الرئيسية / أخبار ثقافيه / لخضر الشيخاوي*يكتب : الحضارة الاسلامية من منظور ارنولد توينبي

لخضر الشيخاوي*يكتب : الحضارة الاسلامية من منظور ارنولد توينبي

 

يعتبر القرن السابع عشر قرن تحول التاريخ في أروبا الى موضوع بحث ودراسة بشكل مستقل، بعد أن كان يصنف ضمن المعارف الإنسانية الأخرى، وهو ما مكن الدراسات التاريخية من أن تعرف تقدما نوعيا، وذلك من خلال ظهور مختلف التخصصات التي تهتم بالظاهرة التاريخية أو بالإنسان في بعده التاريخي، والتوجه بها نحو علمية أكثر رصانة بعيدا عن الطروحات السابقة التي غلبت عليها الرواية والقصة والأسطورة والعاطفة في وصف الأحداث التاريخية وتحليل مضامينها والوقوف على أسبابها.
لقد اتخذت الدراسات التاريخية إنطلاقا من القرن السابع عشر تبوبا خاصا، ومكانة مستحقة، حيث أدمجت ضمن منظومة العلوم الانسانية، رغم أن هناك محاولات من بعض الاتجاهات العلمية الوضعية إقصاءها من دائرة العلوم، وذلك محاولة لنزع الصفة العلمية عنها بمبررات عديدة أهمها أن التاريخ لا يمكن أن يكون ضمن العلوم، وذلك بالنظر الى موضوعه الذي لا يكاد ينسجم مع خطوات المنهج التجريبي، حيث صعب على المؤرخ ملاحظة الظاهرة التاريخية، ثم إسقاط المنهج التجريبي عليها.
ورغم رفض البعض كما أشرنا لهذا الدمج بحجة أن التاريخ لا يرقى لأن يكون فرعا إنسيا، تعالت الاصوات في البيئات الغربية العلمانية منددة بضرورة الاهتمام بالدراسات التاريخية والحضارية، حيث شهدت العديد من الأبحاث المقدمة المختلفة الرؤى والنظريات والتفاسير تطورا كبيرا، وقد نجد فيها تارة أن التاريخ يكون مقدما في قالب عقلي، وهو ما ذهب اليه التفسير العقلاني، و نجده تارة أخرى مقدما في قالب مادي، وهو ما ذهب اليه التفسير المادي.
وإثر هذا الاختلاف القائم بين التفسير العقلاني الفكري و التفسير المادي، نشأ تفسير آخر يبدو اكثر شمولية، يجمع بين عالم الافكار و عالم الماديات، يعرف هذا التفسير بالتفسير الحضاري، ونظر هذا التفسير للإنسان ككيان كامل مادة وروح، جسم وعقل، بدون أن يتجاهل دور العالم الخارجي في صنع حركة التاريخ، و يجعل التفسير الحضاري للتاريخ من تفاعل المجتمعات أساسا للحضارة.
كما يعد موضوع الحضارة من بين الموضوعات التي إستقطبت اهتمام الفلاسفة والمفكرين والمؤرخين، وبالخصوص فلاسفة التاريخ والحضارة، بدء من المؤرخ “عبد الرحمان ابن خلدون” (1332-1406)، الى يومنا هذا، حيث نال هذا الموضوع حيزا كبيرا من الدراسات الفلسفية الحديثة والمعاصرة، نظرا لما له من صلة وطيدة بكينونة الإنسان و مصيره من جهة، وتشعبه الذي أولد صراعا من جهة أخرى.
غير أن صراع فلسفات التاريخ عموما وفلسفات الحضارة خصوصا، في الفكر الحديث والمعاصر لم يكن في حقيقة أمره صراعا أكاديميا ثقافيا منهجيا في تفسير التاريخ ومعرفته، بل كان صراعا من أجل السيطرة على التاريخ وتوجيهه وفق ما يخدم المصالح، وهو ما دفع ” أرنولد توينبي” الذي يعتبر من أبرز الفلاسفة والمؤرخين الذين إهتموا بموضوع الحضارة الى الدراسة والبحث عن رؤية  تاريخية موضوعية جديدة وشاملة، غير منحازة الى أي جهة وغير تابعة لأي طرف.
ويتبين لنا هنا أن الرؤية الفلسفية لدى “توينبي” تتمحور حول بعد جديد لدراسة التاريخ، و نعني هنا البعد الحضاري الذي ينفرد عن البعد الميتافيزيقي لدى “هيغل”، والاقتصادي لدى ماركس و البيولوجي لدى “شبنغلر”.
واذا كان من المعلوم أن لكل أمّة تاريخها وثقافتها ونظرتها الخاصة، وبالتالي فإنّ لكل أمّة مقوّماتها التّي تميّزها عن غيرها، ومن خلال هذا فإنّ لكل أمّة حضارتها وعلى الرّغم ممّا قد يبدو على الحضارات من تشابه فيما بينها في اطارها العام؛ أي في مسارها الخارجي عبر التّاريخ، إلاّ أنّ لكل حضارة روحها الخاصّة، وطبيعتها المختلفة، ورآها المتميّزة، كما أن التّشابه إن وجد فإنه يكون في سياقها العام، كأن تتشابه الحضارات في تعاقب الأطوار (مولد، إرتقاء، إنهيار) أما الاختلاف فيتجسد في صميم الحضارة وبالتحديد في مضمونها الداخلي العميق.
والحضارة بمفهومها العام، تتكون من جانبين رئيسين هما الجانب الروحي أو المعنوي والذي يسمى بالثّقافة، والجانب المادي العملي والذي يسمّى بالمدنية؛ وهذين الجانبين يتشكلان لأمة من الامم خلال فترة زمنية معينّة نتاجا لجهود طويلة لمجموع من البشر ضمن بقعة جغرافية معينة ،وبإسقاط كلامنا السابق على انموذج الحضارة الاسلامية  نجد أنّ” الحضارة الإسلامية قد تجاوزت حدودها السياسية والجغرافية لتلعب دورا مؤثّرا و بارزا على مسرح التّاريخ العالمي في شتّى مناحي الحياة.”i
لقد قامت الحضارة الاسلامية على أساس الدّين الاسلامي، ولذلك كانت صبغتها إسلامية وهو ما جعلها توازن بين الرّوح و المادّة؛ فهذّبت الإنسان وإرتقت به الى أعلى درجة من التعقّل، وبذلك يكون الإسلام داعيا إلى القيم الراقية والمبادئ العاليّة، وأنّه لا إفراط في الحريات، ولا إشباع في الرغبات، ولا إنقطاع في العبادات، ولا إهمال لحال الدنيا يقول “عز وجل” : ” وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس”. سورة البقرة الآية 143.
وإذا كانت الحضارة الإسلامية قد نشأة من عقيدة دينية،  فقد كانت محطّ اهتمام الكثير من الدارسين خاصة المستشرقين منهم، ولعلّ من ابرزهم المؤرخ البريطاني ارنولد توينبي الذي أولى أهميّة ورعاية كبيرة في دراسته الشّاملة للتاريخ للحضارة الاسلامية،  وهو ما يجعلنا نطرح عدة تساؤلات من ابرزها: كيف كانت نظرة أرنولد توينبي للحضارة الاسلامية ؟ أو بعبارة أخرى كيف قرأ ” توينبي” الحضارة السلامية وفق نظريّة “التحدي و الاستجابة”؟
مولد الحضارة الإسلامية :
يرى توينبي حسب نظريّته أنّ أيّ حضارة تنشأ من خلال تحد ما، كما يتطلّب هذا التحدي بالضّرورة إستجابة ناجحة تؤدي بدورها إلى مولد تلك الحضارة  وبروزها على السّاحة الحضارية، وهذا التّحدي قد يكون وليد بيئة طبيعية قاسية، أو وليد ظروف بشرية صعبة المنال، وإضافة لفكرتي التحدي والاستجابة هناك أساس آخر نادى به توينبي اعتبره من اهم شروط بناء الصرح الحضاري و هو الدّين؛ فالدّين يمثّل الجّو الرّوحي الملائم الذي يحتّم تقديم إستجابة ناجحة، وإذا كان التحدي هو الذي يخرج الحضارة الى الوجود حسب نظّرية توينبي، فإننا نطرح التساِؤل التالي: ماهي التحدّيات التي أخرجت الحضارة الإسلامية الى الوجود؟ وما طبيعتها؟
أولا التحديات الطبيعية:
يقّر توينبي أن مجتمع شبه الجزيرة العربية قد واجه العديد من الظروف الطبيعية القاسية كانت بمثابة تحديات تستلزم إستجابات ناجحة، يقول  توينبي: ”وشبه الجزيرة العربية هي شبه قارة،  فمن حيث المساحة هي بحجم جزيرة الهند و أورية، ولكن على العكس منهما فهي جافة .. ري الحيوان هو المصدر الوحيد للعيش”.ii ومنه فمنطقة شبه الجزيرة العربية إتسمّت بكونها منطقة جافة ذات طبيعة قاسية، ورغم كبر المساحة إلاّ إنّ رعي الحيوانات شكل مصدر العيش الوحيد.
إنّ التحدّيات الطّبيعية القاسية حتّمت على سكان شبه الجزيرة العربية تقديم إستجابات أخرى غير الإستجابة الأولى (رعي الحيوانات،) ومن أبرز هذه الاستجابات  الهجرة؛ وهي محاولة تغيير المكان بحثا عن ظروف افضل و أحسن للعيش، يقول توينبي : ” وقد قست الطبيعة في شبه الجزيرة العربية على الانسان إلى أن أستخرج النفط ، فحتى ذلك الوقت كان سكان الجزيرة العربية باستثناء اليمن في جوع دائم وكان تغلغل المدنية التدريجي الذي كان يتم على الجمل في الجزيرة العربية تفجر سكاني الى خارج الجزيرة” iii، كما وقد تمثلت الهجرة في نوعين داخلية وخارجية.
إنّ التّحديات حسب  توينبي ”سر ناهضات الامم ولولا التحديات لما وجدت الحضارات، ولما كانت هجرات الشعوب واكتشافها لمواطن جديدة تصلح للحياة، ولذلك فإنّ الرّغبة في حياة ليس بها تحديات يعتبر بمثابة حبس طاقات الانسان”iv ومنه فالحياة التي يرغب في عيشها الانسان حسب توينبي  هي التي تكون مفعمة بالتحدّيات بمختلف أنواعها، والحضارة الحقيقية هي تلك التّي واجهت ولا زالت تواجه التّحدّيات، بل انّ التحدّيات تزيد من قوة الحضارات اذا قوبلت باستجابات ناجحة، وكلما كانت التحدّيات كبيرة كانت الاستجابات عظيمة، وفي هذا دلالة  واضحة على عظم الحضارة التي تواجه التحدّيات، يقول ” كاريل” v (1873_ 1944):  ”الأهداف التي تعمل على إثارة الحافز فينا تقوم بتقديم أجمل الهدايا لنا على شكل إنجازات ” vi ومنه فالمنجز الحضاري هو وليد الاستجابات الناجحة للتحديات الكبيرة.
ثانيا التحديات البشرية:
إن الحديث عن التحديات التي واجهت مجتمع شبه الجزيرة العربية بوصفها المعقل الاوّل للحضارة الاسلامية، يقودنا الى إستقراء التحديات البشرية التي واجهت المجتمعات العربية عموما، وسنتناول في البداية التحديات البعيدة.
1- التحديات البعيدة:
لقد شكّلت الحضارة الهيلينية تحدّيا مستديما للعالم السوري، وذلك ابان اقتحام حملة الاسكندر الأكبر، مما حتّم على المجتمع السوري تقديم استجابات ضرورية لهذا التحدي، وهو ما كان موضع سؤال توينبي حيث قال: ” كما تمثّل اقتحام الهيلينية للعالم السوري إبان حملة الاسكندر الاكبر تحديا مستديما للمجتمع السوري، فهل يثور على الحضارة الدخيلة ويطردها خارج بلاده؟ ”vii
لقد تجسدت إستجابة المجتمع السوري على تحدي الغزو الهيليني في عدة محاولات، وكان القاسم المشترك بين هذه الاستجابات هو غلبت الطابع الدّيني عليها وفي هذا يعلق أحمد محمود صبحي قائلا: ” كانت استجابة الحضارة السوريانية على غزو الاسكندر بعد ثلاثة قرون متمثلة في قيام المسيحية، وكانت هذه الاستجابات سليمة، غير أن المجتمع السورياني لم يستطع أن يتخلص من التحدي الهيليني، لقد حاول مرارا وكانت محاولاته تتخذ دائما حركة دينية تصارع الهيلينية ”.viii ومنه فالغطاء الديني هو الذي غلب على طابع إستجابات المجتمع السوري، بحيث إتّسمت إستجاباته بسمة دينية واضحة.
لقد كان رد فعل الاسلام والذّي مثل الإستجابة الأخيرة للمجتمع السوري، ردا يختلف عن الردود السابقة لكلّ من الزرادشتية والنسطورية والمينوفستية واليهودية، بحيث وصل هذا الرد الى ما يرنو اليه المجتمع السوري، وهو طرد الوجود الهيليني من الاراضي السورية وفي هذا يقول توينبي: ” لكن ثمة اختلاف أساسي بين الأربعة ردود الاولى ورد الفعل الاخير: إذ بينما أخفقت ردود الفعل الزرادشتية و اليهودية والنسطورية و المينوفستية نجح رد فعل الفعل الاسلامي”،ix ومنه فالإستجابة التي قام بها الاسلام كانت إستجابة خلاّقة وناجحة، فقد هدفت الى طرد الحضارة الهيلينية ككل من العالم السوري، بخلاف ردود الافعال السابقة التي اقتصرت استجاباتها على طرد بعض الوجود الهيليني فقط، وهو ما كان سبب فشل هذه الاستجابات، يقول توينبي: ” فلقد وفق الاسلام فيما فشل سابقوه لأنه استكمل عملية طرد الهيلينية من العالم السوري ..واخيرا منح الاسلام المجتمع السوري بعد طول الانتظار، عقيدة دينية عالمية اصيلة”.x وبرؤية توينبي فنجاح الاسلام في تقديم استجابة ناجحة ضد تحدي الحضارة الهيلينية؛ اخرج المجتمع السّوري من شبح الفناء، بل كانت هذه الاستجابة بمثابة الإعلان عن ميلاد دين جديد و هو “الدين الاسلامي”.
لقد ”زود الاسلام هذا المجتمع بديانة ناشئة من صلبه فأمكن أن يكون الشرنقة التي خرج منها المجتمعان الجديدان العربي و الفارسي”xi ومنه فالإسلام كان سببا رئيسًا في دمج المجتمعين العربي والفارسي يقول توينبي:” إذ غدت العقيدة الاسلامية البرقة التي بزغت عنها في حينها الحضارتان العربية و الإيرانية”.xii وما نفهم من هذا هو أن ظهور الاسلام هو ظهور لحضارتين كبيرتين وهما الحضارة العربية والحضارة الإيرانية.
2 – التحديات القريبة:
لقد بيّن توينبي من خلال ما سبق أن الحضارة الاسلامية هي نتيجة لاندماج مجتمعين وهما المجتمع العربي والمجتمع الايراني، وهما بدورهما وليدا المجتمع السورياني، كما رأى  توينبي أن الحضارة الاسلامية نشأة بسبب التّحديات البشرية التي واجهتها، وأن الحضارة الاسلامية ترجع بالبنوة الى مجتمع سابق عليها وهو المجتمع السورياني، يقول توينبي:” أما بالنسبة لحالة الحضارات التي تنتسب لغيرها، فلا بد أن التحدي الذي أبرزها الى الوجود، قد جاء في الأصل لا من العوامل الجغرافية، ولكن من البيئة البشرية ”.xiii و ما نفهمه من قول توينبي هو أن الحضارة الاسلامية ولدت من رحم التحديات البشرية التي تجاوزتها بالإستجابات الناجحة.
يرى توينبي أن إكتمال مولد الحضارة الاسلامية ما كان ليكون إلا بتقديم إستجابات ناجحة، وبالخصوص في التحديين الخارجي والداخلي للحضارة الاسلامية، ومنه نطرح التساؤل التالي: ماهي التحديات الخارجية والداخلية التي تعرضت لها الحضارة الاسلامية في مرحلة النشأة ؟
3 – التحديات الخارجية:
لقد كان موقع شبه الجزيرة العربية موقعًا حساسًا، كونه يقع بين أعظم مدينتين في ذلك الحين، إذ يحده من الشرق الامبراطورية الفارسية، و من الغرب الامبراطورية الرومانية، ولهذا فقد تعرض المجتمع العربي الى عدة تحديات، ”فقد حاول الفرس والروم أن يخضعوا العرب لحكمهم و اتجهوا لغزوهم وسلبهم، ولكنهم كانوا يعدلون في ذلك لما يستلزمه فتح جزيرة صحراوية من ضحايا الأنفس والأموال، ومن أجل هذا رأى الفرس والروم خير وسيلة لدفع شر العرب أن يساندوا بعض القبائل المجاورة على أن يستقروا، يزرعون ويتحضرون ثم يكونوا رداء لهم، يصدون غارة البدو والذين يغزون وينهبون.”xiv
4-التحديات الداخلية:
يرى توينبي أن التحدي البشري الداخلي كان له أثر كبير في نشوء الحضارة الاسلامية، كونه تحدي محلي يتمثل في الصعاب الداخلية، ويخصه توينبي بالتحديد في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم إذ يقوله:” كان على الرسالة المحمدية ان تقرر الشكل الذي يتخذه رد الفعل للتحرر من التأثيرات الهيلينية، وكانت حركة الاعتزال والعودة بمثابة تمهيد.”xv ومنه فالرسالة المحمدية حسب توينبي مثلت السبيل الذي خّلص مجتمع شبه الجزيرة العربية من تأثيرات الهيلينية، كما إعتبر أن حركة الاعتزال والعودة للرسول صلى الله عيه و سلم والتي كانت في غار حراء، مرحلة تمهيدية لقيام رد الفعل وولوج الاسلام الى شبه الجزيرة العربية.
لقد ارتكز الاسلام على مبدأين هامين شكلا له قاعدة صلبة ارتكز عليها لنشر الرسالة المحمدية في بقاع الارض وهما؛ التوحيد في الدين و الدولة، ”فلإسلام لا يقتصر على مجرد العقيدة، وانما جاء ايضا شريعة و تنظيما سياسيا واجتماعيا و اقتصاديا للمجتمع.”xvi وهو ما ساعد الرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغ الرسالة الاسلامية.
كما تمثلت مرحلة العودة بالخصوص في بدء دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم الى الاسلام، وقد ظل يدعو اهل مكة ثلاثة عشر عاما، وهو يعاني من الصد و الجحود، وقد اتبعه بعض الصحابة، فلقوا اصناف العذاب على يد اهل مكة، وهذا ما دفع الرسول الكريم لدفعهم للهجرة الى الحبشة ثم الى يثرب بعد ان وصلته رسل من الواحة الزراعية يثرب، يطلبونه الهم ليتولى امورهم، فقد كانت الخلافات السياسية مزقتهم، حيث كانت رياح الحرب تدور بين القبيلتين (الاوس و الخزرج)، وكان يهود يثرب يحيكون المؤامرات ويوقعون الفتن ليستفيدوا من الوضع المتأزم، وقد فشل اهل يثرب من وضح حد او ايجاد استجابة ناجحة لتحدي الفرقة والبغضاء، فكان مجيء الرسول الكريم محمد ابن عبد الله ان عبد المطلب بداية  عهد جديد لأهل يثرب و المهاجرين و المسلمين، فكانت اول مسألة قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم هي المؤاخاة بين المهاجرين و الانصار، وهو ما وصفه الكثيرون من اهل التاريخ بالقاعدة الاخلاقية و الاجتماعية و السياسية، التي انطلق الاسلامxvii

ما اعتبرت ” غزوة بدر التي هاجم من خلالها المسلمون مشركي مكة، تأكيد لوجود المسلمين وضربة قاسمة لمشركي قريش الذين لم يكونوا في ذلك الوقت يقيمون للمسلمين وزنا ، او لا يعتبرون وجود الاسلام حقيقي، فشكلت غزوة بدر مرحلة مفصلية في تاريخ المسلمين”xviii يقول “توينبي”:” ان الاسلام قد وفق فعلا في ان يصبح العقيدة الدينية لمجتمع سوري اصابه الانحلال، ونجح الاسلام على الرغم من اقتحامه منذ البداية في الشؤون السياسية، ومضيه في ذلك بطريقة قاطعة لم تعهد في الاديان الاخرى.”xix
كما تتالت الغزوات في الاسلام الى ان تم فتح مكة على يد المسلمين وحررت من الوثنيين بشكل كامل ثم دخل الناس افواجا في دين الاسلام، يقول “توينبي”:” فان محمدا قد غادر مكة هاربا مطاردا ثم عاد بعد سبع سنوات لا باعتباره معفيا نال عفوا شاملا، ولكمه عادة مكة سيدا ولنصف الجزيرة العربية.”xx اين ان عودة الرسول صلى الله عليه وسلم لم تكن عودة عادية، بل كانت عودة العزيز الكريم الى دياره فاتحا لها، بعدما اخرج منها.
لقد اكتملت الشريعة الاسلامية باكتمال نزول الوحي، حيث ترك الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين منهجا واضحا لاتباعه، وفي هذه المرحلة يمكننا ان نعتبر ان مرحلة نشوء الحضارة الاسلامية قد اكتملت، حيث دخلت في مرحلة اخرى وهي مرحلة النمو والارتقاء، ومن خلال هذه الاخيرة نطرح التساؤل التالي: ماهي التحديات التي واجهة الحضارة الاسلامية في مرحلة الارتقاء؟
إرتقاء الحضارة الإسلامية:
يحدث النمو والإرتقاء بنسبة  للحضارات حسب” توينبي ” حين ما تصبح الاستجابة لتحدي معين ليست ناجحة فحسب بل تستثير تحديا بعدها يقابل باستجابة ناجحة ،كما ان قوام الارتقاء الحقيقي حسب “توينبي” يتلخص في عملية اسماها عملية التسامي و التي تعنى بإطلاق طاقات المجتمع من عقالها لتستجيب لتحديات تبدو بعد ذلك داخل النفس اكثر منها خارجها، وبالرجوع الى الحضارة الاسلامية فإننا نتساءل كيف حققت هذه الاخيرة ما يسمى بالارتقاء الحضاري ؟ و ما هي التحديات التي واجهتها في هذه المرحلة ؟
-أولا تحدي الخلافة:
بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لقيت الحضارة الاسلامية مجموعة من التحديات حتمت عليها مواجهتها، و من ابرز هذه التحديات نذكر تحدي الخلافة الذي تمثل في من سيخلف الرسول صلى الله عليه وسلم ؟
ورد في القران الكريم لفظ الخليفة حيث يقول عز وجل :”واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة ” سورة البقرة ، الآية 30 و واضح من هذا هو ان معنى الخلافة خلافة الله في الارض و النيابة عنه ، ”والخلافة في لسان المسلمين ترادفها الامامة و هي رياسة عامة في امور الدين و دنيا نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم ”xxi اي ان الخلافة في مفهومها العام هي النيابة على الله في امور الدين و الدنيا.
”كان الصحابة يرون ان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب ان يكون قادر على تحمل امور الدين و الدنيا في ان واحد ، و قد جرى نقاش سقيفة بني ساعدة حول امر الخلافة، و بعد الحوار المتداول و استعراض مجموعة من الاقتراحات حسم الامر وتم الاجماع تقريبا على خلافة الصحابي الجليل ابي بكر الصديق ،وذلك لأسباب كثيرة نذكر منها كون ابي بكر الصديق اول من دخل الاسلام ، واكثر الناس صحبة للرسول صلى الله عليه وسلم ”xxii ومنه فقد شكل اختيار الرجل المناسب للخلافة تحديا كبيرا بالنسبة للصحابة رضوان الله عليهم ، فالرجل المناسب حسبهم يجب ان يكون حكيما و حازما ليقود ركب الحضارة الى التقدم و الارتقاء من خلال التغلب على التحديات المختلفة.
لقد شكلت البيعة للخليفة الراشدي الاول ابي بكر الصديق رضي الله عنه استجابة ناجحة على تحدي كاد ان يحدث الفرقة بين المسلمين ، كما ان الصحابة رضوان الله عليهم ادركوا خطر الفتنة و سارعوا الى بيعته ، فالخلافة كانت ”صادرة عنهم وليست تعيينا من النبي او بيان منه او  وصاية عنه”xxiii اي ان اجتهاد الصحابة لدرء الفتنة قادهم الى اختيار ابي بكر الصديق خليفة للرسول صلى الله عليه وسلم و ذلك من خلال عدة احداث شكلت تحديات تخللتها استجابات ناجحة و موفقة نتج عنها تجنيب المسلمين الوقوع في الفتنة.
-ثانيا تحدي الردة:
بعد أن تمت البيعة للصدّيق رضي الله عنه ظهر تحدي وهو ”تحدي اهل الردة حيث امتنعت بعض القبائل في شبه الجزيرة العربية عن اداء الزكاة، كما ادى بعضهم النبوة و كان اشد خطر مسيلمة الكذاب الذي جمع حول بعض المرتدين.. فكانت الاستجابة الناجحة من قبل الخليفة الصديق ان يجهز جيش لصد من نفي الزكاة او مدعي النبوة.. و انتهت الحرب بانتصار المسلمين على اهل الردة فعاد الاستقرار الى الخلافة الاسلامية من جديد ”xxiv وبحسب نظرية “توينبي” فان تحدي الخلافة اولد استجابة ناجحة ادت الى ظهور تحدي جديد وهو تحدي الردة الناجم على عدم قبول خلافة ابي بكر و عدم دفع الزكاة ، فكانت استجابة الخليفة ابي بكر على هذه التحديات ناجحة من خلال قضائه على هذه التحديات.

بعد القضاء على اهل الردة بدأ المسلمون يتطلعون الى توسيع رقعة الاسلام، ونشره في بقاع الارض، ولكنهم اصطدموا بالإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية ، فتجهزت الجيوش الاسلامية لمواجهة هذا التحدي، يقول “توينبي”:” وسرعة الفتوح التي الدولة الاسلامية ومداها امران يدعوان الاعجاب، فقد انتزع العرب من الامبراطورية البيزنطية سوريا وفلسطين ومصر سنة641، وكان العرب قد اقتحموا العراق سنة 637، وإيران بأكملها حتى651”xxv وبنظر “توينبي” فقد تميزت الفتوحات الاسلامية في مختلف بقاع الارض بالسرعة الكبيرة والقوة الهائلة، وقد تمت هذه الفتوحات في العهدين الراشدي والاموي، فهما عصر الفتوحات بامتياز.
ثالثا تحدي الفتوحات:
بعد الاتساع في الفتوحات ظهرت تحديات جديدة وهي ما يسمى بتحدي توقف الفتوحات لخصها توينبي في أربعة أسباب:
يقول “توينبي” عن السبب الأول لتوقف الفتوحات الاسلامية:” انهم لم يقيموا مراكز ثابتة الى الشمال من سلسلة جبال طورس وفي سنة 741توقفت الفتوح الاسلامية عند جبال امانوس”xxvi أي أن عدم إقامة المسلين لمراكز ثابتة في جبال طورس وهو ما اجبرهم على التوقف وعدم مواصلة التقدم وهو في رأي “توينبي” تحدي لم يجابه باستجابة ناجحة.      وعن السبب الثاني لتوقف الفتوح الاسلامية يقول توينبي: ”أنهم لم يستطيعوا احتلال القسطنطينية، فقد تنبه معاوية بن ابي سفيان وهو مؤسس الاموية الى ان القضاء على الامبراطورية البيزنطية يقتضي احتلال العاصمة، وأن سبيل ذلك هو إنتزاع القوة البحرية في البحر المتوسط من أيدي البيزنطيين، فأنشأ معاوية اسطولا وحاصرت قواته القسطنطينية بحرا الا ان الحصار جرى ضد العرب ، فالأسطول البيزنطي كان مزودا بالنار اليونانية والآلات اللازمة لرميها، وقد حاصر العرب القسطنطينية مرة ثانية ولكنهم فشلوا مرة ثانية ”xxvii أي أن عدم فتح القسطنطينية برأي توينبي شكل للمسلمين تحديا كبيرا استجابوا له مرتين ولكن كانت استجابتهم فاشلة، وهو ما ساهم ايضا في توقف الفتوحات الاسلامية.
-والسبب الثالث يتمثل في صعوبة مجابه بلاد الغال  فقد ”كانت جهة بلاد الغال هي التحدي الذي ساهم ايضا في توقف الفتوحات”xxviii أي أن بلاد الغال شكلت تحديا قاسيا بالنسبة للمسلمين، وعدم تقديم إستجابة خلاقة ضده عرض الفتوحات الإسلامية الى التوقف.
-أما عن السبب الرابع يقول توينبي :”عجزهم عن فتح الامبراطورية البدو الخزر”xxix أي عجز المسلمين عن مجابهة تحدي فتح بلاد البدو الخزر شكل سبب حقيقيا في توقف الفتوحات في رأي توينبي.
”وهكذا وجدت تحديات كبيرة واجهت الحضارة الاسلامية من ناحية الفتوحات العسكرية، حيث كانت تتطلب استجابات ناجحة لم يفلح القادة العسكريون في تجاوزها في تلك المرحلة ولكن تم تجاوزها فيما بعد فقد سقطت القسطنطينية على يد السلطان محمد الفاتح عام 1453 بعد ان عدل من اسلوب حصار تلك المدينة المنيعة، واستخدم المدافع المتطورة”xxx ، اي ان بعد الاستجابات الفاشلة جاء الدور على استجابات اكبر و أقوى من طرف المسلمين في وقت لاحق، والتي إستندت بالأساس على الاستجابات الفاشلة الأولى، يقول توينبي:” وبالطبع يتيسر جدا إبراز أمثلة واضحة على جماعات فشلت في الاستجابة لتحديات معينة، إلا أن ذلك لا يدل على شيء لأن الاستقصاء قد أظهر أن كل تحدي من التحديات التي حالت في النهاية إستجابة ظافرة”xxxiومنه فالاستجابات الفاشلة التي قامت بها الحضارة الاسلامية شكلت حافزا أكبر بعد تلك المرحلة وهو ما ترجمه في أرض الواقع “محمد الفاتح” الذي دك حصون القسطنطينية وفتحها، كما لا نغفل أن العامل الذي ساعد المسلمين في الفتوحات هو تمسكهم بدينهم وحرصهم على إتباع أوامر الشّرع ونواهيه، ولهذا كان الاسلام دينا ودنيا ومنهجا واضح المعالم والمعاني.

بعد القضاء على اهل الردة بدأ المسلمون يتطلعون الى توسيع رقعة الاسلام، ونشره في بقاع الارض، ولكنهم اصطدموا بالإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية ، فتجهزت الجيوش الاسلامية لمواجهة هذا التحدي، يقول “توينبي”:” وسرعة الفتوح التي الدولة الاسلامية ومداها امران يدعوان الاعجاب، فقد انتزع العرب من الامبراطورية البيزنطية سوريا وفلسطين ومصر سنة641، وكان العرب قد اقتحموا العراق سنة 637، وإيران بأكملها حتى651”xxv وبنظر “توينبي” فقد تميزت الفتوحات الاسلامية في مختلف بقاع الارض بالسرعة الكبيرة والقوة الهائلة، وقد تمت هذه الفتوحات في العهدين الراشدي والاموي، فهما عصر الفتوحات بامتياز.

*********

.1 زياد عبد الكريم النجم: الحضارة الإسلامية في ضوء نظرية التحدي و الاستجابة، الهيئة العامة السورية للكتاب، سوريا، 2011، ص 11 ..2   أرنولد توينبي: تاريخ البشرية، ترجمة: نيقولا زيادة، الأهلية للنشر و التوزيع، بيروت، دط، 2004 ، ص451. .3   المرجع نفسه، ص451..4   جاسم سلطان : الفكر الاستراتيجي في فهم التاريخ ، مؤسسة ام القرى للترجمة و التوزيع ، المنصورة ، ط1 ، 2005 ، ص55 ..5 * ألكسيس كاريل طبيب جراح فرنسي ولد في باريس سنة 1873، و توفي سنة 1944 حصل على جائزة نوبل في الطب سنة 1912،  اشهر كتبه  “الانسان ذلك المجهول” ، انظر جاسم سلطان : الفكر الاستراتيجي في فهم التاريخ ، ص55..6   نقلا عن : جاسم سلطان : الفكر الاستراتيجي في فهم التاريخ، مرجع سابق، ص55. .7    أرنولد توينبي: مختصر دراسة للتاريخ ، ج1، مصدر سابق، ص238..8   أحمد مجمود صبحي: في فلسفة التاريخ، مؤسسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية، مصر، دط، 1975، ص284..9   أرنولد توينبي: مختصر دراسة لتاريخ، ج1، مصدر سابق، ص239..10    المصدر نفسه، ص241..11   علي عبود واخرون: فلسفة التاريخ جدل البداية و النهاية والعود الدائم، مرجع سابق، ص358  .12   ارنولد توينبي: مختصر دراسة للتاريخ، ج1،  مصدر سابق، ص241..13   أرنولد توينبي: مختصر دراسة للتاريخ، ج4، ترجمة: فؤاد محمد شبل، المركز القومي للترجمة، القاهرة، دط، 2011.ص259..14   أحمد أمين: فجر الاسلام، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ط 15، 1933، ص16. .15   أرنولد توينبي: مختصر دراسة للتاريخ ج1،  مصدر سابق، ص380..16   محمود الشرقاوي: التفسير الديني للتاريخ، ج1، مطبوعات الشعب، د ت، ص219..17   زياد عبد الكريم النجم: الحضارة الاسلامية في ضوء نظرية التحدي والاستجابة، مرجع سابق، ص 88-89. .18   نفسه المرجع، ص89..19   أرنولد توينبي: مختصر دراسة للتاريخ، ج2، ترجمة: فؤاد محمد شبل، المركز القومي للترجمة، القاهرة، دط، 2011، ص353. .20   المصدر نفسه، ص353..21   عبد الرزاق علي: الإمامة وأصول الحكم، المؤسسة العربية للدراسة والنشر، بيروت ، 2000، ص113..22   زياد عبد الكريم النجم: الحضارة الاسلامية في ضوء نظرية التحدي و الاستجابة، مرجع سابق، ص92..23   محمد سعيد العشماوي: الخلافة الاسلامية، سينا للنشر، القاهرة، ط2، 1992، ص103..24   زياد عبد الكريم النجم: الحضارة الاسلامية في ضوء نظرية التحدي و الاستجابة، مرجع سابق، ص93، .25   أرنولد توينبي: تاريخ البشرية،  مصدر سابق، ص458..26   المصدر نفسه، ص458..27   المصدر نفسه، ص460..28   زياد عبد الكريم النجم: الحضارة الاسلامية في ضوء نظرية التدي والاستجابة، مرجع سابق، ص 94..29   أرنولد توينبي: تاريخ البشري،  مصدر سابق، ص460 ..30   زياد عبد الكريم النجم: الحضارة الاسلامية في ضوء نظرية التحدي والاستجابة، مرجع سابق، ص94 ..31   أرنولد توينبي: مختصر لدراسة للتاريخ، ج1، مصدر سابق، ص 234-235

********************

*طالب دكتوراه مختص في الفلسفة المعاصرة

شاهد أيضاً

محمد عرفات حجازي*يكتب:مؤسسات المجتمع المدني والمنظومة الأخلاقية

فاعلية مؤسسات المجتمع المدني في المنظومة الأخلاقية يعبّر مفهوم المجتمع المدني عمومًا عن هموم وظواهر ...