الرئيسية / أخبار ثقافيه / د. داود خليفة*يكتب : المقاربة الاختزالية للإنسان

د. داود خليفة*يكتب : المقاربة الاختزالية للإنسان

ما الإنسان؟

المقاربة الاختزالية للإنسان

 

موضوع “الإنسان” ليس مبحثا فلسفيا صرفا ولا مبحثا تختص به علوم الإنسان وعلوم الاجتماعية، بل هو موضوع تتنازع فيه عدة وجهات نظر فلسفية وفروع كثيرة من العلوم الاجتماعية والإنسانية والبيولوجية. والملاحظ أن هذه فروع المعرفية تناولت الإنسان كل من زاويتها الخاصة، فيتناول علم النفس مثلا جانبه الإنساني، ويهتم علم الاجتماع بالبعد الاجتماعي، وهكذا كان الحال مع الفروع الأخرى.
وسنخصص الجزء الأول من المقال لمقاربة الأنسان من وجهة نظر النموذج الاختزالي، على أن يكون الجزء الثاني منه مخصص للنموذج المركب وفق مقاربات عبد الوهاب المسيري وإدغار موران
أولا: النموذج الاختزالي:
كثيرا ما تستخدم كلمة “اختزال” (Reduction) أو “اختزالية” (Reductionisme) كمرادف للفظ “تبسيط” (Simplification)، ويُقصد به تلك المحاولة التي سادت العلم الكلاسيكي لتفسير عدد كبير من الوقائع بعدد قليل من المبادئ والافتراضات والقوانين، ويعتبر المذهب الميكانيكي أبرز تمثيل للاختزالية الذي يحاول تفسير العالم عن طريق اختزاله في قوانين الميكانيكا.
كما كانت هناك سمة أخرى مميزة للاختزال: «هي أنه يوحد الظواهر القابلة للملاحظة أو على الأقل يوحد التعميمات المقررة بمقتضاها إلى اطرادات أكثر أساسية ودقة»()، وبالتالي تعبر الاختزالية عن ذلك المنحى الذي تجسد في تلك الجهود الفكرية المبذولة التي حاولت اختزال كل الواقع إلى أصغر المكونات القابلة لقياس العالم المادي.
بهذا المعنى، تكون الاختزالية أسلوب يُعنى بتحليل الشيء إلى أجزائه، وشرح خصائصه وسلوكه استنادا إلى خصائص وسلوك أجزائه، باعتبار أن أجزاء كيان أو نظام ما تحدد خصائص وسلوك النظام ككل وليس العكس.
إذن، الاختزالية ليست إلا مقولة في نظام الطبيعة وأسلوبا لفهم طبيعة الأشياء المُعقدة عن طريق ردها إلى تفاعلاتٍ من أجزائها، أو إلى أشياء أكثر بساطة أو أشياء أكثر أساسية. وهي تعبر عن موقف فلسفي يرى أن أي نظام مُعقّد ليس سوى مجموع أجزائه، وأنه يمكن اختزال أي جزء منه إلى أجزاء تتألف من مُقَوّمات أساسية فردية، وينطبق هذا على الأشياء والظواهر والتفسيرات والنظريات والمعاني…
يتداخل لفظ “التبسيط” مع لفظ “الاختزال” في كونهما يعبران عن تجزئة وتحليل المركب ورده إلى عناصر أو أجزاء بسيطة، باعتبار أن أفضل طريقة لفهم أي ظاهرة هو اختزالها إلى أجزائها المكونة لها والنظر في تلك الأجزاء كل جزء على حدة. وهذا يعني أن مفهوم الاختزالية يفضي إلى تبسيط دراسة أي كيان أو ظاهرة عن طريق “تجزئتها” إلى أجزاء منفصلة، أو مكونات يسهل دراسة كل منها على حدة.
ويستند هذا المفهوم على أساسين: الأول هو افتراض أن خصائص الكيان ككل يمكن اشتقاقها من خصائص مكوناته. أما الأساس الثاني فيؤكد على أن خصائص مكونات الكيان المشتقة من دراستها ككيانات مستقلة لا تختلف عن خصائصها باعتبارها أجزاء لكل واحد؛ مثال ذلك يمكن انطلاقا من مبدأ الاختزال فهم جسم الإنسان كظاهرة بيولوجية انطلاقا من مكوناته الأساسية مكوناً من ماء وبروتين ودهون ومواد أخرى…
ومعنى ذلك، أن فكرة الاختزال تقوم على الإيمان بوجود مستويات مختلفة وبناء هرمي ومركب للظواهر والموجودات، بحيث يمكن تفسير هذه الظواهر والموجودات بردّ عناصرهما الأكثر تعقيدا إلى الأكثر بساطة، أي يمكن توصيف وتفسير الظواهر العامة في قوانين رياضية بسيطة تنظم سلوك هذه الظواهر. وهذه الوجهة من النظر تسود في العلم كما تسود في الفلسفة، وفي أنماط مختلفة من المعرفة.
وقد هيّمن النموذج الاختزالي على الفكر الغربي بعد ما تمت صياغته على يد ديكارت انطولوجيا ومعرفيا واجتماعيا وسياسيا؛ لما فصل بين “الذات المفكرةّ” و”الذات الممتدة”، ووضعه لمبدأ “الوضوح” كمعيار أوحد لتمييز أفكارنا الحقيقية، ولا شك أن الاختزال – بما يهدف إليه من تبسيط – يوّحد ما هو منوع أو متعدد، قد سمح بتبلور فكر يسنده يمكن تسميته “الفكر الاختزالي” (Pensée reductionisme)، الذي يسند الواقع الحقيقي لا إلى الكليات ولكن إلى العناصر، ولا إلى النوعيات ولكن إلى المقاييس، ولا إلى الكائنات والموجودات، ولكن إلى ملفوظات الصورنة والرياضيات(). وبالتالي استطاع ديكارت تجاوز مشكلة المعرفة من خلال هذا الفصل الحاسم بين حقول المعرفة، مما أدى إلى نشوء معرفة تنطوي على الانفصال بين العلم والوعي().
من هنا كان النموذج الاختزالي يهتم في المقام الأول بسلوك المكونات الداخلة في تركيب المنظومة أو الظاهرة موضع الدراسة (أي الأجزاء) وذلك على حساب المنظومة أو الظاهرة ككل واحد(). وكان المنطلق في ذلك أن خصائص الظواهر المعقدة يمكن فهمها جميعا باختزالها إلى الأجزاء المكونة، أي اختزال المركب في البسيط كاختزال البيولوجي في الفيزيائي والإنساني في البيولوجي، مما أدى إلى تمزيق النسيج المركب للواقع، فأصبحنا نعتقد جراء ذلك أن هذا الفصل الاعتباطي للواقع هو الواقع ذاته().
يعمل الاختزال على حجب الوقائع الشمولية والمركبة، فمثلا على المستوى الإنساني يعمل هذا النموذج على فصل الإنسان وتجزئة أبعاده بين مختلف ميادين المعرفة المتخصصة، فيتناول تخصص البيولوجيا البعد الحيوي بما في ذلك الدماغ، وتجزأت الأبعاد النفسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية بعضها عن بعض داخل حقول العلوم الإنسانية وأغلقت الفلسفة داخل نفسها مع أنها تفكير تأملي إنساني شمولي(). هذا التقسيم للمعرفة وتفتيتها أدى إلى انفصال رهيب بين العلوم الطبيعية وبين ما يسمى بالعلوم الإنسانية، والعلوم من وجهة نظرها تستثني الروح والثقافة من مباحثها مع أنهما هما اللذان ينتجان هذه العلوم نفسها. في هذا الصدد يقول إدغار موران عن هذا الانفصال: «إلى حدود منتصف القرن العشرين، كانت معظم العلوم تعمل وفق مبدأ الاختزال، اختزال معرفة الكل في معرفة الأجزاء […] يؤدي مبدأ الاختزال إلى اختزال ما هو مركب في البسيط، بتطبيق المنطق الآلي والحتمي الخاص بالآلات الاصطناعية على الـمُركبات الحية والإنسانية، ويقوم مبدأ الاختزال على إقصاء كل ما لا يقبل التكميم والقياس، مانعا إنسانية الإنسان من أهواء وعواطف […] فيسد الطريق أمام الابتكارات»().
ونشير إلى أن النموذج الاختزالي يستند على السببية الخطية المغلقة، حيث يوجد عنصر واحد أو أكثر تتسم كلها بالبساطة وتتفاعل بشكل بسيط فيما بينها، لتؤدي إلى نتائج بسيطة يمكن رصدها ببساطة، وبحيث تؤدي (أ) حتما إلى (ب) دائما وفي كل زمان ومكان… وكأن النتيجة لا تتحول بدورها إلى سبب، وحتى نصل إلى تفسير كامل لابد أن يدخل ذلك في إطار السببية الخطية المغلقة().
ثانيا: المقاربة الاختزالية للإنسان: الوحدة في الأجزاء:
يحصر النموذج الاختزالي حقيقة الإنسان في “الأنا” باستقلالها استقلالا تاما عن “الآخر”، أي اعتبار أن حقيقة الإنسان تتأسس على الشرط الانطولوجي المتمثل في وجود الأنا، وهي الرؤية التي تأسست مع ديكارت الذي يؤكد على خاصية التفكير كشرط تحقق الوجود الإنساني؛ فالنفس العاقلة (الأنا المفكرة) هي الحقيقة الوجودية اليقينية الوحيدة التي تعيش في عزلة وجودية عن الغير، ولا يحتاج للغير في معرفة حقيقتها وإثبات وجودها، فالوعي أو التفكير هو خاصية تشكل أنسنة الإنسان وتميزه عن غيره، وبالتالي فحقيقة الإنسان تتحقق في إنيته أي في وعي الذات بذاتها ومعرفة حقيقتها واثبات وجودها، أما الجسد فيرتبط بمجال الغيرية وبكل ما هو عرضي.
ولا غرابة في ذاك ما دمنا ندرك أن الفلسفة الديكارتية القائمة على ثنائية (Dualisme) هي الروح والجسد؛ فـديكارت يسلم بوجود جوهرين مستقلين: الجسم جوهر مادي يتميز بالامتداد والقابلية للقسمة، والروح (النفس) جوهر غير مادي يتميز بالتفكير، وليس في مفهوم الجسم ما يخص النفس، وليس في مفهوم النفس ما يخص الجسم()، وتقوم ثنائية النفس والجسد على أساس تعالي النفس على الجسد. ولا شك أن هذا التصور اختزالي يختزل الإنسان في النفس العاقلة ويقصي ما عداها بما في ذلك الجسد، وإقصاء الجسد هو إقصاء للعالم وللآخرين.
بالنسبة للمعارف العلمية هي الأخرى لم تخرج عن العرف السائد في اختزال الانسان وتجزئته، حيث كرّست مبدأ التخصص العلمي، فالمعارف المُكونة عن الإنسان والتي تستند على الدراسات المتخصصة قد ساهمت في تجزئة جوانب الإنسان الثقافية والبيولوجية وحتى الحيوانية، مثالا عن ذلك الدماغ والذهن؛ فالدماغ موضوعا لعلم البيولوجيا والذهن يتم تناوله من خلال علم النفس، وكون الدماغ والذهن لا يقبلان الفصل بينهما، فإن للإنسان إذن جانبه البيولوجي وجانبه النفساني، ومن الضروري الأخذ بالهوية المزدوجة في الاعتبار. ويدرس الاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ الجوانب المادية والاجتماعية والثقافية والنفسية والتاريخية، أما الفنون والأدب، فيتناولان التجربة الإنسانية الخاصة، فيسمحان بالاقتراب من ذاتية الكائن وحياته اليومية وآلامه.
ليس هذا فحسب، إن وضع الحواجز بين التخصصات العلمية قد أحدث تفككا كبيرا على أصعدة عدة: فقد فرّقت الفيزياء بين المعلومة والحوسبة والذكاء الاصطناعي. وفرّقت البيولوجيا بين الجهاز العصبي والدماغ وتطوره. أما علوم الإنسان فقد فصلت وفرّقت بين الألسنية وعلم النفس المعرفي والتحليل النفسي وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا الثقافية والتاريخ، وفرّق كل من العلم والفلسفة بين المنطق والابستيمولوجيا… وفي الوقت الذي كان ينبغي على هذه التخصصات أن تتواصل فيما بينها، فإننا نراها على العكس من ذلك تماما تتباعد وتتنابذ(). إن الانفصال بين العلم والفلسفة – مثلا – قد أدى إلى جعل تصوراتنا حول العقل والدماغ محكومة إما بالتفكك أو الاختزال (اختزال العقل على أنه الدماغ)، حيث إن التفكك الذي ساد الثقافة الغربية منذ القرن السابع عشر قد وضع العقل في مملكة العلم وأخضعه بصورة صارمة للقوانين الآلية والحتمية للمادة، في حين أن العقل يعيش في اللامادية والإبداع والحرية في مملكة الفلسفة والإنسانيات. والحقيقة أن كلا المفهومين مهيمنا ومُختزلاً: اختزال كل ما هو روحاني إلى المادة، أو اختزال كل ما هو مادي واعتباره منتَجا للعقل().
وعلى ذلك، لا ينبغي ترك المعرفة حول الإنسان تتفتت بين المفاهيم الاختزالية التي يعززها كل اختصاص، إذ ينبغي على المعرفة أن تتوحد لتعطي تصورا اشمل عن الإنسان في أبعاده المختلفة.
خاتمة:
ننتهي في الأخير إلى أن النموذج الاختزالي لا يبرز لنا حقيقة الإنسان، نظرا لقيامه على التجزئة والفصل، وهو بذلك يتجاهل تعددية الابعاد المكونة للإنسان، حيث لا يمكن فهم الجوهر الإنساني الا بالأخذ بهذه الابعاد المتعددة في الحسبان.. وهذه هي المقاربة المركبة التي ستكون موضعنا في المقال القادم.
مراجع المقال:
أولا: المراجع العربية:
1- أليكس روزنبرغ، فلسفة العلم: مقدمة معاصرة، ترجمة: أحمد عبدالله السماحي وفتح الله الشيخ، المركز القومي للترجمة، ط1، القاهرة، 2011.
2- إدغار موران، الفكر والمستقبل: مدخل إلى الفكر المركب، ترجمة: أحمد القصوار -منير الجوجي، دار توبقال للنشر، ط1، الدار البيضاء، 2004.
3- إدغار موران، المنهج: معرفة المعرفة: أنثروبولوجيا المعرفة، ترجمة: جمال شحيد، المنظمة العربية للترجمة – مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2012، ص 24.
4- عبد الوهاب المسيري، دفاع عن الإنسان: دراسات نظرية وتطبيقية في النماذج المركبة، دار الشروق، ط2، القاهرة، 2006.
5- يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة، دار المعارف، د ط، القاهرة، د ت.
ثانيا: المراجع الأجنبية:
1- Edgar Morin – Jeans Louis le Moigne, l’intelligence de la complexité, éditions l’Harmattan, Paris, (édition numérique), 1999.
2 – Edgar Morin, Le besoin d’une pensée complexe,1966-1996, La passions des idées, magazine litt, hors-série, déc 1996.
3- Edgar Morin, La méthode: Les idées: Leur habitat, leur vie, leurs moeurs, leur organisation, éditions du Seuil, Paris, 1991.
4- Edgar Morin, Les sept savoirs nécéssaires à l’éducation du futur, Organisation des Nations Unies pour l’éducation, la science et la culture (UNESCO), 1999.
5- Edgar Morin, La méthode: La Connaissance de la connaissance, Éditions du Seuil, Paris, 1986.

******************************

*باحث وأكاديمي – الجزائر

شاهد أيضاً

محمد ناجى المنشاوى*يكتب: المسكوت عنه عند الغزالى وابن رشد 

 الكشف عن المسكوت عند الغزالى وابن رشد من كهنوت -عن الهيئة المصرية العامة للكتاب صدرت الطبعة ...