الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.عبدالله سليمان*يكتب(1)الحميمية في العلاقات الإنسانية
د.عبد الله سليمان

د.عبدالله سليمان*يكتب(1)الحميمية في العلاقات الإنسانية

كشفت نظرية الحب المثلثة لروبرت سترنبرج أن الحب يتكون من ثلاثة عناصر أساسية هي:
⦁ الحميمية: التي تشير إلى مشاعر التقارب والاتصال والترابط في علاقة الحب، كما أنها يتضمن المشاعر التي تؤدي إلى خبرة الدفء في علاقة الحب.
⦁ الوجد: الذي يشير إلى البواعث التي تؤدي إلى الرومانسية والجاذبية الجسمية والاكتمال الجنسي في علاقات الحب، ويشمل عنصر الوجد مصادر الدافعية وصور أخرى للاستثارة التي تؤدي إلى خبرة الوجد في العلاقات المحبة.
⦁ القرار/الالتزام: ويشير في المدى القصير إلى أن الشخص يحب شخصا آخر، وفي المدى الطويل إلى التزام الشخص بالاحتفاظ بعلاقة الحب.
والمقالات التالية ستعمل على شرح كل عنصر من هذه العناصر:
⦁ الحميمية في العلاقات الإنسانية.
⦁ الاقتراب من الآخر وتنمية الحميمية.

 

1-الحميمية في العلاقات الإنسانية

التقى محسن وداليا في الجامعة، كانا يدرسان إدارة الأعمال، وكان كل منهما يهتم بدراسته ويحرص على التفوق فيها، كانا يلتقيان أحيانا في المكتبة أو الكافيتريا، يتبادلان الأفكار والمودة، وأخذت علاقتهما تنمو بالتدريج، وفي الفرقة الثالثة بدأا يفكران في الارتباط بالزواج حينما يتخرجان، كان محسن متفوقا في دراسته، وبعد مضي عام على تخرجه تقرر إيفاده في بعثة دراسية إلى الخارج، عندئذ أخذ محسن وداليا يسرعان في السير في إجراءات الزواج، تقدم محسن وأسرته إلى أسرة داليا، وتمت الموافقة على إتمام الزواج قبل السفر إلى الخارج، وسافرا إلى الولايات المتحدة، والتحق محسن بجامعة في الساحل الشرقي، كانت الحياة مبهرة لكل منهما، وكانا يعتقدان أنهما وفقا في زواجهما، كانت هناك أشياء كثيرة مشتركة بينهما: المستوى الأكاديمي، المستوى الأسري، ميول واتجاهات، تماثل في التطلعات المستقبلية، وكانا يتحدثان عن هذه الأمور، واستمر شهر العسل فترة، لكن بالتدريج أخذت أحاديثهما تقل، والأشياء الجديدة أصبحت مألوفة؛ الانبهار بحضارة جديدة، الحوانيت والمشتريات والأماكن، كلها أصبحت أشياء مألوفة، شيئان أصبحا مشكلة، انشغال محسن بدراسته، وشعور داليا بأنه لا يعطيها الوقت الكافي، وأن اقترابه منها أخذ يقل، أما محسن فقد بدأ يشعر أن داليا لم تعد تحبه كما كانت، فهي تضيق بانشغاله بدراسته، ولا تعبر له عن حبها بقدر كاف، وبالتدريج أخذ ذلك التألق في علاقتهما يخبو، وكبرت المشكلات، أخذ محسن يفقد صبره، وكانت داليا دائمة البكاء، وقد أصبح ما كانا يتصورانه من تقارب ومودة وارتباط وحب كبير موضع الشك، وكان السؤال المضمر في نفس كل منهما: هل سيستطيعان الاستمرار في حياتهما الزوجية، والإمساك بالسعادة التي ولَّت.
وكان الإنقاذ، تحدث محسن مع صديق له عن انشغاله في الدراسة وشعور زوجته بالغربة والاكتئاب، وعبر له عن حزنه لأنه لا يستطيع أن يفعل شيئا، وشعوره بالقلق وهو يرى زوجته غير سعيدة، اقترح عليه صديقه بأن يذهب إلى مركز الإرشاد النفسي في الجامعة ويطلب مقابلة أحد المرشدين ليساعده في حل مشكلته، وكان الإرشاد النفسي هو العلاج، تقابل المرشد مع محسن مرات عدة، ثم مع داليا، ثم تحدث إليهما معا، وساعدهما المرشد على تشخيص المشكلة، ووضع لهما برنامجا إرشاديا يساعدهما على الخروج من هذا المأزق؛ لتعود السعادة من جديد إلى حياتهما.
ما هي المشكلة التي كانت تعصف بحياة مملوءة بالحب والتعاطف؟ الواقع أن مشكلة محسن وداليا تحدث كثيرا في علاقات الزواج والصداقة، بل وفي العلاقات الأسرية أيضا، في حالة الزواج ينشأ الوجد بسرعة ليجذب كلا من الزوجين إلى الآخر، وتبدأ الحميمية بينهما في النمو، لكن مع نمو العلاقة تبدأ الحميمية في الإبطاء، وربما أخذت في التراجع، عندئذ يواجه الرفيقان مأزقا حقيقيا تتسم فيه العلاقة بالبرود، فضلا عن الصراع والاختلاف.
ينشأ الوجد في وقت قصير، ويمكن أن يختفي في وقت قصير، لكن الحميمية تنمو ببطء، وتستمر فترة أطول، ذلك أنها تتكون من نسيج من العلاقات والتفاعلات التي تحدث يوميا، بل وفي كل لحظة بين المحبين، ويمكن القول: أن الحميمية هي نسيج العلاقة بين الأفراد، وهي محور كثير من علاقات الحب مثل العلاقة مع الوالدين والإخوة والأصدقاء والمحبوبين.
وفي كثير من اللغات تعني الحميمية: الداخلي، الخاص، العميق، الخصوصي، وأن تكون حميما مع شخص آخر، يعني أن تكون قريبا جدا منه، ومن ثم تكون الحميمية علاقة يقترب فيها الإنسان من الآخر، يكتشف ما بينه وبين الآخر من أوجه الشبه أو الاختلاف في أسلوب التفكير والشعور والسلوك، ويعمل على تنمية مشاعر الدفء والمودة والمؤازرة بينه وبين الآخر.
وللحميمية بعدان: الأول: هو مدى اعتماد كل إنسان على الآخر واستثماره في العلاقة، ويشعر الحميمان بالاعتماد المتبادل حين تتراكم خبرات مساعدة كل للآخر، ومشاركته وشعوره بالثقة، وكشفه عن ذاته مع الآخر؛ والثاني: هو الاستغراق الوجداني والشعور بالدفء والمودة في العلاقة مع الآخر.
وتبدأ الحميمية عادة بالكشف عن الذات، بتحطيم الحوائط التي تفصل الإنسان عن الآخر، ويؤدي الكشف عن الذات إلى مزيد من الكشف عن الذات، فإذا أردت أن تعرف شخصا ما دعه يعرف شيئا عنك؛ لكن الكشف عن الذات يكون أسهل بين الأفراد من نفس الجنس، أكثر مما هو في علاقات الحب، لأن الأفراد عادة يعتقدون أنهم يخسرون بالكشف عن الذات في علاقات الحب، ومن ثم فإن الزوجين أو الحبيبين عادة ما يكونون أقل من الغرباء في الكشف عن الذات، لأن تكاليف الكشف عن الذات تكون أكثر في العلاقات الرومانسية؛ لأنك إذا قلت لحبيبك حقيقة غير مرغوبة عنك، ستعرض علاقتك معه للخطر.
وقد حددت هارتفيلد للحميمية خصائص عدة هي:
⦁ الخصائص المعرفية: الشخص الحميم هو الذي يكون على استعداد لأن يكشف عن ذاته للآخر؛ عن معلومات عن خصوصياته، وينصت إلى ما يقوله الآخر عن نفسه ويكون موضع الثقة. في أكثر العلاقات حميمية يشعر الأصدقاء والمحبين بالحرية في أن يكشفوا عن أكثر المظاهر تعبيرا عن ذواتهم بكل ما فيها من تعقيدات وتناقضات، وكنتيجة لذلك يشرك الحميميون بعضهم في أمورهم الأكثر خصوصية: حياتهم الماضية، قيمهم، نواحي القوة ونواحي الضعف فيهم، آمالهم ومخاوفهم.
⦁ المظاهر الوجدانية: يهتم الحميميون ببعض، وفي علاقات الوجد يتوق المحبون إلى الحميمية، أما في العلاقات التي تقوم على المودة والتقارب فإن الأصدقاء أو الإخوة والأقارب يمتلكون الحميمية، وفي العلاقات الحميمية نجد مشاعر الأفراد قوية، فهم يحبون رفاقهم أكثر من أي فرد آخر؛ ولذلك فهم يعبرون عن مشاعرهم السلبية نحو بعضهم بقوة، ومن ثم يمكن أن يبرز الجانب المظلم في الحب الحميمي في صورة الغيرة والشعور بالوحدة والاكتئاب والغضب، وتتفاعل هذه المشاعر بقوة ويبذل الحميميون جهودا للتعامل معها وعلاجها، هذا التفاعل القوي بين هذه المشاعر المتناقضة هو ما يعطي الحيوية لأكثر العلاقات حميمية وتقاربا.
⦁ المظاهر السلوكية: يشعر الحميميون بالراحة في علاقات التقارب، فهم يستطيعون أن ينظروا إلى بعضهم بعمق، ويقتربون من بعضهم، ويشعرون بالأمن في وجودهم معا.
الاعتماد المتبادل والدفء هما العاملان اللذان يكوِّنان الحميمية. الاعتماد المتبادل يعني اعتماد كل فرد على الآخر، واستثمار الفرد في علاقته مع الآخر وكشفه عن ذاته فيها، هذه الخبرات هي نقطة البداية في بروز العلاقة الحميمية، ويؤدي استمرار خبرات الاعتماد إلى تراكم الحميمية؛ أما الدفء فيعبر عن الشعور بالأمن والبهجة والمؤازرة مع الآخر وفي وجوده.
وقد أوضحت دراسات سترنبرج أن الحميمية تتكون من عناصر عدة هي:
⦁ الرغبة في تدعيم المحبوب(لاحظي أن المحبوب هنا هو أي إنسان تشعرين نحوه بالحب مثل الوالدين، الأبناء، الأصدقاء، والصديقات، والزوج)، هنا نجد المحب يبحث عن المحبوب لتدعيم وجوده ورفاهيته، بل إن المحب قد يدعم رفاهية المحبوب على حساب رفاهيته هو، ولكنه يفعل ذلك توقعا لقيام المحبوب بالتبادل وتدعيم رفاهية المحب حينما يحتاج المحب إلى ذلك، ومن أمثلة ذلك تنازلك عن وظيفة حصلت عليها حينما تكتشف أن من تحب في حاجة إليها، أو حينما يتطلب خروج صديقك من مأزق تضحيات منك.
⦁ الشعور بالسعادة مع المحبوب: فالمحب يستمتع بوجوده مع المحبوب، وحينما يشترك المحبان في عمل أشياء يمضيان وقتا ممتعا، ويكونان مخزونا من الذكريات يعودان إليها في الأوقات الصعبة، كذلك فإن الأوقات الممتعة تنسكب على العلاقة وتصبغها بصبغتها البهيجة، وتستطيع أن تخبر هذه الحالة حينما تمضي وقتا ممتعا مع الرفيق أو المحبوب على ضفاف النيل، أو في الاستمتاع بحفلة موسيقية في الأوبرا، أو في القيام برحلة.
⦁ وضع المحبوب في مكانة متميزة: فالمحب يقدر محبوبه تماما، ورغم أنه يتعرف على نواحي قصور في المحبوب، إلا أن هذا لا يقلل من المكانة العالية التي يضعه فيها، وتستطيع أن تخبر هذا العنصر حينما تشعر أن صديقك هو الأعظم رغم فشله في الحصول على الترقية المرغوبة.
⦁ استطاعتك الاعتماد على المحبوب عند الحاجة: هنا يشعر المحب أن المحبوب يوجد حينما يحتاج إليه، وحينما تضطرب الأمور يستطيع المحب أن يلجأ إلى المحبوب ويتوقع استجابته، وتستطيع أن تخبر هذا الشعور حينما تضطرب أحوال الأسرة المالية، فيقوم أحد أفرادها بإيقاف دراسته الجامعية، ويسعى إلى الحصول على عمل؛ لكي يحسن من وضع الأسرة المالي.
⦁ أن يكون هناك فهم متبادل مع المحبوب: فالمحبوبون يفهمون بعضهم، ويعرفون نواحي القوة والضعف في بعضهم، ويستجيب كل منهم للآخر بشكل يظهر التفهم الأصيل للحالات الوجدانية للآخر، ويعرف كل منهم الحالة التي يكون فيها الآخر، وتستطيع أن تخبر هذه الحالة حينما يفهم كل منكما الآخر دون أن ينطق بكلمة واحدة.
⦁ إشراكك من تحب في ذاتك وممتلكاتك: فالإنسان هنا يكون مستعدا لأن يعطي من نفسه ووقته ما يمتلك من أشياء للمحبوب، ويكون لدى المحبين استعدادا لمشاركة كل منهما الآخر في ممتلكاته الخاصة كلما كانت هناك حاجة إلى ذلك، والأهم من ذلك هو أن كلا من المحب والمحبوب يشرك الآخر في ذاته.
⦁ الحصول على المؤازرة الوجدانية من المحبوب: فالمحب هنا يشعر بالدعم، بل وبالتجديد مع المحبوب، وخاصة في وقت الحاجة، وتخبر هذه الحالة حينما تشعر بأنه لا يوجد شيء واحد يحدث بشكل صحيح، ومع ذلك فأنت تعرف بأنه يوجد شيء واحد صحيح، هو أن رفيقك يقف بجانبك في نفس اللحظة، يساندك ويؤازرك ويدعمك.
⦁ تعطي المحبوب المؤازرة الوجدانية: فالمحب يساعد المحبوب بتفهمه ومؤازرته وجدانيا في وقت الحاجة، وأنت تعرف أنك تستطيع تقديم هذه المؤازرة الوجدانية حينما تجد صديقك يسلك بشكل غير معقول في العمل، ولكنك سوف تقدم له هذه المؤازرة سواء وافقت على أفعاله أم لا.
⦁ التواصل بحميمية مع المحبوب: يستطيع المحب أن يتواصل بعمق وبأمانة مع المحبوب، مشاركا أدق المشاعر، ومثال ذلك: أنك قد تشعر بالحرج من شيء فعلته، ومع ذلك تستطيع أن تخبر محبوبك عنه.
⦁ تقدير المحبوب: يشعر المحب بالأهمية الكبرى للمحبوب في مشروع حياته، وتعرف أن لديك هذا النوع من التقدير حينما تتحقق أن من تحب هو أهم وأغلى لديك مما تملكه من ماديات.
هكذا نرى أن الحميمية مكون هام من مكونات حب الإنسان للآخر، وتلعب الحميمية دورا هاما في تقوية علاقة الإنسان بالآخر، ومن ثم فإن الإنسان يحتاج إلى فهم مكونات الحميمية والعمل على تحقيقها في علاقته بالآخر، لتصير هذه العلاقة دافئة، ممتلئة بالثقة والمؤازرة والشعور بالأمن.
كيف يحقق الإنسان هذا؟ ذلك موضوع حديث آخر، لكن تحقيقه أساسي لنمو الحب بين الزوجين وأفراد الأسرة والجيران ورفاق العمل، بل وكل البشر؛ حتى تصير الحياة حبا.

*************************

*استاذ علم النفس الإرشادي -جامعة القاهرة

9ديسمبر 2017

شاهد أيضاً

رواية كانديد لفولتير بترجمة كويتية 

رواية فلسفية بترجمة كويتية تشتبك ومسألةالشر في الوجود استحوذت مسألة “الشر”، التي طالت البشر فيكل زمان ومكان، على اهتمام الفكر الإنساني منذ أقدم العصور وحتى الآن، بل وتفوّقت على كل المسائل البشرية الأخرى كمصدر للفزع،القلق والألم والخوف… بالنسبة للإنسان. ومن النصوص العالمية، التي اشتبكت مع هذه المسألة الحيوية واللصيقة  بوجودنا المعيش على هذه الأرض، رواية “كانديد” لمؤلفهاالفيلسوف الفرنسي الشهير “فولتير”. ...