب مقابلة الدكتور بدوي الذي كان يقيم في فندق لوتيسيا بالحي اللاتيني وهو الفندق الذي كان ينزل فيه أستاذه طه حسين ، وتيمنا بذلك أصر عبد الرحمن بدوي أن يقيم في إحدي حجرات الفندق كما كان يذهب كل صباح إلى المكتبة الوطنية ويحجز بشكل دائم مقعدين الأول يجلس عليه والثاني يضع حقيبته ومعطفه الرمادي عليه، ويظل في مكانه حتى المساء .
قلتُ للدكتور حسن حنفي -أطال الله في عمره وأبقاه – بعد أن عرفت أنه يريد أن يعطيه كتاب وضعه أساتذة الفلسفة في مصر بمناسبة بلوغ الدكتور بدوي سن الثمانين:” يمكننا أن نلقاه مصادفة فى المعرض العربي الذي كان يقيمه مرة كل عامين معهد العالم العربي الذي يغفو على شاطئ نهر السين “…
وصدق حدسنا فقد أبصرتُ الدكتور بدوي بمعطفه الرمادي الشهير هناك يُقلب الكتب ، أقول الحق لقد تقدمنا نحوه وبعد أن ألقى دكتور حسن حنفي التحية قدم له الكتاب مع كلمات إمتنان يشعر بها نحوه فلاسفة مصر ..فكانت المفاجأة أن الدكتور بدوي لم يشأ أن يأخذ الكتاب وقال بنبرة عالية :”دعوني وشأني ولا علاقة لأساتذة الفلسفة بمصر بي ، ثم أخبرني من فضلك من هو المدعو د.أحمد عبد الحليم عطية الذى انتقدني فى هذا الكتاب ، وعندما أصر الدكتور حسن حنفي على اعطائه الكتاب عرفنا ن الدكتور بدوي كان قرأه وليس في حاجة اليه واعترض بشدة على ما كتبه أحمد عبد الحليم عطية -استاذ الفلسفة المشاغب- فى حقه سيما أنه خصص في موسوعة الفلاسفة خمسين صفحة للحديث عن نفسه واعتبر محمد مزالي رئيس وزراء تونس فى عهد الحبيب بورقيبه فيلسوفا مثل ابن تيمية وابن رشد !!
لقد تقدم الدكتور بدوي وسار خطوات بوابة معهدالعالم العربي وتحت عجلات السيارات التى تشق الطريق وايضا تحت حبات المطر رمي الدكتور بدوي بالكتاب !
الموقف أذهلناوأخذت أبحث عن دكتور حسن حنفي فوجدته يحث الخطى نحو محطة المتروالبعيدة نسبيا عن المكان .
فسرتُ خلفه وضحكاتي الهيستيرية لم تنقطع !!
الذكري الثالثة :
كانت في شارع فرانسوا الأول القريب من شارع الشانزلزيه الشهير ، وكنت لم أنم ليلتي بسبب سعادتي أني أكتشفت وجود مطعم للطلبة بجوار القصر الكبير الذي كان يتردد عليه السياح ويأتونه من كل فج عميق .
وفي طريقي إلى هناك بصرتُ سيدة عجوز كانت تجلس بجولر شبك مطل على الشارع وكانت على ما يبدو تجلس على كرسي هزاز ، وقفتُ من فوري وأخذت أتأمل وجه هذه لسيدة التى لم تتغير وكانت تنظر نحوي لكن لا تراني .
ظلت هذه السيده على حالها عدة أيام بل عدة أسابيع ،أتأملها لكن لم تنفرج اساريرها مطلقا ، وظلت جامدة فى كرسيها وبجوار الشباك، وكنت أود أن أرى ابتسامتها لكن لم يحدث !!
وتذكرت هنا الفيلسوف الراحل زكي نجيب محمود عندما روى مرة أنه ذهب مع حفيدته لمشاهدة إحدى مسرحيات شارلي شابلن فى لندن وقال “إن حفيدتي كانت تقفز في مكانها من شدة الفرح ثم بعد لحظات نظرت نحوي فلم تجد أن شيئا ما قد تغير ملامحي جامدة ووجهي مكفهر وعندما سألتني لاحقا لماذا لم أضحك معها فقلتُ له:”إن الحياة التى نحياها فيها مواقف أكثر كوميدية مما يقدمه شارلي شابلن ،بإختصار يا إبنتي لم يقدم هذا الممثل البريطاني الشهير ما يستحق الضحك “!!
في إحدى المرات وكنتُ فى طريقي إلى مطعم الكلية الذى حوّل حياتى إلى نعيم فسعره منخفض ناهيك عن أنني يمكن أن أطلب دورة ثانية من الخبز والخضار المطبوخ …أقول صممتُ أن أظفر بإبتسامة من هذه السيدة العجوز فوقفت أتأمل ملامحها ووجها لكن يبدو أنها كانت فى شُغل عني ربما بسبب أوجاعها وعمرها الطاعن في السن !
أقول الحق لم أعرف ذلك الا بعد أن تقدمتُ في العمر ووجدتني أجلس مثل هذه السيدة العجوز على كرسي هزاز وبجوار الشباك وملامحي جامدة لا يعرف لابتسام إلى نفسي طريقا وأوجاع الأمراض تلاحقني كظلي .
أخذتُ أستحضرملامح هذه السيدة وأصمتُ طويلا طويلا ، وقلتُ في نفسي ما أشبه الليلة بالبارحة .

*************
*كاتب ومفكر مصري

لمراسلة الكاتب: [email protected]

شاهد أيضاً

نصرالدين شنوف *يكتب:قراءة في كتاب اسماعيل مهنانة ” العرب ومسألة الاختلاف

ما الحاجة اليوم إلى فلسفة هايدغر؟ اسماعيل مهنانة وفكر الاختلاف. في رحاب الهرمينوطيقا: لمحة سريعة ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *