الرئيسية / أخبار ثقافيه / نصرالدين شنوف *يكتب:قراءة في كتاب اسماعيل مهنانة ” العرب ومسألة الاختلاف

نصرالدين شنوف *يكتب:قراءة في كتاب اسماعيل مهنانة ” العرب ومسألة الاختلاف

ما الحاجة اليوم إلى فلسفة هايدغر؟

اسماعيل مهنانة وفكر الاختلاف.

في رحاب الهرمينوطيقا: لمحة سريعة لتاريخ الهرمينوطيقا.

في الجدل السلبي في الثقافة العربية:

مارتن هيدغر، تجاوز الميتافزيقا

 

يفتتح اسماعيل مهنانة كتابه ” العرب ومسألة الاختلاف: مآزق الهوية والأصل والنسيان ” الذي ترجم مؤخراً إلى الفرنسية نظراً لما له من ثقل معرفي وفلسفي من خلال طرحه لمواضيع جريئة لم يسبق للعقل العربي أن خاض فيها بنفس المستوى من الابتزاز والاستفزاز سعياً منه إلى تحريض العقل العربي على أن يفكر في ما لم يسبق التفكير فيه، وأعني أن يفكر في الفكر نفسه الذي أنتجه والذي ينتجه الآن، أن يفكر في طريقة جديدة للتفكير، في أن يقارب آليات التفكير الذي يتبناها مقاربة نقدية على ضوء فلسفة الاختلاف، أقول يفتتح مهنانة هذا الكتاب بتساؤل مشروع وغاية في الأهمية بوضعه للأنا العربية موضع درس وتحليل بمقاربتها على أوجه متباينة: فلسفية ونفسية وثقافية.
هل الأنا العربية أنا جوهرانية؟، هل الأنا العربية كينونة ومونادات ميتافزيقية مكتملة؟، أم أنها وفقاً لمبدأ الصيرورة ذاتاً متعددة ومتدفقة على غير صعيد؟، والحديث عن كينونة عربية في مقابل كينونة غير عربية هي على وجه الخصوص غربية، يرمي بنا إلى التساؤل أيضاً: هل الشرق شرق خالص؟، وهل الغرب غرب خالص؟.
يدخل مهنانة في مقاربته ومعاينته لفكر الاختلاف في الوسط الفلسفي العربي عبر زعزعة بعض النقاشات التي كانت في القريب العاجل معطلة أومعلقة، إنه يرمي إلى استعادة السؤال عن الثقافة والسياسة والدين والإيمان والنص والهوية …إلخ. إذ أن طرح هذه المسائل اليوم طرحاً فلسفياً على ضوء فكر الاختلاف وما اجترحه لنا من إمكان على صعيد الفكر يبدو أكثر من ضرورة. في مقابل ذلك دعوته إلى إعادة النظر في مقولات حوار الأديان وحوار الحضارات بناءاً على ما يحدث اليوم وعلى ما تستشفه الحياة المعاصرة من قيم العنف والإرهاب والحرب والفوضى.
ويتوقف مهنانة عند مقاربته للمسألة الدينية فلسفياً على ثلاثة مستويات: المستوى العلماني الكلاسيكي، والمستوى الأنثروبولوجي، والمستوى الهرمينوطيقي. أما المقاربة العلمانية للدين والتي تتجسد في نظره في أطروحات الشيوعية والوضعية المنطقية والنزعات العلماوية والإلحادية، فإنها تتلخص في المساوقة بين الخطاب الديني وما بين النظرة الميتافزيقية للعالم، ومحاولتها لتأسيس رؤية علمية كبراديغم مخصوص بديلاً عن النظرة اللاهوتية للعالم والتي سيطرت كثيراً بمفاهيمها الأسطورية وبسحرياتها وهواماتها الماورائية. لكن هذه المقاربة العلمانية على حد وصف مهنانة سرعان ما تسقط في النخبوية. وفي مقابل المقاربة العلمانية للمسألة الدينية، هناك مقاربة أنثروبولوجية ممثلة في كتابات كل من هيغل وماركس وفرويد وقبلهم فرويباخ، بالإضافة إلى بعض المدارس البنيوية وما بعدها، وتكتمل جغرافيا هذه المقاربة مع تيودور أدورنو في الجدل السلبي. وعموماً تذهب هذه المقاربة إلى تفسير الدين والتدين بعامة بارجاعه إلى الشروط التاريخية والاقتصادية والثقافية الحاصلة والمنبثقة من الوعي التاريخي للحظة، إنها مقاربة على حد تعبير مهنانة ترمي إلى تعليق الخلاص من الاستلاب وقهر الأديان للبشر إلى ما بعد تشكل وعي تاريخي شامل، ومأزق هذه النظرة في كونها لا تملك أية يوتوبيا بديلة للعالم ما بعد الديني[1] ‴اسماعيل مهنانة، العرب ومسألة الاختلاف، ص8‴.
أما المقاربة الهرمينوطيقية والتي نستلهمها من كتابات كل من شلايرماخر وهيدغر وريكور وغادمير، فإنها تُعْنَى بالمتابعة المحايثة لكل النصوص والتصورات والتمثلات قصد تملك الفهم عبر الإصغاء لكل الأصوات والتفاعل مع كل القراءات، وهذه التحليلية التأويلية منحدرة على ما يعتقده مهنانة من حكمة اسبينوزا ” بدل الكره أو الغضب يجب بالأحرى الإصغاء والفهم “، إنها فلسفة الصبر بما هي إنفتاح لا محدود ولا مشروط على كل التراثات والثقافات العالمة. ومع هذا تجد هذه المقاربة نفسها أمام خطر لا معين يتمثل في التمييع والتلاشي، تلاشي السمات الأساسية للرؤية، وهذا ما عبر عنه دريدا بقوله ” السمة إنسحاب “، إن التأويل بما هو نشاط مخصوص يبقى دوماً بين خطرين: إنصهار الآفاق على حد تعبير غادمير وتلاشي المؤول والتقهقر نحو الذات وقافا عند التصور الفوكاوي[2] ‴ص9‴.
وبالرجوع إلى الثقافة العربية وراهنيتها، فإن مهنانة يشير إلى أن الحديث عن الدين في الفكر العربي المعاصر ليس إلا محاولة منمقة لإبراز مظاهر التدين من جديد، ذلك أن الثقافة العربية في الأصل هي ثقافة دينية قائمة على النص من حيث هو نص مقدس متعالى عن كل شرط تاريخي، وما الدين هو الذي غاب لكي يعود، بل في كل الأزمنة العربية كان الدين الفاعل والمؤثر الأول في تشكيل صورة الوعي العربي. إن ما غاب في أزمنة الإنبثاق الحداثوي هو روح الدين/التدين، وما العودة إلى هذه الأنماط من التفكير سوى أنها ردة فعل لما بعد الحداثة[3] ‴ص10‴.
يستعيد مهنانة مفهوم التراث عند هيدغر بما هو ما يقبل علينا من المستقبل بخلاف ما يعتقده البعض على أن التراث هو ما نتركه في الماضي، لينظر إلى التراث على أنه تأسيس مستمر ورؤية تاريخية وجودية ما تنفك أن تتوقف عند لحظة معينة، التراث وبخاصة التراث الديني اللاهوتي لا يمكن القبض على معالمه الكبرى إلا باخضاعه للسياق التاريخي واللغوي الذي برز فيه، ولا يمكننا فهمه بوصفه أقنوماً أو جوهراً مفارقاً، بل بخلاف ذلك تماماً، إنه بحاجة إلى تجاوز مستمر، إذ التجاوز وحده يضمن بقاءه واستمراره، ولا نعني بالاستمرار هنا إرادة المحافظة والتقديس، مثلما لا نعني بالتجاوز الهدم والنفي والتبليس، إن إستراتيجية الإستمرار والمجاوزة من الناحية الفلسفية تشير إلى حصول الفهم يستتبعه تأسيس نقدي على طريقة الجدل السالب، ولا يمكننا بلوغ ذلك إلا إذا كنا صادقين مع هذا التراث ومع ما يفرزه الراهن من معطيات. إن التراث ومن ثمة قراءة التراث ليست مهمة بسيطة بما هي قضيتنا الجوهرية في الفكر العربي المعاصر، ” لا يمكن لأي مفكر أن يخرج أسئلته على وجهة وجيهة إذا لم يكابد القضية بصدق ونزاهة، حدود النفاق والتصنع ضيقة جدا في عالم الفهم، يكشف الصدق في الفكر عن إنسانية العالم التاريخي الذي نعيشه، وهي الفكرة التي عمقها فيكو ودافع عنها … فيكون الصدق بدءاً وأفقاً “[4] ‴ص10‴.
اسماعيل مهنانة: رهانات الفكر السؤول: ما معنى التفكير في هذا العصر؟.
يذهب مهنانة إلى أن الفكر تساؤل يختلف جذرياً عن العلم، إذ الفكر بخلاف العلم لا يعلل الظواهر بل يتساءل عن ماهية العلة نفسها، وهذا اللاتعليل هو ما يميز الفكر عن غيره من فلسفة وعلم، إن هذه الحيادية التي يتسم بها الفكر في أن يبقى دوماً على مسافة من كل فعل تعليل هي أولى وظائفه، وما من مهمة للفكر غير أنه يحافظ عن العلم في السقوط في ديمومة التعليل ومن ثمة في فخ الإعتقاد. إن الإعتقاد بما هو عادة إنسانية سيئة بتعبير مهنانة ونكوص ظرفي للفكر المتيقظ يصبح وفي المقام الأول العدو اللدود للفكر، بما أن الفكر هو يقظة دائبة مستمرة. يصبح الفكر بمثابة مقاومة ضد كل أشكال الإعتقاد، إن الفكر في بعده المفهوماتي يظل بمثابة رؤية جذرية أصيلة للوجود.
يستدعي مهنانة في هذا السياق كل من نيتشه وهيدغر اللذان أكدا بأن الفكر نسي اليقظة، نسي الإختلاف الأنطولوجي الذي كان يجدر به تأسيسه والمحافظة عليه خصوصاً في الأزمنة الحديثة وما أفرزته من تحولات على مستويات عديدة، ويشير مهنانة بتأثير من هيدغر بأن الفكر قد تحول إلى فلسفة منذ اللحظة السقراطية الأفلاطونية، إنتقل الفكر من رحاب المطلق الحر الصادق إلى المدارس والأكادميات من أفلاطون إلى وقتنا الحالي. لقد إمتزج الإيدوس بالإيبوس وفي غمار هذا التداخل نسي الفكر يقظته التي كانت دوماً تتجسد في أعمال بارمنيدس وهراقليطس، إن استرجاع حريتنا في معانقة فعل التفكير الحر يقتضي منا الرجوع إلى اللحظة ما قبل السقراطية لتحرير الفكر نفسه من تبعات الأنظمة السياسوية الصارمة، فأن تفكر يعني أن تكون حراً، أي صادقاً، ” فقد كان الفكر قبل سقراط/أفلاطون يلقن من مفكر إلى مفكر آخر إثر علاقة الصداقة، والصداقة هنا هي علاقة الصدق الأصيلة التي تقوم بين رجل حر ورجل حر … عليك أن تقطع شوطاً قاسياً مع نفسك لتتحرر وتكون صديقاً لبارمنيدس أو هراقليطس أو غيرهما من مفكري ما قبل السقراطية … وأي فشل في مناهضة نفسك سيعود بصخرتك إلى منحدر سيزيف “[5] ‴ص14‴.
يقارب مهنانة مقولة التفكير مقاربة فينومينولوجية خالصة، فأن نفكر يعني أن نعلق الحكم حول كل ما نملكه من أفكار وحول كل ما نصفه بالمعتقدات والمسلمات. أن نفكر يعني نراجع ذواتنا باستمرار، أي أن نتجدد على الدوام، أن نخرج من كهوف ذواتنا لنرى نور الحقيقة الخالصة من كل تصور إيديولوجي عقائدي. وبما أن الفكر العربي سلسلة لا متناهية من العقائد والمسلمات والمفاهيم المتعالية عن أطر التاريخ والواقع بما هو تشكيل كياني ميتافزيقي مليئ بالاستعلاء الوجودي والتجريد الرمزي، يبقى دوماً بعيداً عن كل فعل تفكير حقيقي، إنه فكر لا يعي معنى التفكير، أو بلغة هيدغر إننا لم نفكر بعد، وهذا ما استشفه مهنانة في نكوص الفكر العربي على طول عقود طويلة من الزمن عن مباشرة تحليل العوائق الإيبستيمولوجية والأنطولوجية التي تمنعنا على أن نفكر – خارج التراث وأطره. إن الفكر في المستوى الماهوي حرية وإمكان وفاعلية، إنه حركة وجاذبية أصيلة نحو ممارسة الإختلاف والتعدد، إنه انعتاق مستمر من كل شد دوغمائي.
إذن أن نفكر حسب مهنانة يعني أن نقطع حبل الود مع كل إعتقاد، أن نتمرد حتى على أحوالنا، إن الفكر الأصيل يتمثل لنا عبر كل مقاومة دؤوبة ضد كل أنماط السقوط والنسيان، فالفكر في معناه المخصوص والمتفرد هو تذكر وإستعادة دائمة لقدر الإختلاف الأنطولوجي. فأن نفكر يعني أن نسعى إلى كشف كل سلطة كامنة وراء الخطاب، خطاب الأنساق والمذاهب بوصفها لغة تحولت مع التاريخ الى إصطفاء.
إن الفكر الحقيقي في نظر مهنانة لا يفكر بعقائد ومسلمات بل بمفاهيم حية لا بمفاهيم ميتة، فالفكر لا تقوم له قائمة إلا إذا استحظر المفهوم كإمكان ماثل، إن للمفهوم صلاحية محددة ونسبة معينة من الحيوية والقدرة الوشائجية على إبداعية مفهومية مماثلة، إن المفهوم الميت هو ذلك الصنم الذي أنزله القدر التاريخي من مستوى المفهومية إلى مستوى الإيديولوجيا بمعناها السلبي، إنها مفاهيم تحولت إلى عقائد بما هي مفاهيم محايثة لقيم الحضور والثبوت والوجود الأبدي، إن المفاهيم في الأصل كما يرى مهنانة كلها مفاهيم تاريخية، المفهوم له سِنَهُ ويعاني قلق الوجود بوصفه ذاتاً مفهومية، إنه يحيى في السياق الثقافي الذي ظهر فيه ويتفاعل مع قوى الثقافة القائمة، لكن سرعان ما يموت ويفنى بتأخره التاريخي عن مجرى الأحداث السائلة بسرعة عالية. وهي ذاتها الحقيقة التي انتبه إليها كل من نيتشه هيدغر ودولوز. ” لقد استيقظ مارتن هيدغر يوما على هذه الحقيقة ووجد أن معظم مفاهيم الإنسانية تلوكها في شكلل عقائد راسخة ومنغلقة على رياح الواقع التاريخي وبالتالي هي مفاهيم ميتة “[6] ‴ص18‴.
إن من الخصائص الجوهرية للفكر الجذرية، الفكر لا يكون إلا جذرياً، وما القول بالتفكير الجذري سوى أنه تحصيل حاصل، والفكر كما أشرنا سلفاً هو حالة ناقمة لكل إعتقاد، والقول بفكر إسلامي/مسيحي..إلخ هو قول لا يوجد ما يبرره، إن هذه اللازمة الإعتقادية هي ما كان الفكر نفسه يقاوم ضدها، إنها ما يخشى الفكر الأصيل السقوط فيه، ويستحظر مهنانة هيدغر من جديد عبر مقولته: ” إن قولنا فكر مسيحي أشبه بقولنا دائرة مربعة “.
يشير مهنانة إلى أن ما يسميه هيدغر بمجاوزة الميتافزيقا هو نفسه ” تاريخ نسيان الوجود” وبالتالي تاريخ نسيان الفكر ليقضته وانزلاقه في المعتقد، وما نسيان الوجود إلا سبباً من أسباب نسيان الجذرية التي تعتبر من أخص خصائص الوجود، إن الجذرية بما هي خاصية جوهرية يقوم عليها الفكر لا نجد لها وجود في تاريخ الفلسفة بعد بارمنيدس وهراقليطس إلا مع الفلسفة الديكارتية، وهذا ما إنتبه له هوسرل، قبل أن تسقط هذه اليقظة بجذرية الفكر في عوالم البنى التيولوجية الأنطولوجية للميتافزيقا الحديثة، حتى إن جاء نيتشه ليصارع ضد كل أشكال الإعتقاد باحثاً عن تلك الجذرية المنسية للفكر، وبعده هيدغر الذي كابد على طول الخط ضد كل حضور ميتافزيقي في داخل بنى اللغة الفلسفية. وطرح نيتشه وهيدغر وبعدهما دولوز وديريدا على مستويات متباينة الشعر كأفق لمعاودة استرداد جذرية الفكر المنسية
الدرس الهرمينوطيقي: من لحظة التأسيس الغربي إلى لحظة التأصيل العربي.
لقد كانت الهرمينوطيقا في مراحلها الأولى محصورة في فن تأويل النصوص وبخاصة النصوص الدينية والقانونية، إلى حين جاء فرديريك شلايرماخر وفلهالم دلتاي اللذان انتقلت معهما المضامين الهرمينوطيقية من المجال الديني إلى حقل الدراسات الإنسانية والإجتماعية والنفسية، إذ تكمن قيمة التأويلية الشلايرماخرية في محاولته تأطير الفعل التأويلي بقواعد وقوانين عامة تجعل من التأويلية نظرية علمية عامة الأمر الذي طوره دلتاي بعده في ربطه الهرمينوطيقا بعلوم الإنسانيات، تلك العلوم التي تَفْلِتُ من كل نظرة منهجية صارمة، فكانت الهرمينوطيقا الطريق الأمثل عند دلتاي في تأسيس إيبستيمولوجيا خاصة بالعلوم الإنسانية. ولم تنتهي الدراسات الهرمينوطيقية عند هذا الحد، إذ لم تَعُدْ الهرمينوطيقا منحصرة على تفسير النصوص وتأويل المقاصد، مثلما لم تعد تختص بالمشكلات الموضوعية والمنهجية للعلوم الإنسانية، لقد أضحت الهرمينوطيقا بمثابة رؤية عامة للعالم، تلك الرؤية التي نقلت الدراسات الهرمينوطيقية من المستوى الإيبيستيمولوجي إلى المستوى الأنطولوجي، هرمينوطيقا أنطولوجيا هدفها تعيين كينونة الكائن في العالم. إذ الطفرة المنهجية التي حققها هيدغر تكمن في محاولته توظيف الهرمينوطيقا في كشف المكنون عن الكائن بوصفه موجود في العالم، إنها محاولة لتحديد إحداثيات وحيثيات هذا الكائن من حيث هو كائن موجود في الوجود، هذا التصور الهيديغيري للهرمينوطيقا منحدر من الفلسفة الفينومينولوجية، تلك الفلسفة القائمة على ضرورة الربط بين الوعي والعالم الخارجي ربطاً قصدياً، إذ المعنى في أفق التمثل الفينومينولوجي يحيل دوماً إلى شيئ ما. استجابة للكوجيتو الفينومينولوجي ” أنا أفكر لكن بموضوع فكري “، أو بصيغة مغايرة: ” أنا أفكر لكن في شيئ ما “، وتقتضي علينا التراتبية الهرمينوطيقية لفت الإنتباه للحلقة الغاداميرية في تاريخ تطور التأويلية باعتبارها محطة أساسية في تشكل الدرس الهرمينوطيقي المعاصر، وغالباً ما تنعت هرمينوطيقا غادامير بأنها هرمينوطيقا لغوية تعطي للغة دوراً حيوياً في تنشيط الفعل التأويلي من خلال مقومات الحوار والتبادل والرؤية الفنية لمقولة الحقيقة ومحاولته التمرد على المنهج، فبالرغم من أنه عاد بالهرمينوطيقا إلى الفلسفة اليونانية والكانطية والهيغيلية، إلا أنه لم يقف عند حدود تصور هذه الفلسفات للهرمينوطيقا، فارتبطت معه الهرمينوطيقا بمواضيع السلطة والحقيقة والفن والتراث والجمال، لتضطلع الهرمينوطيقا الغاداميرية بوظائف نصية تتيح لنا إمكانية استنطاق التجربة الفنية والأدبية والتاريخية .
وينفجر الخطاب الهرمينوطيقي عند اللحظة الريكورية، فهو إضافة إلى أنه يقف كنقطة وصل ما بين فينومينولوجيا هوسرل وتأويلية هيدغر، نجده يعمل على مقاربة الاختلاف الحاصل بين غادامير وهبرماس خصوصاً في ما يتعلق بالوظيفة السوسيولوجية للتأويلية، تلك التأويلية التي أخذت معه طابعاً نقدياً مفارقاً، مفارقة تكمن أصالتها في محاولته لتكييف المنهج الهرمينوطيقي مع خصوصيات ومتطلبات الذات الفاعلة من حيث هي وجود وماهية، إنه أعاد إثارة قضية المنهج وأهميته في العملية التأويلية، لتغدو معه الهرمينوطيقا بمثابة نظرية علمية للتأويل، علمية تتجاوز الإنحراف المنهجي الذي دعا إليه غادامير في الحقيقة والمنهج.
أما حضور الهرمينوطيقا في الفلسفة العربية المعاصرة، كان حضوراً نوعياً حضور جاء كنتيجة لتفاعل المفكرين العرب مع الفلسفات ومناهج الغربية، إذ استنفذ الفلاسفة العرب كل الإمكانيات المتاحة في سعيهم الدؤوب لتخليص الأمة العربية من تخلفها وتشرذمها، فكانت للهرمينوطيقا بوصفها منهج في القراءة حضور رئيسي في الكثير من المشاريع النهضوية، خصوصاً عند فلاسفة العقلانية النقدية، كمشروع نقد العقل الإسلامي لأركون، ومشروع الإبداع والإتباع لأدونيس، وصولاً إلى نصرحامد أبوزيد الذي كان مشروعه تأويلياً بامتياز، كل هذه المشاريع على اختلاف منطلقاتها وعلى تنوع أسمائها ومرجعياتها، كانت ترمي إلى الهدف نفسه، هدف يتمثل في تحديث العقل العربي ودفعه لوعي أزمته وواقعه. ولا نجافي الصواب إذا ما قلنا، بأن الخط الناظم بين هؤولاء الفلاسفة ­ أركون وأبوزيد وأدونيس ­ يتمثل في تركيزهم على ضرورة نقد وتجديد الفكر الديني، فارتبطت النهضة معهم بمدى قدرة العقل العربي على إعادة إنتاج لاهوت إسلامي حداثي، لاهوت لا يمكن إقامته إلا من خلال إعادة تأويل النصوص الدينية والتراثية على السواء، من هنا ضرورة استدعاء الهرمينوطيقا والإستعانة بها في إعادة قراءة النصوص التراثية كمحطة مهمة لتحقيق النهضة.
مع علي حرب بلغت الممارسة الهرمينوطيقية ذروتها في الفلسفلة العربية المعاصرة، ممارسة انسجمت تماماً مع خصوصيات مشروعه ” النص والحقيقة “، ذلك المشروع المنفتح على كل نص فلسفي كانفتاح الحقيقة نفسها، فكانت فلسفته في الأخير عبارة عن إعادة قراءة للنصوص الفلسفية سواءً الغربية أو العربية، قراءة أخذت طابعاً تأويلياً بامتياز. هذا ما يبرر سجالات علي حرب مع العديد من المفكرين أنفسهم أو نصوصهم، أمثال الجابري محمد عابد وطه عبد الرحمن و أركون وغارودي وأبوزيد …الخ، مثلما يبرر خرجاته الحوارية مع فلاسفة غربيين أمثال هيدغر وهابرماس وفوكو وليوطار وآبل ودولوز. وبعيداً عن النصوص الفلسفية، اهتم علي حرب كغيره من المفكرين العرب بواقعه ومشكلاته تشخيصاً وتحليلاً، محاولة جاءت في شكل خطابات تأويلية عززتها إرادة معرفة الذات وأهمية الوعي الإجتماعي. فانبثق الخطاب الهرمينوطيقي عنده من معرفته النقدية للواقع العالمي والإنسان والمجتمع العربيين .

************************

* طالب دكتوراه. فلسفة معاصرة.
          جامعة الجزائر

 

شاهد أيضاً

د.عبد الله سليمان *يكتب:أنت وذاتك والحب

  فكرت أن يكون عنوان هذا المقال: “الطفل: الذات والحب”؛ لكني وجدت وأنا أصوغه أنه ...