الرئيسية / أخبار ثقافيه / د. محمود عساف يكتب:آمال الخطاب السياسي وآلام الواقع التربوي

د. محمود عساف يكتب:آمال الخطاب السياسي وآلام الواقع التربوي

ثمة تباين صارخ بين آمال الخطاب السياسي، وآلام الواقع التربوي، يلحقه تناقض بين ما يحلم به المصلحون والفلاسفة، وما ارتكبه أصحاب الأصفار الستة، والسجلات الوطنية الوهمية في هذا المجتمع، إلى الحد الذي أصبح ينتظر فيه البائسون خلاصهم في عالم الآخرة بعد الموت الذي يتمنوه ويروه أهون من العيش تحت سطوة ليس لها محددات.وعليه، إن أي محاولة لفهم أوضاع التعليم، ومسار حركته في أي بلد، يقتضي النظر إلى أهدافه وسياسته في إطار السياق المجتمعي والقدرة على التغيير، دون النظر إلى مواقع القوة والسيطرة لنظام الحكم، فالتعليم عملية حيادية في أصلها، لكنها موجهة نحو الأفضل في أسلوبها، ودون البحث عن التكيف والموائمة مع العوامل التي تفرضها ضرورات التوازن المرحلي مع القوى والمصالح، فالتعليم ليست عملية انعاش في كنهها.وفي محاولة للابتعاد قليلاً عن مصير الحالة الفلسطينية، ومحاولات المصالحة الحثيثة، وقناعتي بامتداد أثر الانقسام السياسي على مدار سنوات، وعدم قيام المؤسسات التعليمية بدورها الاجتماعي في الضغط على الساسة وصناع القرار وأصحاب المصالح للدخول إلى دائرة الوحدة على مدار أحد عشر عاماً، فإن الواقع التعليمي ينتابه مظاهر عديدة للتناقض رغم كل الجهود المبذولة لتحسين الصورة.في محافظات غزة فقط على سبيل المثال، والتي تعدادها 2 مليون نسمة، (29) مؤسسة تعليم عالي موزعة على (8 جامعات، 8 كليات جامعية، 10 كليات مجتمع، 2 كليات بولتيكنيك، 1 أكاديمية دراسات عليا) يدرس فيها (110) ألف طالب وطالبة، وفي فلسطين (1.2) مليون طالب في مرحلة ما قبل الجامعة ، منهم (449) ألف طالب في محافظات غزة، موزعين على (397 مدرسة حكومية، 276 مدرسة تابعة لوكالة الغوث) بمعدل زيادة سنوية في عدد الملتحقين (49) ألف طالب جديد، وكثافة صفية قد تصل إلى (55) طالب في الصف الواحد.ولعل من المفارقات العجيبة في هذا الواقع أن الجامعات تضخ أكثر من (20) ألف خريج سنوياً، تصل نسبة البطالة بينهم إلى 60%، في الوقت الذي تدعو فيه بعض نقابات المهن إلى عدم الالتحاق في بعض التخصصات نظراً لزيادة عدد الخريجين والذين على قائمة الانتظار للعمل، فعلى سبيل المثال:⦁ الجامعات التي بها تخصصات الهندسة تخرج سنوياً من (800-900) مهندساً، في حين حاجة السوق لا تتجاوز (50) مهندساً، والتي بها تخصصات التربية تخرج من (4000-5000) معلماً سنوياً، في حين ان حاجة السوق لا تزيد عن (500) معلماً، ففي هذا العام على سبيل المثال، تقدم لوظيفة معلم ما يزيد عن (28000) خريج، في الوقت الذي أعربت فيه وزارة التعليم عن حاجتها لـ (300-400) معلم فقط.وفي الوقت الذي تتردى فيه الأوضاع بعمومها في غزة، واحتدام حجم الأزمات فيها يوماً بعد يوم، إلى الحد الذي أثبتت فيه تقارير المنظمات الدولية أن 55% من طلبة محافظات غزة بحاجة إلى الدعم النفسي، وأن مدخلات التعليم مشوهة، وغياب التنسيق بين الجامعات فيما يخص ( الكليات، التخصصات، والقبول)، واهتراء البنية التنظيمية للمؤسسات، نتيجة لارتباطها بالانتماءات الحزبية.ينتهي الأمر إلى (تجارة التعليم) بكل مخاطرها التربوية والاجتماعية، وتحول مؤسسات التعليم إلى مؤسسات تجارية يكاد يخلو مضمونها من المقاصد الوطنية، إلى ان أصبح شعار التجويد والتميز دعوى غير صحيحة لا تعتمد إلا على العلاقات، وتصدير المنفعة على المستوى الخارجي، والداخلي.إن ما أسطره هنا في هذا المقال، ما هو إلا زفرات محموم يخنقه ارتفاع درجة الحرارة إلى الحد الذي لا أستطيع السيطرة فيه على القلم أو مراعاة أصول الكتابة تنظيماً ووضوحاً، ومرد ذلك إلى المظاهر الخداعة التي تمارسها مؤسسات التعليم، وحالات الإسهال الفكري لبعض المتمترسين وراء مكاتبهم في الجامعات، والذين لم تخدمهم كفاءاتهم في التعيين بالقدر الذي خدمهم عامل الندرة قبل سنوات، فيحصدون جهود غيرهم، والبعيدين كل البعد عن الميدان، ولا يبذلون أدنى جهد في تحليل المنظومة الاجتماعية، وانعكاسات أدوارهم في عملية الإصلاح، فيتشدقون بالوضع السياسي، وبديمقراطية التعليم، وحقوق الإنسان، وهم أول من ينتهك هذه الأمور.وخلاصة القول، لا سبيل إلى تعليم وطني متطور من أجل مجتمع حر يكمل مشروع التحرر، إلا من خلال مشاركة حقيقية لتطويره قائمة على تحليل البنية الداخلية والخارجية، وإيقاف التردي الذي وصل إليه في سياق هيمنة السوق، والمصالح الضيقة، وتقديم الولاءات على حساب الكفاءات.

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *في ذكراه التاسعه :أحفاد حسن حنفي يهاجمون أركون

العالم العربي لا يقرأ والمثقفون العرب لا يقرأون لبعضهم البعض أيضا ! هذه حقيقة يؤكدها ...

تعليق واحد

  1. واقع مؤام …عبرت بشكل مباشر عما نفكربه هذا حال مجتمعنا وتعليمنا ورموزنا ولاة امورنا للاسف ..حياتنا شعارات فارغة ..لا معنى لها …
    للامانة تم قتل الانسان الفلسطيني بغزة بسكينة حافية ..وللاسف اعطوا الاخرين نفس السكينة ولسه اعتقد القادم اصعب
    تم امتهان الانسان في غزة بشكل مطلق
    لم يعد لاي مستوى او مركز او منصب هيبته
    تفننت حكومتنا كيف تقلل من رواتبنا وبالتالي من مسمياتنا وبالتالي من هيبتنا ومن وجودنا وتعلمت منهم الوكالة والمؤسسات المختلفة والحكومة الجاية اكيد اخذت تغذية راجعة وعرفت كيف حتتعامل معنا
    طبعا يبقة اصحاب الاصفار الستة لا يمسهم ضرر فهم فوق القانون وطبعاً احبائهم .
    دمت دكتور نبض افكارنا ?