الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.داود خليفة *يكتب :هل يمكن الحديث عن فلسفة للعلوم في العالم العربي؟

د.داود خليفة *يكتب :هل يمكن الحديث عن فلسفة للعلوم في العالم العربي؟

كل سؤال في فلسفة العلم هو بالضرورة سؤال في العلم، وكل بحث في فلسفة العلم هو بحث في العلم في الآن نفسه، حيث إن العلم هو الذي يشكل الموضوع الأساسي لهذه الفلسفة، من هنا كان هذا الارتباط الجوهري بين فلسفة العلم والعلم، فلا يمكن الحديث عن فلسفة للعلم في غياب العلم. والواقع أن فلسفة العلوم هي الأقل انتشارا واهتماما من بين الفروع الأخرى لمباحث الفلسفة في عالمنا العربي، ولعل هذا العزوف مرده إلى تخلفنا العلمي المتمثل أساسا في غياب كل إبداع في مجال العلم.
وهنا نكون أمام مفارقة عند حديثنا عن إمكان قيام فلسفة للعلوم في العالم العربي، في عالم لا ينتج علما.
الكلمات المفتاحية: الفلسفة، العلم، الإبداع، النهضة، التقدم، التخلف…

***************
تعرف الفلسفة بأنها تأمل نظري تأملي يتكوّن حول قضية أو مسألة ما، وهي باعتبارها كذلك تعتمد على الفكر والمنطق والعقل، وتضع بناءها حول كافة المشكلات والمسائل التي تحتاج إلى تحليل وتفسير وفهم. والفلسفة وإن لم تكن علما، فإنها تُنظّر للعلم وتتأسس عليه في آنٍ واحد، وهي في مسارها التاريخي تطلب دائما من علوم عصرها النموذج النظري الذي يؤسس قضاياها، لأن للطرح العلمي تأثيره على الاتجاهات الفلسفية. ونظرا للعلاقة بين الفلسفة والعلم فإن الفلسفة تصبح بهذا المعنى مرادفة لتحليل الخطاب العلمي السائد، أي تتأسس على علوم عصرها، فهي في مجملها تتشكل في ضوء المعارف العلمية السائدة وتُبنى عليها.
هذه العلاقة التلازمية بين الفلسفة والعلم أنتجت ما أصبح يسمى بــ”فلسفة العلم”، كفرع من الفلسفة يهتم بشكل خاص بالعلم، والذي نشأ في أوربا بعد تطور العلم الطبيعي، خاصة بعد النقاشات الفلسفية حول العلم التي ما انفكت تزداد مع تطوره المطرد.
والواقع أن فلسفة العلوم هي الأقل انتشارا واهتماما من بين الفروع الأخرى لمباحث الفلسفة في عالمنا العربي، ولعل هذا العزوف مرده إلى تخلفنا العلمي المتمثل أساسا في غياب كل إبداع في مجال العلم. من هنا جاءت إشكالية المداخلة على النحو التالي: هل يمكن الحديث عن قيام فلسفة للعلم في العالم العربي إذا كان هذا العالم أصلا لا ينتج علما؟
العلم وفلسفته عند العرب المسلمين:
إن الحديث عن الحاضر يستدعي دائما استحضار الماضي، لا من أجل سرد ذلك الماضي وإنما من أجل استقرائه. واستقراء التراث العلمي لدي العرب المسلمين، يكشف مدى إسهامهم فيه بشكل لم يكن له نظير. وطبعا لن نقوم هنا بسرد الإسهامات العربية الإسلامية في العلم، فقد كُتب حول ذلك الكثير، ولكن يكفينا القول أنه لا أحد – مِن مَن يؤرخ للعلم بموضوعية – يمكن أن ينكر مدى إسهامات العرب المسلمين في العلم، والعلوم الطبيعة بشكل خاص، فمن المعروف أنهم أسهموا بشكل فعّال في التأسيس للمنهجية التجريبية، حينما تأكد لعلماء الإسلام أن الأسلوب النظري المورث من الفلسفة اليونانية الأرسطية لا يؤدي إلى نتيجة أو تقدم في فهم الظواهر الطبيعية، وأن الفكر اليوناني بمنهجه التأملي المجرد أعجز ما يكون عن فهم الطبيعة أو التعامل معها. وحقيقة أن العلوم الطبيعيَّة عند المسلمين استندت في بدايتها على مؤلَّفات اليونان، مع أن اليونانيين أسسوا فهمهم للطبيعة على الفلسفة المجرَّدة، دون أن يكون للتجربة دورا يُذْكَر في تلك المحاولات، أما علماء الإسلام فقد جعلوا التجربة ركيزة أبحاثهم، حيث نهجوا في بحوثهم المنهج التجريبي بخطواته المعروفة حاليا، من حيث ملاحظة الظاهرة كما هي في الطبيعة، ثم استنتاج فرضيات للتفسير، ثم امتحان تلك الفرضيات عن طريق التجريب، وأخيرا صياغة القانون الذي يحكم تلك الظاهرة موضوع الدراسة.
إننا نجد عند علماء الطبيعة المسلمين إلحاحاً في الدعوة إلى تطبيق هذا المنهج التجريبي، سواء من طرف “جابر بن حيان” 721-815 في الكيمياء، أو “الرازي” 854- 925 و”ابن سينا” 980-1037 في الطب، أو “ابن الهيثم” 965- 1040 في البصريات… وغيرهم. وهم لم يكتفوا بالدعوة النظرية فحسب بل كانوا عمليين، على سبيل المثال، كان الحسن بن الهيثم يعتمد على المنهج العلمي في أبحاثه وطبقه علميا وعمليا في مؤلفاته ومختبره، إذ كان منهجه يعتمد على استقراء الواقع، ولا يمكن للاستقراء أن يستقيم دون الاعتماد على الأجهزة والآلات، الذي قام هو بتركيبها وصنعها واستعمالها.
هذا الأسلوب العلمي الذي اتبعه المسلمون أدى إلى انتقال علوم الطبيعة من طب وفلك وكيمياء وفيزياء من مجرد أراء ساذجة إلى علوم مضبوطة، إذ فتحت انجازات العلماء العرب المسلمين آفاقا معرفية لا نهائية لفهم أدق تفاصيل الظواهر الكونية الحية منها والجامدة.. فقد اثبُتوا أن هناك تناقضات كبيرة بين الحقائق والنظريات العلمية اليونانية (نظريات الفيزياء الأرسطية ونظريات علم الفلك البطلمية) وبين المعطيات العلمية التجريبية الجديدة. وكان هذا بمثابة تحول في ميدان العلم الطبيعي وقطيعة مع البراديغم اليوناني – الأرسطي، فتحول بذلك الولاء لــأرسطو إلى الولاء للعقل والعلم.
هذا الإبداع العربي الإسلامي في العلم كثيرا ما يقابل بكتابات تحاول النيل من قيمته وأصالته، بطريقة أقل ما يقال عنها أنها منافية للحقيقة، في هذا الصدد يقول أحد المستشرقين: «لا ينبغي أن نتوقع وجود تلك العبقرية الخارقة لدى العرب ولا تلك الموهبة المتمثلة في المخيلة العلمية، وذلك الحماس والابتكار في الفكر، لقد كانوا تلاميذ اليونان، وما علومهم إلا استمرار لعلوم اليونان» (وات، م. 1982:46).
وحتى المنهج العلمي الذي هو إبداع عربي إسلامي خالص، إلا أن الكثير ينسب الفضل في اكتشافه إلى الفيلسوف الانجليزي فرنسيس بيكون 1561- 1626 (F.Becon) الذي وضع إبان عصر النهضة الأوربية الحديثة كتابه المشهور “الاورغانون الجديد” (Nouvoum Organon) يؤسس فيه للمنهج الجديد القائم على الاستقراء التجريبي، كمنهج مناقض للمنهج الاستنتاجي الصوري الذي وضعه أرسطو 384ق.م-322ق.م ( Aristote) في كتابه “الاورغانون”.
ما يهمنا، إلى أي حد أبدع المسلمون في فلسفة العلم كما أبدعوا في العلم؟ وهل يمكن أن نلمس عندهم تأسيسا للفلسفة العلمية على غرار تأسيسهم للمنهجية العلمية؟ بمعنى: هل يمكن القول أن علماء المسلمين استطاعوا الوصول إلى ما يمكن تسميته بفلسفة العلم؟
في الحقيقة، يمكن أن نلمس بعض جوانب من فلسفة العلم لدي العرب المسلمين، سواء كان ذلك بوعي منهم أو بغير وعي، ويمكن أن نلمس تلك الجوانب في ما يلي:
1- التأسيس للتفسير الوضعي في العلم:
تجلى ذلك في اهتمامهم بالتفسيرات الوضعية للحقائق الطبيعية، بعيدا عن كل اعتبارات ميتافيزيقية، وتجسد ذلك خاصة في الاعتماد على ما يسمى بالعلة الفاعلة التي هي المرادف الحديث لمفهوم السببية، وابتعادهم عن السببية الغائية التي كانت أساس التفسير لدى اليونان، لاسيما فلاسفة الطبيعة الأوائل الذين تناولوا المسائل العلمية بالنظر إلى الطبيعة ككل، نظرة قائمة على أسس فلسفية، تأملية مجردة، حيث طغى التفسير الفلسفي المجرد على الحقائق الطبيعية، مما جعل العلم اليوناني سجين النظرة الغائية مع ما في ذلك من إقحام للاعتبارات الميتافيزيقية. لقد كان علم الفلك مثلا عند المسلمين نموذجا للتفسير الوضعي العلمي، حيث رفض علماء الإسلام كل التفسيرات الفلكية الخرافية التي لا يمكن التحقق منها انطلاقا من منهجية تجريبية أو حسابية رياضية، وهذا التحول نحو الوضعية هو ما شكّل نقطة انعطاف كبيرة في مسار العلم الطبيعي.
2- انفصال العلم عن الفلسفة:
هذا الانفصال كان نتيجة للتفسير الوضعي في العلم، حيث إن علماء الإسلام تبنوا، كما أشرنا، المنهج التجريبي الاستقرائي، فـــ«بواسطة المنهج الإسلامي الاستقرائي نستطيع أن نفسر عداوة الإسلام للفلسفة. لأنه إذا كان الإسلام يتطلب المنهج الاستقرائي التجريبي وينكر أشد الإنكار المنهج البرهاني القياسي، استطعنا أن نفسر عدم نجاح الفلسفة – وهي قائمة على هذا المنهج – في الإسلام» (النشار، ع، س. 1984: 354). ويتأسس على ذلك أن الانفصال الحقيقي بين العلم والفلسفة ليس كما يروج له أنصار النزعة المركزية الأوربية، الذين يعتبرون منتصف القرن السادس عشر هو التاريخ الفعلي لانفصال العلوم عن الفلسفة، لأن الانتقال من فلسفة الطبيعة إلى علم الطبيعة تحقق أولا مع المسلمين وليس مع علماء أوربا.
3- ترييض الظواهر الطبيعية:
في إطار النظرة المركزية الأوربية يعتبر غاليلو غاليلي 1564- 1642 (Galileo G.) صاحب الفضل في إدخال الرياضيات إلى علوم الطبيعة، من خلال اعتباره الطبيعة كتابا مكتوبا بلغة رياضية، لكن فكرة ترييض الطبيعة نلمسها عند العلماء التجريبيين المسلمين، الذين نظروا إلى ظواهر الطبيعة باعتبارها ظواهر مٌريّضَة (Mathématisée)، ولقد تجسدت العقلانية الرياضية – التجريبية بصورة واضحة لدى الحسن بن الهيثم (راشد، ر. 2011: 360)، وأعماله تشهد على ذلك، حيث اعتبرت مثالا للدقة واليقين نظرا للاستعانة بالصياغة الرياضية. ومن جهة أخرى اقترن علم الفلك والتنجيم والرصد بالرياضيات كما كان الحال عند الخوارزمي 780-850 في “الجبر والمقابلة” و”الخوارزميات” (اللوغريتمات).
4- الدعوة إلى الموضوعية:
تعتبر الموضوعية أساس الروح العلمية، والتي تقتضي من الباحث أن يتناول دراسة الظواهر كما هي في الواقع، بمعزل عن كل الدوافع والاعتبارات الذاتية. ونجد لدى المسلمين دعوة ملّحة إلى التحلي بالموضوعية والتقيد المطلق بها في تفسيراتهم لمختلف الظواهر المدروسة، وليس أدلّ على ذلك وأبلغ من هذا النص لـ الحسن بن الهيثم الذي يقول فيه:
«…نبتدئ البحث باستقراء الموجودات وتصفح أحوال المبصرات وتمييز خواص الجزئيات ونلتقط باستقراء ما يخص البصر في حال الإبصار وما هو مطرد لا يتغير، وظاهر لا يشتبه من كيفية الإحساس… ثم نترقى في البحث والمقاييس على التدريج والترتيب مع انتقاد المقدمات والتحفظ من الغلط في النتائج، ونجعل غرضنا في جميع ما نستقرئه ونتصفحه استعمال العدل لا إتباع الهوى ونتحرى – في سائر ما نميزه وننتقده – طلب الحق لا الميل مع الآراء… فلعلنا ننتهي بهذا الطريق إلى الحق الذي به يثلج الصدر ونصل بالتدرج والتلطف إلى الغاية التي عندها يقع اليقين ونظفر مع النقد والتحفظ بالحقيقة التي يزول معها الخلاف وتنحسم بها مواد الشبهات…» (نقلا عن: (النشار، ع، س. 1984: 125).
5- تصنيف العلوم:
مما يدخل في فلسفة العلم مسألة تصنيف العلوم، ومن المعلوم أن علماء الإسلام وفلاسفته اهتموا بهذه المسألة أيما اهتمام، تجلى ذلك بصورة واضحة عند الفارابي في “إحصاء العلوم” و”رسالة في أقسام العلوم العقلية” لــابن سينا و”مراتب العلوم وكيفية طلبها” لــابن حزم و”الفهرست” لـابن النديم…
نستطيع أن نؤسس على ذلك أنه كان للعرب المسلمين فلسفة للعلوم متماهية مع إبداعاتهم العلمية، ويمكن للقول – بشكل أعم – أن هذه الفلسفة العلمية تمظهرت بالأساس في العقلانية الرياضية عند الخوارزمي والعقلانية التجريبية عند ابن الهيثم (راشد، ر. 2011:364)، وهي بهذا تتجاوز الإطار اليوناني في التناول الفلسفي لعلوم الطبيعة، نحو تصور جديد لا يكتفي بدراسة الطبيعة فلسفيا، بل علميا وفق منهجية تجريبية، هذا الشكل من فلسفة العلوم تجلى بشكل بارزٍ عند علماء الإسلام في مجاوزتهم للتصوُّر القديم حول المعرفة العلمية، نحو تصور جديد يأخذ في الحسبان بعدها العقلاني وإطارها التجريبي.
فلسفة العلم عند العرب المعاصرين:
في الوقت الراهن، هل يمكن القول إن لدينا فلسفة للعلم بالمعنى الدقيق للكلمة في عالمنا العربي اليوم؟ أو هل هنالك فلسفة علمية عربية معاصرة تشكل إطاراً نظرياً شاملاً للفكر العربي؟
قبل الإجابة على هذا السؤال ينبغي علينا أن ننطلق من ماهو عام ثم إلى ماهو خاص، وبالتالي ينبغي النظر إلى الفلسفة في العالم العربي بوجه عام قبل الحديث عن فلسفة العلوم بوجه خاص.
في سياق قراءته للحقل الفلسفي العربي يذهب جورج طرابيشي 1939- إلى أنه ليس لدينا فلاسفة بالمعنى الحقيقي للكلمة وإنما تراجمة فلسفة، ومن هذا المنظور فإن قيام فلسفة عربية غير ممكن في الظروف الحالية لعدة أسباب من أهمها هو أن العلم لا يُنتَج في الساحة العربية، والفلسفة اليوم مرتبطة بالمنتج العلمي ارتباطا وجوديا (المطيري، ع. 2008). إننا نتفق مع جورج طرابيشي لأنه للأسف غلُب على الفلسفة العربية المعاصرة الطابع التكراري أو الاجتراري وبالتالي فهي مجرد قراءات، لم ترقَ إلى مستوى القول الفلسفي النسقي المتماسك, ولم تكتمل المذاهب المتكاملة سواء على مستوى المفاهيم أو المناهج، ومن ثـــمّ غاب كل إبداع فيها باستثناء باطنية (الجوانية) عثمان أمين 1905– 1978، وجودية عبد الرحمن بدوي 1917- 2002، فلسفة الاجتماع والحضارة عند مالك بن نبي 1905- 1973 والخلدونية الجديدة «التي تمّثلها خلدونية زكيّ الأرسوزي وناصيف نصّار؛ كما تشكلت فلسفة اجتماعية مّثلت علم الاجتماع الخلدوني المعاصر، وخلدونية سلفية (بمعنى النظرة الخلدونية إلى مشكلات العصر الراهن) تمثلت خاصة عند عبد المجيد مزيان وعبد الله شريط» (سعيدي، ح. 2002- 2003: 86). التي تتفق عليها بعض الدراسات كنماذج إبداعية في الفلسفة العربية المعاصرة.
وبالتالي، فإن الاتجاه الإبداعي، المتأّثر بالغرب، لم يقدم للفلسفة العربية المعاصرة سوى إضافات إشكالية هو في غنى عنها أصلا؛ فالمفكر العظيم تتجّلى عظمته في أصالته بأصله، وفيما يزود به العالم بقدرة تواصل لم تكن قائمة من قبل؛ والأصالة تكمن في الأثر، أي في التحقيق المبدع الذي لا يتكرر بدقة، ولكنه ينجب خليفة يحذو سمته الأصلية، وبذلك تكون الأصالة قفزة في التاريخ، ومعجزة الجديد داخل أصله الذي ينتمي إليه (سعيدي، ح. 2002- 2003: 108).
لكن، أين موقع فلسفة العلم من ذلك كله؟
انطلاقا من موقف جورج طرابيشي السابق، الذي يربط فيه بين الفلسفة والمنتوج العلمي، فإنه من الاستحالة قيام فلسفة أيّا كان مجالها دون أن تتأثر بالعلم. وليس من الممكن قيام فلسفة للعلم عربية في الظرف الحالي، لأننا أمة لا تنتج علما، كما أن فجوة التخلّف بيننا وبين العالم المتقدم في قضايا العلم والتقنية أضحت كبيرة جدا. ولا نعرف سبب ذلك، هل بنية العقل العربي والإسلامي لا تقوى على المعرفة العلمية؟ لو كان الأمر كذلك فلماذا أبدع السلف وعجز الخلف؟
إن فلسفة العلم هي كل تفكير في العلم، أو في أي جانب من جوانبه، في مبادئه أو فروضه أو قوانينه، في نتائجه الفلسفية أو قيمته المنطقية والأخلاقية (الجابري، م، ع. 2002: 24). بالقياس إلى هذا التعريف، فإننا نلاحظ في الساحة الفكرية العربية غياب كل تفكير أو خطاب في العلم أو حوله، ففلسفة العلم لا تنبثق إلا من خلال هذا التفكير أو هذا الخطاب الموجه نحو العلم، ذلك لأن العلم هو ما يدفع الفلسفة ويغذيها. ونحن نعلم أنه لا يمكن إنتاج خطاب ما إلا بوجود موضوع يتمحور حوله هذا الخطاب، وبانعدام المنتوج العلمي العربي انعدم وجود خطاب علمي في الفكر العربي. ولعل سبب ذلك يعود إلى أن كل إنتاج علمي يتطلب بالضرورة قيم ثقافية وممارسات اجتماعية وظروف اقتصادية ومؤسسات سياسية، وهذه العوامل مجتمعة تشهد غيابا كليا في الساحة العربية.
عموما، يمكن حصر بعض الأسباب التي أدت بالعرب المعاصرين إلى عدم الإبداع العلمي أو إنتاج ما يمكن تسميته بــ”فلسفة العلم”، في ما يلي:
غياب سياسية للبحث العلمي:
عندما نلقي نظرة على إحصائيات الإنفاق على البحث العلمي نجد أن هناك ضعفا في الاهتمام بهذا الجانب، فالدول العربية مجتمعة لا تنفق على البحث العلمي سوى 02% من إنفاق الولايات المتحدة، وأن إنفاق الدول الغربية على البحث العلمي يتجاوز 03.5% من الناتج القومي، ولا يتجاوز 0.1% عند الدول العربية (مباركة، ص، ع. 2006: 18)، وهذه إحصاءات قديمة نوعا ما، ولا شك أن نسبة الإنفاق على البحث العلمي ستشهد تراجعا بسبب سياسة التقشف التي تنتهجها أغلب الدول العربية حاليا.
هجرة الأدمغة:
كنتيجة لما سبق، وبسبب عدم الاهتمام بالبحث العلمي تفشت ظاهرة هجرة العقول والكفاءات خاصة ذوي الاختصاصات النادرة إلى بلدان تتمتع بمستوى اقتصادي وتقني أعلى، وبالتالي فالهجرة هنا في اتجاه واحد من الدول المتخلفة إلى الدول المتقدمة، وعالمنا العربي كما هو معروف مصنف ضمن الدول المتخلفة التي تشهد ارتفاعا في نسبة هجرة الأدمغة، وتدل الإحصاءات أن الوطن العربي يشكل 1/3 هجرة الكفاءات من الدول النامية، حيث إن 50% من الأطباء و30% من المهندسين و15% من العلماء من مجموع الكفاءات العربية يهاجرون إلى أمريكا وأوربا وكندا (مباركة، ص، ع. 2006: 18).
لهذه الأسباب وغيرها انعدم الإبداع في الوطن العربي لأن البيئة الاجتماعية لا تساعد عليه ولا تشجعه، حيث لم يجد الإبداع في المناخ الثقافي والاجتماعي إلا ما يعوق تحركه ونموه، وكان من نتيجة ذلك كله أننا نشهد تخلفا في جميع المستويات وعلى كافة الأصعدة.
ومن المؤسف القول إنه ومنذ إبداعات علماء العرب الأوائل لم نشهد للعرب أي انجاز علمي مفصلي يذكر، ولم يكن لهم أي إسهام في أي نظرية من نظريات العلم الكبرى. ونظرا لغياب إبداعنا العلمي غاب إبداعنا الفلسفي، ولاسيما في فلسفة العلوم، لأن هذه الأخيرة تتغذى من نتائج العلم وما يطرحه من مشاكل وما يواجهه من عوائق. من هنا نستطيع القول إن إمكان قيام فلسفة العلم في الوطن العربي لن تقوم له قائمة، مادامت هذه الفلسفة تتغذى باستمرار من التقدم العلمي والتقني، ونحن ما زلنا خارج التاريخ فيما يتعلق الإنتاج العلمي، لأننا مجرد مستهلكين للعلم المعاصر لا غير. ولكن عندما نمتلك رؤية جديدة تضفي على العقل العربي الإحساس بأنه مرتبط معرفيا بالعالم، حينذاك تندلع ثورة فكرية، ويولد نموذج إرشادي جديد، حينها ربما يُعلن عن ميلاد فلسفة للعلم في العالم العربي.
من هنا، فإن فلسفة العلم التي نريدها ليست فقط تلك التي تعتبر مجرد قراءات لما يُنتج في الغرب، أو ترجمة لما يكتبه الغرب حول علومهم، إننا نريد فلسفة للعلم تنطلق من العلوم العربية كموضوع لها، تتناولها بالدراسة والنقد لتسهم هي بدورها في تقدم هذه العلوم. إلى ذلك الوقت نحن ننتظر بزوغ فجر العلم العربي من جديد، وبزوغ فلسفة علمية عربية حول العلم العربي. ولا يتطلب الأمر سوى مجهود جماعي من طرف النخبة لأنها الوحيدة القادرة على التفكير الجماعي النسقي من اجل بناء فلسفة عربية قادرة على مواجهة التحديات العلمية والتقنية (عبدالقادر، م، علي. د ت: 189).

خاتمة:
لقد شهد الإبداع العلمي في العالم العربي فترتين زمنيتين مختلفتين: فترة مضت استطاع فيها أسلافنا أن يبدعوا في مجالات عدة من العلم كما أبدعوا في مجالات أخرى غير علمية، ومن خلال ما أبدعوه علميا استطاعوا الوصول إلى ما يمكن أن نسميه بفلسفة العلم، وهي وإن لم ترقى إلى مستوى فلسفة العلم الحديثة والمعاصرة، إلا أنهم هم من أسسوا لها وأن أوربا تلقتها عنهم وطورتها بعد ذلك. وفترة حالية انعدم فيها كل إبداع في العلم كما في الفلسفة ولم نكن خير سلف لخير خلف. ومن هنا نحن بحاجة إلى نهضة فكرية عربية شاملة في ميدان الفكر لعلها تعيد لنا الريادة التي كان فيها أسلافنا من قبل.

قائمة المراجع:

رشدي، راشد. (2011). دراسات في تاريخ العلوم العربية وفلسفتها، الطبعة الاولى. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
المطيري، عبدالله. (2008). تاريخ العلوم وفلسفتها. الراية، العدد 14535، نسخة إلكترونية على الرابط: http://www.alriyadh.com/333297
ماهر، عبدالقادر محمد علي. (د ت). فلسفة العلوم: قراءة عربية، د ط. الإسكندرية: أورينتال للنشر.
الجابري، محمد عابد. (2002). مدخل إلى فلسفة العلوم: العقلانية المعاصرة وتطور الفكر العلمي، الطبعة الخامسة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
حمودة، سعيدي. (2002- 2003).. الخطاب الإبستيمولوجي في الفكر الفلسفي العربي المعاصر: حدوده وآفاقه. أطروحة دكتوراه مقدمة لنيل شهادة الدكتوراه في الفلسفة، جامعة الجزائر.
النشار، علي سامي. (1984). مناهج البحث عند مفكري الإسلام، الطبعة الثالثة. بيروت: دار النهضة العربية للطباعة والنشر.
مباركة، صالح عوض. (2006). هجرة الكفاءات العربية وأزمة البحث العلمي، مجلة المجال، منشورات جامعة عمر المختار، العدد 10، ليبيا.
مونتجومري، وات. (1982). فضل الإسلام على الحضارة الغربية، ترجمة: حسين أحمد أمين، د ط. القاهرة: دار الشروق.

*************************

*باحث وأكاديمي – الجزائر

شاهد أيضاً

الحضارتين ” المصرية والصينية ” والمنهج العلمى والفلسفى

المنهج العلمى والفلسفى لدى أصحاب أقدم حضارتين ” المصرية والصينية “ إعداد أ.د الصاوى الصاوى ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *