الرئيسية / أخبار ثقافيه / الحضارتين ” المصرية والصينية ” والمنهج العلمى والفلسفى

الحضارتين ” المصرية والصينية ” والمنهج العلمى والفلسفى

المنهج العلمى والفلسفى

لدى أصحاب أقدم حضارتين ” المصرية والصينية “

إعداد

  • أ.د الصاوى الصاوى أحمد

مسؤل التعاون الدولى – جامعة بنها

  • د.رغدة وي تشي رونغ، أستاذ اللغة العربية

جامعة الدراسات الدولية ببكين
*******************************************************

على الرغم من تفوق الحضارتين الصينية والمصرية على جميع حضارات العالم – ويؤكد ذلك  بقاء أثر الحاضرتين حتى يومنا هذا – فإننا نجد من يشكك فيهما بحجة عدم وجود رؤى أو منهج علمي وفلسفي لهاتين الحضارتين، ومن مظاهر هذا التشكيك أننا نجد من يعتقد من الباحثين والمفكرين “على غير الحقيقة” أن أصحاب أقدم حضارتين “مصر والصين” ليس لديهم منهج علمي ولافلسفة بمعناها الحقيقى تضاهى فلسفة اليونان، ولكن ما لديهم ما هو إلا فكر يطلقون عليه “الفكر الشرقي القديم” .فهل ما يطلق عليه الفكر الشرقي القديم ” مصريًا أو صينيًا ” لا يعد فلسفة أو لا يرقى لدرجة الفلسفة؟. وإذا كان يرقى، فلماذا لايطلق عليه فلسفة مصرية قديمة أو فلسفة صينية أو فلسفة شرقية قديمة؟      قد نجد الإجابة من البعض الذي يبادر بالقول أن ما وصل إليهم من تراث فكري من هؤلاء لا يعد فلسفة ولا علمًا. والإجابة إذا كان هذا صحيحًا أي لا يعد فلسفة ولاعلمًا بالمفهوم الحقيقي للعلم والفلسفة. فكيف شيدت أعظم وأقدم حضارتين فى العالم والتي مازال أثرها موجودًا ومعترفًا به حتى الآن ..؟  وهل من الممكن أن تبنى مثل هاتين الحضاراتين بدون منهج علمي ورؤى فلسفية ذات عمق ميتافيزيقي ؟ واذا كان لايمكن أن تبنى مثل هذه الحضارة بدون أبعاد علمية وفلسفية متعددة وشاملة، فالسؤال هنا: ما الأبعاد الفلسفية المشتركة ولماذا لا يعترف بها من أصحابها على الأقل؟ وما هى المناهج العلمية والفلسفية الذي استخدمها فلاسفة الحضارتين وأقاموا عليها أعظم حضارتين؟ هذا ما سنتناوله من خلال بحث الأطر المشتركة بين الرؤى الفلسفية ومناهجها فى الحضارتين منذ القدم حتى وقتنا الحاضر كمثال :أولا ً: التراث الحضاري المصري والصيني وما يحتويه من رؤى وأبعاد علمية وفلسفية مشتركة.ثانياً: أسباب تجاهل التراث العلمي والفلسفي للحضارتين .ثالثاً: القضايا العلمية والفلسفية فى مصر والصين القديمة. رابعا ً: المناهج العلمية والفلسفية التي استخدمها فلاسفة الحضارتين أمثال: أمحوتب وبتاح حوتب من فلاسفة مصر القديمة وكونفوشيوس وبوذا والطاوية وغيرهم.   أولًا :التراث الحضاري المصري والصيني وما يحتويه من رؤى علمية وفلسفية.       تعد الحضارتان المصرية و الصينية من أقدم وأعظم حضارتين فى العالم، والذي يمتد إلى حوالى 5000 سنة قبل الميلاد، فهما تسبقان الحضارة اليوناينة، ومن أهم ما تتميز بهما الحضارتان أنهما:⦁ عبادة الإله والتوحيد وعبادة الشمس وغيرها.⦁ الاهتمام بالفنون والآداب والعلوم، مثل علوم الطب والصيدلة  والفلك والرياضيات … وغيرها.⦁ تتميز الحضارتان بأنهما نتاج تجمعات وتأثيرات ورؤى متعددة الإ أنها تجمع فى طياتهما الرؤى الشاملة.بالرغم من مرور آلاف السنين على هاتين الحضارتين وتعرضهما للعديد من عوامل الاخفاء والاندثار سواء من عوامل التعرية وحالات التدمير التي تعرضتا لهما من الاستعمار وإخفاء اللغة التي صيغت بهما الحضارتان، وبالذات الحضارة المصرية القديمة، إلا أنهما مازالتا متحفظتين بأصولهما، ومن ثم فإن مثل هاتين الحضارتين فى أصالتهما وجودتهما وشموليتهما لجميع مناحي الحياة الروحية والمادية لابد وأن تكونا قد أقيمتا على منهج ورؤى فلسفية بمعناها الواسع والشامل لذا استمر أثرهما حتى وقتنا الحاضر. إذًا ما المنهج العلمي والفلسفي التي شيدت على أثره هاتان الحضارتان ؟ وما سبب إخفاء أو عدم الاعتراف بوجود فلسفة ومنهج شامل أقيمت عليها الحضارتان؟    هذا ما سنعرض له.   ثانيًا: أسباب تجاهل الرؤى العلمية والفلسفية للحضارتين.تعددت أسباب تجاهل الرؤى العلمية والفلسفية للحضارتين المصرية والصينية. من هذه الأسباب على سبيل المثال لا الحصر:⦁ اختفاء اللغة التي كتبت بها الحضارتان.     من المعلوم أن اللغة التي كتبت بها أسرار علم وفلسفة الحضارتين قد اختفت، وبالأخص اللغة المصرية القديمة (الهيروغليفية – والديموطيقية – والهيراطيقية – والقبطية) وللأسف لا يوجد أحد يعرفها الإ ما ندر حتى وقتنا الحاضر ولا يتوافر إلا القليل من مخطوطاتها التى تتمثل فى البرديات وعلى جدران المعابد. وأما اللغة الصينية فبرغم احلال لغات صينية أخرى محلها الإ أن الصينيين يعرفون لغتهم القديمة، لذلك صيغت الحضارة باللغات الصينية المعاصرة، ولهذا يعرفها معظم الصينيين، أما المشكلة هنا أن معظم شعوب العالم وبالأخص المنطقة العربية لا يعرفون اللغة الصينية القديمة ولا الحديثة، وبالتالي لا يمكن الكشف عن أسرار هذه الحضارة من غير أهلها، وعليه فإن قوانين العلم وفلسفته ومناهجه التي أقيمت عليها الحضارتان تعد مجهولة لا يعرفها أحد سواء من أهلها بالنسبة للغة المصرية القديمة، وبالنسبة للغة الصينية فلا يعرفها من غير أهلها إلا القليل، فمثلًا اللغة المصرية لا يعرفها أحد من أهلها حتى جاء شمبليون الفرنسي وحاول فك بعض رموزها. وبإخفاء اللغة أوعدم معرفتها ضاع سر الحضارة من معابد وأهرامات ومومياوات، لهذا لا يوجد ما يدل أو يبرز أسرار هذه الحضارة، والدليل على ذلك أنه منذ اهتمام الدولة بفك رموز اللغات المصرية القديمة عن طريق أقسام وكليات الآثار بدأت تنفك بعض رموز هذه الحضارة وتنكشف أسرارها.⦁ تعرض الحضارتين للنهب الاستعماري. من المعلوم أن الحضارتين المصرية والصينية تعرضتا للغزو الاستعماري سواء من الهكسوس أو غيره، مما أدى إلى نهب أو تدمير الكثير منها وكذلك ضياع أسرار الحضارتين من برديات ونقوس ومؤلفات ومخطوطات.⦁ التغيرات المناخية.أدت التغيرات المناخية وعوامل التعرية والإهمال الذي حل بمعالم الحضارتين إلى فقدان الكثير من أسرارها لذا يعاني علماء الآثار فى ترميمها وترجمتها وكشف أسرارها.⦁ محاولة الغرب إرجاع أسس العلم والفكر الفلسفي إلى اليونان.مما هو معلوم أن الغرب سواء القدماء والمحدثون حاولوا جاهدين إرجاع أسس الفكر والمنهج العلمي والفلسفي إلى اليونان على يد طاليس وفيثاغورس وديمقراطس، فى حين أن ديوجينس اللايرتي، أول من أشار إلى أن الفلسفة نشأت عند الشرقيين القدماء من مصرين وصينيين وهنود ()ثالثًا: أبرز قضايا الفلسفة والعلم  فى مصر والصين.لقد ذهب البعض – كما ذكرنا- إلى أن الفكر الشرقي القديم لا يرقى إلى درجة الفلسفة، ولو فرض وجود فلسفة فهى فلسفة إما مادية أي طبيعية فقط، أو أنها روحية فقط أي تركز على قضية واحدة من قضايا الفلسفة ولم تتناول الوجود ككل، ولكن بفحص التراث المصري والصيني القديم نجد أن لهما الرؤى العلمية والفلسفية التي تشتمل على جميع قضايا  العلم والفلسفة الميتافيزيقية والطبيعية الغيبية منها أو المادي، والدليل على ذلك:⦁ أن الفلسفة الصينية كانت تركز على الوجود وعدم الوجود: من أصحاب هذا المذهب الفلسفي الفيلسوف “وانغ لى، ومى دى ووكواتشانغ” وقد كان منهجهما الفلسفي قائم على سؤال كيف عرف الإنسان العالم، ولم يهتموا كثيرًا بتكوين العالم، وهذا يؤكد اهتمامهم بنظرية المعرفة القائمة على المنهج الفلسفى ().⦁ كما قامت فلسفة الطاوية والكونفوشيه على الرؤى الفلسفية الخلقية والسياسية القائمة على النواميس الطبيعية فالرجل الحق عندهم هو الذي يدرك أسرار السموات والأرض().⦁ سبق المصريون القدماء فلاسفة اليونان من أمثال فيثاغورس وبارمنيدس وديمقريطس فى رؤيتهم العلمية والفلسفية فيما يخص مبدأ الوجود وصفاته، فقد نشأت فكرة الأضداد فى الوجود عند القدماء المصريين التي تشهد عليها المعابد المصرية بوجود أزواج من الأعمدة كرمز لمبدأ الوجود ()⦁ إن فكرة وجود الله سبق المصريون بها فلاسفة اليونان والتي تتجسد فى مدرسة ممفيس التي بدأت بعبادة المصريين للكواكب فى محاولة لإثبات وجود الكواكب التي كانت بمثابة الإله.و من هنا يمكننا القول أن القضية أو القضايا الفلسفية السائدة لدى كلتا الحضارتين كانت  قضية الوجود بمعناه الشامل “المادى والغيبى”⦁ ومن أهم قضايا الحضارتين قضايا الإنسان والوجود وعلوم الطب والصيدلة والهندسة والرياضيات والفلك والتنجيم والتي ما زالت مرجعا لعلماء الغرب حتى الآن. كما أن هذه الفلسفة كانت لها خصائص تتميز بها منها:خصائص فلسفة الحضارتين.⦁ وحدة كوسميولوجيا الاهتمام بالخصائص اللازمانية الكامنة خلف المظاهر اليومية والاهتمام بالخلاص الذاتي والسلوك الأخلاقي.⦁ أهم الأسئلة الكبرى التي كانت تثيرها الفلسفة المصرية والصينية، وهى: ما الماهية الحقيقية للإنسان؟ وكيف يمكن له أن يتجاوز اضطرابات الحياة الأرضية؟ وما الواقع الحقيقي؟.⦁ اهتمت فلسفة الحضرتين بالمعنى وبالذات وبالجليل وبطبيعة الوجود الدائم لا المؤقت.⦁ الإنسان جزء من دورة الوجود ما بين الحياة والموت التي لا نهاية لها. ولذلك فالفلسفة الشرقية عن الذات تختلف عن الفلسفة اليونانية. فالذات تخضع لهذه الحقيقة التي لا تنتهي من الحقائق التي تشمل الوجود ()⦁ الفلسفة الشرقية (المصرية والصينية) فلسفة متفرعة لكن لها طريق واحد ()⦁ من أهم مبادئ المذهب الكونفوشيوسي التي تؤدي إلى استقامة المجتمع هى:⦁ الجين Jen: الرقة البشرية المتمثلة فى الوجود الصحيح.⦁ لى li: الإتيكيت واللياقة والقواعد.ج. شن chin: الاستقامة والسلوك الصحيح ()   و من هنا يتضح لنا أن العلم والفلسفة المصرية والصينية القديمة سبقا الفلسفة والعلم اليوناني بمعناهما الشامل فيما يخص البحث عن العلاقة بين الإنسان والكون بمداه البعيد وليس القريب كما يدعي البعض، فقد بدأت الفلسفة الميتافيزيقية عند الصين بفكرة الطاو وتعنى الطريق ()و السؤال الآن: بما أنه قد ثبت وجود رؤى فلسفية شاملة لدى أصحاب أقدم حضارتين فما المنهج العلمي والفلسفي الذي استخدمه أصحاب هاتين الحضارتين؟و هذا ما سنعرض له.رابعًا: المناهج العلمية والفلسفية السائدة لدى أصحاب الحضارتين       “المصرية والصينية”من المعلوم أن الصينيين والمصريين القدماء قد برعوا فى جميع العلوم والفنون المؤسسة على الرؤى الفلسفية، ومن أهم العلوم التي برعا فيها علوم الرياضيات والهندسة والفلك والتنجيم والطب وعلوم التشريح والتحنيط والعقاقير وكذا فنون العمارة والفن التشكيلي والموسيقى وعلوم التقويم وحساب الزمن ومعرفة الأبراج السماوية والكواكب السيارة، ولهما فى هذه العلوم نظريات فلسفية، أخذ بها فلاسفة الغرب منذ اليونان حتى عصرنا الحاضر ومما تتميز به هذه النظريات أنها كانت قائمة على الرؤى أو النظرة الروحية والمادية، وما يدل على ذلك أنهما جعلا إلهًا لكل علم، فهناك إله للكتابة وآخر للفنون وإله للطب وآخر للموسيقى وعلم التنبؤ العكسي “السحر”، هذا بالإضافة إلى النظرة المادية والطبيعية للموجودات () ومن نماذج نظرة المصريين الميتافيزيقية للموجودات نظرتهم لنهر النيل فهناك نهر الديانات وهو أطول أنهار الدنيا والذي انتهى بالإيمان بإله واحد. وهناك نهر الخيال الناتج من الثقافات المصرية المختلفة ()    كما اعتمد القدماء المصريون فى علم الطب على المنهجين الميتافيزيقى والتجريبى “المادي”، لهذا تعددت المناهج حسب كل علم وحسب الرؤية الفلسفية التي تكونت لديهم نتيجة الظروف الاجتماعية والبيئة والمعتقدات الدينية والتي عبروا عنها فى نماذج التماثيل والتعاليم التربوية مع ربط النتيجة بالأسباب مع الاستقامة بالوازع الديني واستخدام التفكير العقلي فى كل هذه النظريات، وهذا ما نجده واضحًا فى فلسفة كونفوشيوس وبوذا وطاو فقد كانت لديهم نظرة شمولية للوجود الكلي.ومن أهم المناهج العلمية والفلسفية التي استخدمها الصنيون والمصريون القدماء:⦁ المنهج العقلي    2-  الحدس          3-  المنهج التحليلي والتركيبي   4- منهج التنسك   5- النفسي       6- النقدي      7 – التجريبي       8- الاستنباطي   9- الوصفي     11- التاريخي   12 – الإستقرائي       و مما يتميز به المنهج العلمي والفلسفي عند قدماء الصين ومصر أنهم كانوا يستخدمون فى العلم الواحد العديد من المناهج العقلية (الفلسفي) والحدسية والاستقرائية والاستنباطية والتجريبية والتاريخية … إلخ، حسب محددات العلم، وما يؤكد ذلك الفيلسوف الصينى “لاوتسي” الذي ذهب إلى أن الإنسان عرف العالم بالحدس وليس بالحواس أو المنطق فقط ()كما استخدم المصريون القدماء العديد من المناهج فى علم الطب مثل المنهج الاستقرائي والتجريبي والاستنباطي والتاريخي والميتافيزيقي وغيرها من المناهج حسب ظروف الحالة المرضية، وذلك عن طريق الفحص والاستماع وجمع المعلومات والملاحظة والاستنباط والتاريخ المرضي، ثم بعد ذلك استخدموا المنهج الروحاني، مثال: اذا اتبع الطبيب مع المريض جميع المناهج ولم يشف يعول ذلك إلى غضب الإله، و هنا لابد من أن يلجأ المريض إلى رضا الإله وهذا ما يحدث الآن فى وقتنا المعاصر.و من خطوات المنهج العلاجي لدى أطباء القدماء المصريين والصينيين.⦁ تحديد الحالة. ⦁ الفحص الأكلينيكي بالشم واللمس والضغط بالأيدي والحوار مع المريض.⦁ التشخيص. ⦁ تحديد العلاج.⦁ المتابعة للحالة بشكل دوري، فإذا فشل- على المريض أن يلجأ إلى رضا الإله.و من هنا نستنتج  أن القدماء المصريين والصينيين كانوا أصحاب فلسفة شمولية قائمة على مناهج علمية وفلسفية شاملة منها العقلي والحسي والغيبي “الروحي” وغيرها. وللتأكد من ذلك لابد من الوقوف على أسرار هذا التراث المفقود .

 

********

شاهد أيضاً

محمد ناجى المنشاوى*يكتب: المسكوت عنه عند الغزالى وابن رشد 

 الكشف عن المسكوت عند الغزالى وابن رشد من كهنوت -عن الهيئة المصرية العامة للكتاب صدرت الطبعة ...