الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.عبد الله سليمان*يكتب :(2)الاقتراب من الآخر وتنمية الحميمية
د.عبد الله سليمان

د.عبد الله سليمان*يكتب :(2)الاقتراب من الآخر وتنمية الحميمية

الاقتراب من الآخر وتنمية الحميمية

يذكرنا عذاب محسن وداليا، واضطراب حياتهما الزوجية قبل انقضاء عامها الأول بما قاله فرانك بارسونز عن الإنسان منذ ما يقرب من قرن من الزمان، ويعيد إلينا ما آل إليه زواجهما صورا من سقوط الثلج في بلاد الشمال عند تقدم الخريف وإقبال الشتاء، في ذلك الوقت ينزل الثلج نتفا قطنية صغيرة، كأنها زغب أبيض تثير في النفس إحساسا بالبرودة المنعشة، وتخلع على الفراغ غلالة رقيقة، فيصبح كالعروس لا تحجب وجهها المشرق المبتسم في خجل تلك الغلالة البيضاء، ولكنها تزيده سحرا وغموضا ورونقا، لكن ما إن تنشط الرياح وتتراكم هذه الزغب، وتتحول إلى صقيع يتراكم، حتى يسرع الناس إلى إزالته من أمام المنازل، ومن فوق الأرصفة والشوارع، عندئذ تتحول أنسام الخريف المنعشة إلى عواصف موجعة، هكذا تضطرب الحياة الزوجية فتنغمر العيون بالدموع وتُدمى القلوب، ويبدو الطريق إلى المستقبل مسدودا بباب من الفولاذ، ويصير الزوجان إلى سجن من الكآبة والبؤس.
تذكرنا تعاسة الزوجين بما قاله فرانك بارسونز منذ ما يقرب من قرن من الزمان، وكانت مقالته إيذانا بولادة علم من علوم الإنسان، لا يقف عند حد رفع المعاناة عن الإنسان، وإنما يعمل على إثارة الابتسام في وجهه، والبهجة في قلبه، والحيوية في أفكاره؛ يعمل على تفجير إبداعاته التي تجعل حياته سمفونية من الفاعلية والسعادة.
علم النفس الإرشادي الذي ولد على يد فرانك بارسونز هو علم مساعدة الإنسان على تحقيق الفاعلية في أي مظهر من مظاهر حياته، وأي سلوك يقوم به، خاصة في العمل والحب، أهم شيئين في حياته كما قال فرويد.
في العبارة الأولى من كتابه “اختيار مهنة”، الذي نشر عام 1909 بعد وفاته، يقول بارسونز: “لا توجد في حياة الإنسان خطوة أكثر أهمية من اختياره لمهنة، إلا إذا كانت اختيار زوج أو زوجة”، ويواصل بارسونز كلامه قائلا: “إن بناء حياة مهنية عمل معقد مثل بناء منزل، ومع ذلك فنادرا ما نجد قلة من البشر تجلس مع ورق وقلم ومعلومات خبرة ومرشد نفسي لكي تخطط حياة مهنية عاملة، وتتعامل علميا مع مشكلات الحياة، مثلما تتعامل مع مشكلة بناء منزل جديد حين يأخذون نصائح المهندس المعماري لمساعدتهم”.
ولأن عمل الإنسان في مهنة يرتبط بالعائد الاقتصادي الذي بدونه لا تستقيم الحياة؛ كان تركيز علم النفس الإرشادي في بدايته على الحياة المهنية يساعد الإنسان على اختيارها، وإعداد نفسه لها، وممارستها بأكبر درجة من الفاعلية. لكن علم النفس الإرشادي لم يلبث أن طور رسالته لتصبح مساعدة الإنسان على تحقيق الفاعلية في جميع أدوار حياته كابن وابنة، ووالد ووالدة، وزوج وزوجة، ومحب وعامل وعضو في مجتمع، هكذا تطور الإرشاد الأسري ليساعد الناس على تحقيق الفاعلية في جميع أدوار حياتهم كأعضاء في الأسرة، والفاعلية تتجاوز التغلب على المشكلات إلى تنمية أفضل ما في الإنسان من قدرات ومشاعر وإبداع وإنتاج، ولا يكفي أن تكون حياة الزوجين انشغال دائم بتوفير لقمة العيش ومساعدة الأبناء في استذكار دروسهم، أو الجلوس معا في صمت مؤلم، لا شجار، نعم ولا عبوس، نعم، ولكن أيضا لا سعادة تفيض من قلبيهما وتحيط بحياتهما.
كان الإرشاد النفسي هو الإنقاذ لزواج محسن وداليا اللذين خبت ما بينهما من حميمية، أما شعلة الوجد فقد أخذت تنطفىء أحيانا، وتثير دخانا يخنق الروح، وأحيانا تهب عليهما نسمة هواء هادىء، فتشتعل قليلا، ويختلط الضوء الخافت بالدخان الخانق، وهكذا تفقد الحياة الزوجية بهجتها ورونقها ومتعتها.
ماذا فعل المرشد النفسي مع محسن وداليا، الواقع أن هذا شأنه وشأنهما، فالمرشد النفسي محرم عليه أن يتحدث عما يحدث بينه وبين من يساعدهم، القواعد الأخلاقية المهنية بل والقانونية تمنعه من الحديث عن أي شيء يقال له في حجرة الإرشاد، وعن أي إجراء إرشادي أو علاجي يقوم به مع عميل من عملائه، لكن علم النفس الإرشادي يبتكر ويدرس الاستراتيجيات التي تساعد على التخلص من سلوك معين أو تنمية سلوك محدد، وينشر نتائج دراساته في دورياته وكتبه العلمية؛ ليتعلم منها المرشدون ودارسي الإرشاد النفسي.
كانت مشكلة محسن وداليا هي تقهقر الحميمية، هذا الدفء الذي يربط مكونات العلاقة، ويعمل على استمرارها. الحميمية هي تقارب بين الزوجين أو أي اثنين، هي دفء يشعر به كل منهما في علاقته بالآخر، هي ثقة في الآخر، واطمئنان في الاعتماد عليه. ماذا يفعل الإرشاد النفسي إذا اختفت هذه المظاهر أو خبت؟ للإجابة عن هذا السؤال يجب أن نعرف أولا ما يؤدي إلى نمو الحميمية، تنمو الحميمية نتيجة ما بين الإنسان وأخيه الإنسان من روابط قوية ومتنوعة، فالشخصان الحميمان يتميزان بروابط قوية متنوعة ومتكررة أساسها الثقة والأمانة والاحترام والالتزام والشعور بالأمن والمؤازرة والكرم والإخلاص والتبادلية والفهم، وتنمو الحميمية حين ننمي هذه الخصائص أو نستعيد تنميتها لدى الأفراد.
ويعمل الإرشاد النفسي في مساعدة الأفراد على تنمية الحميمية، وفي مراكز الإرشاد النفسي يعمل مرشدون تخصصوا في مجال العلاقات بين الأفراد، وفي مساعدة الأفراد على تحقيق الفاعلية في قيامهم بأدوارهم المختلفة مثل: دور الوالد أو الزوج أو الابنة، ويأتي إلى هذه المراكز الأزواج وغيرهم من الأفراد الذين يعانون من صعوبات في بدء العلاقات الحميمية أو في المحافظة عليها، أو في إنهائها، ويعمل المرشدون على مساعدة الأفراد على تعلم مهارات الحميمية، ويقوم هذا التعلم على أساس مبدأين: الأول: هو تيسير شعور الأفراد بأنهم مستقلون، لهم أفكارهم ومشاعرهم المستقلة، أما المبدأ الثاني: فهو أن الأفراد مع استقلاليتهم فإنهم يستطيعون أن يتقاربوا من بعضهم، ذلك أن بعض المنظرين يرون أن من المهام الصعبة التي يواجهها الأفراد هي كيف يحتفظون بهويتهم وتكاملهم، ومع ذلك يندمجون في علاقات حميمية مع الآخرين.
ومن العوامل التي تساعد الإنسان على تكوين علاقات إنسانية صحيحة، وبالتالي علاقات حميمية جيدة، نظرة الإنسان إلى الآخر باعتباره قيمة في ذاته، ذلك أن كل إنسان هو منجم من الإمكانات الإيجابية، ومن ثم هو قيمة في ذاته، ويصبح من اليسير تكوين علاقة حميمية مع الآخر إذا تعاملت معه باعتباره غاية وهدفا؛ فهو إنسان جدير بالمعرفة والتقدير والحب، لا باعتباره وسيلة لتحقيق منافع وفوائد شخصية، مثل هذه النظرة تؤدي إلى التقارب مع الآخر، ويؤدي هذا التقارب إلى أن يكتشف كل فرد ما فيه وما في الآخر من إمكانات، ويعمل كل على تنميتها واستثمارها.
وقد قدم أرجايل وهارتفيلد أفكارا ومبادىء تسهم في تعليم الأفراد كيف يكونون حميمين في علاقاتهم مع الآخرين، ومن هذه المبادىء:
تشجيع الأفراد على أن يتقبلوا أنفسهم كما هي: فقد اعتاد الناس أن يقيموا أنفسهم، ويقيموا الآخرين على أساس معايير مطلقة، فالإنسان إما خير أو شرير، قوي أو ضعيف، ذكي أو غبي، شجاع أو جبان، لكن مثل هذه التصنيفات لا تفيد في فهم الناس أو التعامل معهم، فكل إنسان هو مجموعة من الخصائص المعقدة المتشابكة، له جوانب قوة وجوانب ضعف، والإنسان الفعال هو الذي يؤمن أنه مثل أي إنسان آخر له ميزات، كما أن به عيوب، وفاعلية الإنسان ترتبط بقدرته على فهم واستثمار ما به من ميزات، وتقبل ما به من عيوب ومحاولة تجاوزها، وإذا تقبلت ذاتك، صرت واعيا بميزاتك وحاولت استثمارها، كما صرت واعيا بنواحي القصور لديك، وحاولت تغييرها أو تحييدها.
تشجيع الأفراد على أن يتقبلوا أصدقاءهم الحميمين كما هم: معظم الناس يعتقدون أن من حقهم أن يكون أحباؤهم هم الأفضل، فمن حقي أن يكون لي أفضل والد ووالدة، وأفضل أخ وأخت، وأفضل حبيب، لكن الآخر يعيش في الواقع وليس كما أتصوره، وإذا أردت أن أكون علاقة حميمة مع الآخر؛ فإن علي أن أتقبله كما هو، ذلك أن من حق أي إنسان أن يكون على ما هو عليه، لا كما أحب أنا في الصورة التي أريدها له، وسعي الإنسان إلى أن يشكل الآخر في الصورة التي يخلقها له، من شأنه أن يولد لدى الآخر مشاعر سلبية، ونجد بعض الناس من الصعب عليهم أن يتقبلوا أن من حق الصديق أو المحبوب أن يكون في الصورة التي يريدها لنفسه، إذ يرون أنه من الأفضل أن يكون أصدقاؤنا ومن نحب في الصورة التي نريدها لهم، وكأن الزوج يقول: إن الأمر لا يتطلب منها مجهودا كبيرا لأن تفعل كذا، أو أن تكون كذا، لماذا هي عنيدة؟ وحينما يتحقق المحبون أن من يحبون لهم شخصيات معينة، ليست بالضرورة هي الصورة التي نحب أن تكون؛ عندئذ تصبح العلاقات الحميمية ممكنة وتبدأ في النمو.
تشجيع الأفراد على أن يعبروا عن أنفسهم: يجب أن يتعلم الأفراد أن يشعروا بالراحة وهم يعبرون عن أفكارهم ومشاعرهم، لكن هذا ليس بالأمر السهل، فالعلاقات الحميمية هي أكثر العلاقات أهمية، وحينما يكون الوجد(الهوى) قويا، والنتائج التي يمكن أن تترتب عليه خطيرة؛ يتردد الناس في قول الصدق، ويحاولون أن يقدموا صورة حسنة ومتسقة عن أنفسهم، وحينما يكونون في علاقة حب، يترددون في التعبير عن شكوكهم، إذ ماذا يفعل المحب حينما يشعر أن محبوبه قد تأذى نتيجة لما صرح به، وماذا يكون الحال لو أدى ذلك إلى تدمير العلاقة؟
ولكي يصبح الإنسان حميميا، يجب أن يسعى إلى التواصل الأمين، الوديع، التام، والذي يتسم بالصبر، وأن يفهم أن أفكار الآخر معقدة، وممتلئة بالأشياء الدقيقة والظلال وعدم الاتساق، وفي علاقات الحب يتوفر الوقت لتوضيح ذلك.
ومن المثير للاهتمام أن الناس يكتشفون أن مشاعرهم المحبة تزداد حينما يبدؤون في التعبير عما يضايقهم، وحينما يعتقدون أنهم يفقدون علاقة الحب، وأنهم يشعرون بالملل من هذه العلاقة، وحينما يبدؤون في التعبير عن غضبهم ومشاعرهم المتناقضة، يشعرون بأن مشاعر الحب قد عادت إليهم.
تعليم الأفراد كيفية التعامل مع ردود أفعال رفاقهم الحميميين: يمكن أن يؤدي تعبير الفرد عن مشاعره وأفكاره بصدق إلى شعور الآخر بالأذى، خاصة حينما تكون العلاقة بين الاثنين موضوع هذه المشاعر والأفكار، وقد يعبر الآخر عن شعوره بالألم والأذى لما قاله صديقه مما يجعل الصديق يشعر بالذنب أو يستجيب بغضب، ويجب أن يتعامل الحميميون مع هذه المواقف بدقة وحساسية، وفي مثل هذه المواقف لا يفيد أن يستجيب المحب أو الصديق لمثل هذه الفورات الانفعالية بطريقة آلية، أو أن يتراجع أو يعتذر عما قاله، وإنما أحب أن يذكر نفسه أن من حقه أن يعبر عن أفكاره ومشاعره، كما أن من حق صديقه أن يعبر عن أفكاره ومشاعره، ويستمر في المحاولة في شرح أفكاره في هدوء حتى يوصل للآخر وجهة نظره، عندئذ فقط تكون هناك فرصة لتكوين علاقات حميمية.
العلاقات الحميمية بين الأفراد هي التي تجعل لحياة الإنسان معنى، ولوجوده قيمة؛ ذلك أن هذه العلاقات تؤدي إلى شعور الإنسان بالدفء والمودة والتقدير والمؤازرة والأمن، ومن خلال هذه العلاقات يكتشف الإنسان ذاته، وما بها من ميزات، ويعمل على استثمارها.
العلاقات الحميمية هي طريق النمو والشعور ببهجة الحياة ومتعة الوجود، ومن ثم تستحق الحميمية بذل الجهد لتنمية علاقتي مع الآخر صديقا كان، أم قريبا، أم محبوبا؛ وذلك حتى تصير الحياة حبا.الاقتراب من الآخر وتنمية الحميمية
يذكرنا عذاب محسن وداليا، واضطراب حياتهما الزوجية قبل انقضاء عامها الأول بما قاله فرانك بارسونز عن الإنسان منذ ما يقرب من قرن من الزمان، ويعيد إلينا ما آل إليه زواجهما صورا من سقوط الثلج في بلاد الشمال عند تقدم الخريف وإقبال الشتاء، في ذلك الوقت ينزل الثلج نتفا قطنية صغيرة، كأنها زغب أبيض تثير في النفس إحساسا بالبرودة المنعشة، وتخلع على الفراغ غلالة رقيقة، فيصبح كالعروس لا تحجب وجهها المشرق المبتسم في خجل تلك الغلالة البيضاء، ولكنها تزيده سحرا وغموضا ورونقا، لكن ما إن تنشط الرياح وتتراكم هذه الزغب، وتتحول إلى صقيع يتراكم، حتى يسرع الناس إلى إزالته من أمام المنازل، ومن فوق الأرصفة والشوارع، عندئذ تتحول أنسام الخريف المنعشة إلى عواصف موجعة، هكذا تضطرب الحياة الزوجية فتنغمر العيون بالدموع وتُدمى القلوب، ويبدو الطريق إلى المستقبل مسدودا بباب من الفولاذ، ويصير الزوجان إلى سجن من الكآبة والبؤس.
تذكرنا تعاسة الزوجين بما قاله فرانك بارسونز منذ ما يقرب من قرن من الزمان، وكانت مقالته إيذانا بولادة علم من علوم الإنسان، لا يقف عند حد رفع المعاناة عن الإنسان، وإنما يعمل على إثارة الابتسام في وجهه، والبهجة في قلبه، والحيوية في أفكاره؛ يعمل على تفجير إبداعاته التي تجعل حياته سمفونية من الفاعلية والسعادة.
علم النفس الإرشادي الذي ولد على يد فرانك بارسونز هو علم مساعدة الإنسان على تحقيق الفاعلية في أي مظهر من مظاهر حياته، وأي سلوك يقوم به، خاصة في العمل والحب، أهم شيئين في حياته كما قال فرويد.
في العبارة الأولى من كتابه “اختيار مهنة”، الذي نشر عام 1909 بعد وفاته، يقول بارسونز: “لا توجد في حياة الإنسان خطوة أكثر أهمية من اختياره لمهنة، إلا إذا كانت اختيار زوج أو زوجة”، ويواصل بارسونز كلامه قائلا: “إن بناء حياة مهنية عمل معقد مثل بناء منزل، ومع ذلك فنادرا ما نجد قلة من البشر تجلس مع ورق وقلم ومعلومات خبرة ومرشد نفسي لكي تخطط حياة مهنية عاملة، وتتعامل علميا مع مشكلات الحياة، مثلما تتعامل مع مشكلة بناء منزل جديد حين يأخذون نصائح المهندس المعماري لمساعدتهم”.
ولأن عمل الإنسان في مهنة يرتبط بالعائد الاقتصادي الذي بدونه لا تستقيم الحياة؛ كان تركيز علم النفس الإرشادي في بدايته على الحياة المهنية يساعد الإنسان على اختيارها، وإعداد نفسه لها، وممارستها بأكبر درجة من الفاعلية. لكن علم النفس الإرشادي لم يلبث أن طور رسالته لتصبح مساعدة الإنسان على تحقيق الفاعلية في جميع أدوار حياته كابن وابنة، ووالد ووالدة، وزوج وزوجة، ومحب وعامل وعضو في مجتمع، هكذا تطور الإرشاد الأسري ليساعد الناس على تحقيق الفاعلية في جميع أدوار حياتهم كأعضاء في الأسرة، والفاعلية تتجاوز التغلب على المشكلات إلى تنمية أفضل ما في الإنسان من قدرات ومشاعر وإبداع وإنتاج، ولا يكفي أن تكون حياة الزوجين انشغال دائم بتوفير لقمة العيش ومساعدة الأبناء في استذكار دروسهم، أو الجلوس معا في صمت مؤلم، لا شجار، نعم ولا عبوس، نعم، ولكن أيضا لا سعادة تفيض من قلبيهما وتحيط بحياتهما.
كان الإرشاد النفسي هو الإنقاذ لزواج محسن وداليا اللذين خبت ما بينهما من حميمية، أما شعلة الوجد فقد أخذت تنطفىء أحيانا، وتثير دخانا يخنق الروح، وأحيانا تهب عليهما نسمة هواء هادىء، فتشتعل قليلا، ويختلط الضوء الخافت بالدخان الخانق، وهكذا تفقد الحياة الزوجية بهجتها ورونقها ومتعتها.
ماذا فعل المرشد النفسي مع محسن وداليا، الواقع أن هذا شأنه وشأنهما، فالمرشد النفسي محرم عليه أن يتحدث عما يحدث بينه وبين من يساعدهم، القواعد الأخلاقية المهنية بل والقانونية تمنعه من الحديث عن أي شيء يقال له في حجرة الإرشاد، وعن أي إجراء إرشادي أو علاجي يقوم به مع عميل من عملائه، لكن علم النفس الإرشادي يبتكر ويدرس الاستراتيجيات التي تساعد على التخلص من سلوك معين أو تنمية سلوك محدد، وينشر نتائج دراساته في دورياته وكتبه العلمية؛ ليتعلم منها المرشدون ودارسي الإرشاد النفسي.
كانت مشكلة محسن وداليا هي تقهقر الحميمية، هذا الدفء الذي يربط مكونات العلاقة، ويعمل على استمرارها. الحميمية هي تقارب بين الزوجين أو أي اثنين، هي دفء يشعر به كل منهما في علاقته بالآخر، هي ثقة في الآخر، واطمئنان في الاعتماد عليه. ماذا يفعل الإرشاد النفسي إذا اختفت هذه المظاهر أو خبت؟ للإجابة عن هذا السؤال يجب أن نعرف أولا ما يؤدي إلى نمو الحميمية، تنمو الحميمية نتيجة ما بين الإنسان وأخيه الإنسان من روابط قوية ومتنوعة، فالشخصان الحميمان يتميزان بروابط قوية متنوعة ومتكررة أساسها الثقة والأمانة والاحترام والالتزام والشعور بالأمن والمؤازرة والكرم والإخلاص والتبادلية والفهم، وتنمو الحميمية حين ننمي هذه الخصائص أو نستعيد تنميتها لدى الأفراد.
ويعمل الإرشاد النفسي في مساعدة الأفراد على تنمية الحميمية، وفي مراكز الإرشاد النفسي يعمل مرشدون تخصصوا في مجال العلاقات بين الأفراد، وفي مساعدة الأفراد على تحقيق الفاعلية في قيامهم بأدوارهم المختلفة مثل: دور الوالد أو الزوج أو الابنة، ويأتي إلى هذه المراكز الأزواج وغيرهم من الأفراد الذين يعانون من صعوبات في بدء العلاقات الحميمية أو في المحافظة عليها، أو في إنهائها، ويعمل المرشدون على مساعدة الأفراد على تعلم مهارات الحميمية، ويقوم هذا التعلم على أساس مبدأين: الأول: هو تيسير شعور الأفراد بأنهم مستقلون، لهم أفكارهم ومشاعرهم المستقلة، أما المبدأ الثاني: فهو أن الأفراد مع استقلاليتهم فإنهم يستطيعون أن يتقاربوا من بعضهم، ذلك أن بعض المنظرين يرون أن من المهام الصعبة التي يواجهها الأفراد هي كيف يحتفظون بهويتهم وتكاملهم، ومع ذلك يندمجون في علاقات حميمية مع الآخرين.
ومن العوامل التي تساعد الإنسان على تكوين علاقات إنسانية صحيحة، وبالتالي علاقات حميمية جيدة، نظرة الإنسان إلى الآخر باعتباره قيمة في ذاته، ذلك أن كل إنسان هو منجم من الإمكانات الإيجابية، ومن ثم هو قيمة في ذاته، ويصبح من اليسير تكوين علاقة حميمية مع الآخر إذا تعاملت معه باعتباره غاية وهدفا؛ فهو إنسان جدير بالمعرفة والتقدير والحب، لا باعتباره وسيلة لتحقيق منافع وفوائد شخصية، مثل هذه النظرة تؤدي إلى التقارب مع الآخر، ويؤدي هذا التقارب إلى أن يكتشف كل فرد ما فيه وما في الآخر من إمكانات، ويعمل كل على تنميتها واستثمارها.
وقد قدم أرجايل وهارتفيلد أفكارا ومبادىء تسهم في تعليم الأفراد كيف يكونون حميمين في علاقاتهم مع الآخرين، ومن هذه المبادىء:
تشجيع الأفراد على أن يتقبلوا أنفسهم كما هي: فقد اعتاد الناس أن يقيموا أنفسهم، ويقيموا الآخرين على أساس معايير مطلقة، فالإنسان إما خير أو شرير، قوي أو ضعيف، ذكي أو غبي، شجاع أو جبان، لكن مثل هذه التصنيفات لا تفيد في فهم الناس أو التعامل معهم، فكل إنسان هو مجموعة من الخصائص المعقدة المتشابكة، له جوانب قوة وجوانب ضعف، والإنسان الفعال هو الذي يؤمن أنه مثل أي إنسان آخر له ميزات، كما أن به عيوب، وفاعلية الإنسان ترتبط بقدرته على فهم واستثمار ما به من ميزات، وتقبل ما به من عيوب ومحاولة تجاوزها، وإذا تقبلت ذاتك، صرت واعيا بميزاتك وحاولت استثمارها، كما صرت واعيا بنواحي القصور لديك، وحاولت تغييرها أو تحييدها.
تشجيع الأفراد على أن يتقبلوا أصدقاءهم الحميمين كما هم: معظم الناس يعتقدون أن من حقهم أن يكون أحباؤهم هم الأفضل، فمن حقي أن يكون لي أفضل والد ووالدة، وأفضل أخ وأخت، وأفضل حبيب، لكن الآخر يعيش في الواقع وليس كما أتصوره، وإذا أردت أن أكون علاقة حميمة مع الآخر؛ فإن علي أن أتقبله كما هو، ذلك أن من حق أي إنسان أن يكون على ما هو عليه، لا كما أحب أنا في الصورة التي أريدها له، وسعي الإنسان إلى أن يشكل الآخر في الصورة التي يخلقها له، من شأنه أن يولد لدى الآخر مشاعر سلبية، ونجد بعض الناس من الصعب عليهم أن يتقبلوا أن من حق الصديق أو المحبوب أن يكون في الصورة التي يريدها لنفسه، إذ يرون أنه من الأفضل أن يكون أصدقاؤنا ومن نحب في الصورة التي نريدها لهم، وكأن الزوج يقول: إن الأمر لا يتطلب منها مجهودا كبيرا لأن تفعل كذا، أو أن تكون كذا، لماذا هي عنيدة؟ وحينما يتحقق المحبون أن من يحبون لهم شخصيات معينة، ليست بالضرورة هي الصورة التي نحب أن تكون؛ عندئذ تصبح العلاقات الحميمية ممكنة وتبدأ في النمو.
تشجيع الأفراد على أن يعبروا عن أنفسهم: يجب أن يتعلم الأفراد أن يشعروا بالراحة وهم يعبرون عن أفكارهم ومشاعرهم، لكن هذا ليس بالأمر السهل، فالعلاقات الحميمية هي أكثر العلاقات أهمية، وحينما يكون الوجد(الهوى) قويا، والنتائج التي يمكن أن تترتب عليه خطيرة؛ يتردد الناس في قول الصدق، ويحاولون أن يقدموا صورة حسنة ومتسقة عن أنفسهم، وحينما يكونون في علاقة حب، يترددون في التعبير عن شكوكهم، إذ ماذا يفعل المحب حينما يشعر أن محبوبه قد تأذى نتيجة لما صرح به، وماذا يكون الحال لو أدى ذلك إلى تدمير العلاقة؟
ولكي يصبح الإنسان حميميا، يجب أن يسعى إلى التواصل الأمين، الوديع، التام، والذي يتسم بالصبر، وأن يفهم أن أفكار الآخر معقدة، وممتلئة بالأشياء الدقيقة والظلال وعدم الاتساق، وفي علاقات الحب يتوفر الوقت لتوضيح ذلك.
ومن المثير للاهتمام أن الناس يكتشفون أن مشاعرهم المحبة تزداد حينما يبدؤون في التعبير عما يضايقهم، وحينما يعتقدون أنهم يفقدون علاقة الحب، وأنهم يشعرون بالملل من هذه العلاقة، وحينما يبدؤون في التعبير عن غضبهم ومشاعرهم المتناقضة، يشعرون بأن مشاعر الحب قد عادت إليهم.
تعليم الأفراد كيفية التعامل مع ردود أفعال رفاقهم الحميميين: يمكن أن يؤدي تعبير الفرد عن مشاعره وأفكاره بصدق إلى شعور الآخر بالأذى، خاصة حينما تكون العلاقة بين الاثنين موضوع هذه المشاعر والأفكار، وقد يعبر الآخر عن شعوره بالألم والأذى لما قاله صديقه مما يجعل الصديق يشعر بالذنب أو يستجيب بغضب، ويجب أن يتعامل الحميميون مع هذه المواقف بدقة وحساسية، وفي مثل هذه المواقف لا يفيد أن يستجيب المحب أو الصديق لمثل هذه الفورات الانفعالية بطريقة آلية، أو أن يتراجع أو يعتذر عما قاله، وإنما أحب أن يذكر نفسه أن من حقه أن يعبر عن أفكاره ومشاعره، كما أن من حق صديقه أن يعبر عن أفكاره ومشاعره، ويستمر في المحاولة في شرح أفكاره في هدوء حتى يوصل للآخر وجهة نظره، عندئذ فقط تكون هناك فرصة لتكوين علاقات حميمية.
العلاقات الحميمية بين الأفراد هي التي تجعل لحياة الإنسان معنى، ولوجوده قيمة؛ ذلك أن هذه العلاقات تؤدي إلى شعور الإنسان بالدفء والمودة والتقدير والمؤازرة والأمن، ومن خلال هذه العلاقات يكتشف الإنسان ذاته، وما بها من ميزات، ويعمل على استثمارها.
العلاقات الحميمية هي طريق النمو والشعور ببهجة الحياة ومتعة الوجود، ومن ثم تستحق الحميمية بذل الجهد لتنمية علاقتي مع الآخر صديقا كان، أم قريبا، أم محبوبا؛ وذلك حتى تصير الحياة حبا.الاقتراب من الآخر وتنمية الحميمية
يذكرنا عذاب محسن وداليا، واضطراب حياتهما الزوجية قبل انقضاء عامها الأول بما قاله فرانك بارسونز عن الإنسان منذ ما يقرب من قرن من الزمان، ويعيد إلينا ما آل إليه زواجهما صورا من سقوط الثلج في بلاد الشمال عند تقدم الخريف وإقبال الشتاء، في ذلك الوقت ينزل الثلج نتفا قطنية صغيرة، كأنها زغب أبيض تثير في النفس إحساسا بالبرودة المنعشة، وتخلع على الفراغ غلالة رقيقة، فيصبح كالعروس لا تحجب وجهها المشرق المبتسم في خجل تلك الغلالة البيضاء، ولكنها تزيده سحرا وغموضا ورونقا، لكن ما إن تنشط الرياح وتتراكم هذه الزغب، وتتحول إلى صقيع يتراكم، حتى يسرع الناس إلى إزالته من أمام المنازل، ومن فوق الأرصفة والشوارع، عندئذ تتحول أنسام الخريف المنعشة إلى عواصف موجعة، هكذا تضطرب الحياة الزوجية فتنغمر العيون بالدموع وتُدمى القلوب، ويبدو الطريق إلى المستقبل مسدودا بباب من الفولاذ، ويصير الزوجان إلى سجن من الكآبة والبؤس.
تذكرنا تعاسة الزوجين بما قاله فرانك بارسونز منذ ما يقرب من قرن من الزمان، وكانت مقالته إيذانا بولادة علم من علوم الإنسان، لا يقف عند حد رفع المعاناة عن الإنسان، وإنما يعمل على إثارة الابتسام في وجهه، والبهجة في قلبه، والحيوية في أفكاره؛ يعمل على تفجير إبداعاته التي تجعل حياته سمفونية من الفاعلية والسعادة.
علم النفس الإرشادي الذي ولد على يد فرانك بارسونز هو علم مساعدة الإنسان على تحقيق الفاعلية في أي مظهر من مظاهر حياته، وأي سلوك يقوم به، خاصة في العمل والحب، أهم شيئين في حياته كما قال فرويد.
في العبارة الأولى من كتابه “اختيار مهنة”، الذي نشر عام 1909 بعد وفاته، يقول بارسونز: “لا توجد في حياة الإنسان خطوة أكثر أهمية من اختياره لمهنة، إلا إذا كانت اختيار زوج أو زوجة”، ويواصل بارسونز كلامه قائلا: “إن بناء حياة مهنية عمل معقد مثل بناء منزل، ومع ذلك فنادرا ما نجد قلة من البشر تجلس مع ورق وقلم ومعلومات خبرة ومرشد نفسي لكي تخطط حياة مهنية عاملة، وتتعامل علميا مع مشكلات الحياة، مثلما تتعامل مع مشكلة بناء منزل جديد حين يأخذون نصائح المهندس المعماري لمساعدتهم”.
ولأن عمل الإنسان في مهنة يرتبط بالعائد الاقتصادي الذي بدونه لا تستقيم الحياة؛ كان تركيز علم النفس الإرشادي في بدايته على الحياة المهنية يساعد الإنسان على اختيارها، وإعداد نفسه لها، وممارستها بأكبر درجة من الفاعلية. لكن علم النفس الإرشادي لم يلبث أن طور رسالته لتصبح مساعدة الإنسان على تحقيق الفاعلية في جميع أدوار حياته كابن وابنة، ووالد ووالدة، وزوج وزوجة، ومحب وعامل وعضو في مجتمع، هكذا تطور الإرشاد الأسري ليساعد الناس على تحقيق الفاعلية في جميع أدوار حياتهم كأعضاء في الأسرة، والفاعلية تتجاوز التغلب على المشكلات إلى تنمية أفضل ما في الإنسان من قدرات ومشاعر وإبداع وإنتاج، ولا يكفي أن تكون حياة الزوجين انشغال دائم بتوفير لقمة العيش ومساعدة الأبناء في استذكار دروسهم، أو الجلوس معا في صمت مؤلم، لا شجار، نعم ولا عبوس، نعم، ولكن أيضا لا سعادة تفيض من قلبيهما وتحيط بحياتهما.
كان الإرشاد النفسي هو الإنقاذ لزواج محسن وداليا اللذين خبت ما بينهما من حميمية، أما شعلة الوجد فقد أخذت تنطفىء أحيانا، وتثير دخانا يخنق الروح، وأحيانا تهب عليهما نسمة هواء هادىء، فتشتعل قليلا، ويختلط الضوء الخافت بالدخان الخانق، وهكذا تفقد الحياة الزوجية بهجتها ورونقها ومتعتها.
ماذا فعل المرشد النفسي مع محسن وداليا، الواقع أن هذا شأنه وشأنهما، فالمرشد النفسي محرم عليه أن يتحدث عما يحدث بينه وبين من يساعدهم، القواعد الأخلاقية المهنية بل والقانونية تمنعه من الحديث عن أي شيء يقال له في حجرة الإرشاد، وعن أي إجراء إرشادي أو علاجي يقوم به مع عميل من عملائه، لكن علم النفس الإرشادي يبتكر ويدرس الاستراتيجيات التي تساعد على التخلص من سلوك معين أو تنمية سلوك محدد، وينشر نتائج دراساته في دورياته وكتبه العلمية؛ ليتعلم منها المرشدون ودارسي الإرشاد النفسي.
كانت مشكلة محسن وداليا هي تقهقر الحميمية، هذا الدفء الذي يربط مكونات العلاقة، ويعمل على استمرارها. الحميمية هي تقارب بين الزوجين أو أي اثنين، هي دفء يشعر به كل منهما في علاقته بالآخر، هي ثقة في الآخر، واطمئنان في الاعتماد عليه. ماذا يفعل الإرشاد النفسي إذا اختفت هذه المظاهر أو خبت؟ للإجابة عن هذا السؤال يجب أن نعرف أولا ما يؤدي إلى نمو الحميمية، تنمو الحميمية نتيجة ما بين الإنسان وأخيه الإنسان من روابط قوية ومتنوعة، فالشخصان الحميمان يتميزان بروابط قوية متنوعة ومتكررة أساسها الثقة والأمانة والاحترام والالتزام والشعور بالأمن والمؤازرة والكرم والإخلاص والتبادلية والفهم، وتنمو الحميمية حين ننمي هذه الخصائص أو نستعيد تنميتها لدى الأفراد.
ويعمل الإرشاد النفسي في مساعدة الأفراد على تنمية الحميمية، وفي مراكز الإرشاد النفسي يعمل مرشدون تخصصوا في مجال العلاقات بين الأفراد، وفي مساعدة الأفراد على تحقيق الفاعلية في قيامهم بأدوارهم المختلفة مثل: دور الوالد أو الزوج أو الابنة، ويأتي إلى هذه المراكز الأزواج وغيرهم من الأفراد الذين يعانون من صعوبات في بدء العلاقات الحميمية أو في المحافظة عليها، أو في إنهائها، ويعمل المرشدون على مساعدة الأفراد على تعلم مهارات الحميمية، ويقوم هذا التعلم على أساس مبدأين: الأول: هو تيسير شعور الأفراد بأنهم مستقلون، لهم أفكارهم ومشاعرهم المستقلة، أما المبدأ الثاني: فهو أن الأفراد مع استقلاليتهم فإنهم يستطيعون أن يتقاربوا من بعضهم، ذلك أن بعض المنظرين يرون أن من المهام الصعبة التي يواجهها الأفراد هي كيف يحتفظون بهويتهم وتكاملهم، ومع ذلك يندمجون في علاقات حميمية مع الآخرين.
ومن العوامل التي تساعد الإنسان على تكوين علاقات إنسانية صحيحة، وبالتالي علاقات حميمية جيدة، نظرة الإنسان إلى الآخر باعتباره قيمة في ذاته، ذلك أن كل إنسان هو منجم من الإمكانات الإيجابية، ومن ثم هو قيمة في ذاته، ويصبح من اليسير تكوين علاقة حميمية مع الآخر إذا تعاملت معه باعتباره غاية وهدفا؛ فهو إنسان جدير بالمعرفة والتقدير والحب، لا باعتباره وسيلة لتحقيق منافع وفوائد شخصية، مثل هذه النظرة تؤدي إلى التقارب مع الآخر، ويؤدي هذا التقارب إلى أن يكتشف كل فرد ما فيه وما في الآخر من إمكانات، ويعمل كل على تنميتها واستثمارها.
وقد قدم أرجايل وهارتفيلد أفكارا ومبادىء تسهم في تعليم الأفراد كيف يكونون حميمين في علاقاتهم مع الآخرين، ومن هذه المبادىء:
تشجيع الأفراد على أن يتقبلوا أنفسهم كما هي: فقد اعتاد الناس أن يقيموا أنفسهم، ويقيموا الآخرين على أساس معايير مطلقة، فالإنسان إما خير أو شرير، قوي أو ضعيف، ذكي أو غبي، شجاع أو جبان، لكن مثل هذه التصنيفات لا تفيد في فهم الناس أو التعامل معهم، فكل إنسان هو مجموعة من الخصائص المعقدة المتشابكة، له جوانب قوة وجوانب ضعف، والإنسان الفعال هو الذي يؤمن أنه مثل أي إنسان آخر له ميزات، كما أن به عيوب، وفاعلية الإنسان ترتبط بقدرته على فهم واستثمار ما به من ميزات، وتقبل ما به من عيوب ومحاولة تجاوزها، وإذا تقبلت ذاتك، صرت واعيا بميزاتك وحاولت استثمارها، كما صرت واعيا بنواحي القصور لديك، وحاولت تغييرها أو تحييدها.
تشجيع الأفراد على أن يتقبلوا أصدقاءهم الحميمين كما هم: معظم الناس يعتقدون أن من حقهم أن يكون أحباؤهم هم الأفضل، فمن حقي أن يكون لي أفضل والد ووالدة، وأفضل أخ وأخت، وأفضل حبيب، لكن الآخر يعيش في الواقع وليس كما أتصوره، وإذا أردت أن أكون علاقة حميمة مع الآخر؛ فإن علي أن أتقبله كما هو، ذلك أن من حق أي إنسان أن يكون على ما هو عليه، لا كما أحب أنا في الصورة التي أريدها له، وسعي الإنسان إلى أن يشكل الآخر في الصورة التي يخلقها له، من شأنه أن يولد لدى الآخر مشاعر سلبية، ونجد بعض الناس من الصعب عليهم أن يتقبلوا أن من حق الصديق أو المحبوب أن يكون في الصورة التي يريدها لنفسه، إذ يرون أنه من الأفضل أن يكون أصدقاؤنا ومن نحب في الصورة التي نريدها لهم، وكأن الزوج يقول: إن الأمر لا يتطلب منها مجهودا كبيرا لأن تفعل كذا، أو أن تكون كذا، لماذا هي عنيدة؟ وحينما يتحقق المحبون أن من يحبون لهم شخصيات معينة، ليست بالضرورة هي الصورة التي نحب أن تكون؛ عندئذ تصبح العلاقات الحميمية ممكنة وتبدأ في النمو.
تشجيع الأفراد على أن يعبروا عن أنفسهم: يجب أن يتعلم الأفراد أن يشعروا بالراحة وهم يعبرون عن أفكارهم ومشاعرهم، لكن هذا ليس بالأمر السهل، فالعلاقات الحميمية هي أكثر العلاقات أهمية، وحينما يكون الوجد(الهوى) قويا، والنتائج التي يمكن أن تترتب عليه خطيرة؛ يتردد الناس في قول الصدق، ويحاولون أن يقدموا صورة حسنة ومتسقة عن أنفسهم، وحينما يكونون في علاقة حب، يترددون في التعبير عن شكوكهم، إذ ماذا يفعل المحب حينما يشعر أن محبوبه قد تأذى نتيجة لما صرح به، وماذا يكون الحال لو أدى ذلك إلى تدمير العلاقة؟
ولكي يصبح الإنسان حميميا، يجب أن يسعى إلى التواصل الأمين، الوديع، التام، والذي يتسم بالصبر، وأن يفهم أن أفكار الآخر معقدة، وممتلئة بالأشياء الدقيقة والظلال وعدم الاتساق، وفي علاقات الحب يتوفر الوقت لتوضيح ذلك.
ومن المثير للاهتمام أن الناس يكتشفون أن مشاعرهم المحبة تزداد حينما يبدؤون في التعبير عما يضايقهم، وحينما يعتقدون أنهم يفقدون علاقة الحب، وأنهم يشعرون بالملل من هذه العلاقة، وحينما يبدؤون في التعبير عن غضبهم ومشاعرهم المتناقضة، يشعرون بأن مشاعر الحب قد عادت إليهم.
تعليم الأفراد كيفية التعامل مع ردود أفعال رفاقهم الحميميين: يمكن أن يؤدي تعبير الفرد عن مشاعره وأفكاره بصدق إلى شعور الآخر بالأذى، خاصة حينما تكون العلاقة بين الاثنين موضوع هذه المشاعر والأفكار، وقد يعبر الآخر عن شعوره بالألم والأذى لما قاله صديقه مما يجعل الصديق يشعر بالذنب أو يستجيب بغضب، ويجب أن يتعامل الحميميون مع هذه المواقف بدقة وحساسية، وفي مثل هذه المواقف لا يفيد أن يستجيب المحب أو الصديق لمثل هذه الفورات الانفعالية بطريقة آلية، أو أن يتراجع أو يعتذر عما قاله، وإنما أحب أن يذكر نفسه أن من حقه أن يعبر عن أفكاره ومشاعره، كما أن من حق صديقه أن يعبر عن أفكاره ومشاعره، ويستمر في المحاولة في شرح أفكاره في هدوء حتى يوصل للآخر وجهة نظره، عندئذ فقط تكون هناك فرصة لتكوين علاقات حميمية.
العلاقات الحميمية بين الأفراد هي التي تجعل لحياة الإنسان معنى، ولوجوده قيمة؛ ذلك أن هذه العلاقات تؤدي إلى شعور الإنسان بالدفء والمودة والتقدير والمؤازرة والأمن، ومن خلال هذه العلاقات يكتشف الإنسان ذاته، وما بها من ميزات، ويعمل على استثمارها.
العلاقات الحميمية هي طريق النمو والشعور ببهجة الحياة ومتعة الوجود، ومن ثم تستحق الحميمية بذل الجهد لتنمية علاقتي مع الآخر صديقا كان، أم قريبا، أم محبوبا؛ وذلك حتى تصير الحياة حبا.

*********************

*استاذ علم النفس الارشادي-جامعة القاهرة

24ديسمبر 2017

شاهد أيضاً

الباحثة صفاء عبد السلام *تكتب :في مجتمعي فيلسوف

  في سبعينيات القرن الماضي قدم لنا المسرح المصري مسرحية “مدرسة المشاغبين” والتي تعرض ما ...