الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.أحمد عبد الحليم عطية*يكتب :جالارثا والمثقفون المصريون

د.أحمد عبد الحليم عطية*يكتب :جالارثا والمثقفون المصريون

كتابات الكونت دى جالارثا الاستاذ الاسبانى تقدمه لنا فى صورة الاستاذ الذى درس الفلسفة منذ حوالى منتصف العقد الثانى إلى بداية العقد الثالث فى الجامعة المصرية 1915-1921 ثم مدرسة المعلمين العليا بعد ذلك (1) . فهو استاذا جامعيا من الجيل الأول فى الجامعة المصرية ومن روادها الذين تلقى عليهم أجيال متعددة لسنوات كثيرة الفلسفة بصورتها الحديثة التى تختلف عما يقدم فى الأزهر ، الجامعة الدينية العتيقة العريقة . وتقدم وثائق الجامعة المصرية القديمة بيانا باسماء كثير ممن تتلمذوا عليه فى هذه الفترة (2) وكما جاء فى البيان التفصيلى لعدد الطلبة الذين حضروا دروس جالارثا فى العام 1919-1920 وهى سنة الثورة المصرية. ومن هنا يرجح أن نسبتها قد تكون أقل من المعتاد فى السنوات الاخرى ، فإننا نجد أن طلاب مادة “الفلسفة العامة وتاريخها” 467 طالبا و”الفلسفة العربية والاخلاق” 492 طالبا ممن تعلموا على جالارثا (3) وقد حفظت لنا الوثائق اسماء 34 من هؤلاء ووفقا لكشوف من تقدموا لامتحانات هذين المقررين فإن الاعداد على النحو التالى 14 طالبا فى عام 1916 ، 14 طالبا فى عام 1917 ، 13 طالبا فى عام 1918 ، 7 طلاب فى عام 1919 ، 4 عام 1920 ، 6 عام 1921 (*) : مصريون وغير مصريون ، شيوخ (طلاب من الازهر) وافندية(من المدارس المدنية) . نذكر من هؤلاء اسماء كان لها دورها الكبير فيما بعد فى الجامعة والحياة العامة المصرية على سبيل المثال: الشيخ زكى مبارك ؛ الذى حصل على الدكتوراة من الجامعة المصرية فى الفلسفة وتوفيق حامد افندى المرعشلى ، الذى أسس الحركة التعاونية بمصر وكتب فيها عدة مؤلفات (4) وعبد الوهاب عزام الذى أصبح عميدا لكلية الآداب بالجامعة المصرية وغيرهم بالاضافة لمن درس كتاباته فيما بعد ممن لم يتتلمذوا عليها مباشرة من اساتذة الجامعة المصرية أمثال : عثمان أمين ؛ الذى اعتمد على دروسه وأشار إليها فى كتابه عن الفلسفة الرواقية وتوفيق الطويل فى فلسفة الاخلاق وعبد الرحمن بدوى فى الفلسفة العامة . (6)

لن نتوقف هنا عند هذه الصورة ، صورة استاذ الجامعة وكذلك لن نتوقف عند اهتمامه الكبير بالآثار المصرية وهو جانب هام كشفت عنه عدة دراسات منها دراسة العالم الاثرى المصرى الكبير عبد الحليم نور الدين (7) ولا صورة المحامى فى المحاكم المختلطة ، وهى محاكم القضاء الخاص بالاوروبيين فى مصر والتى يشير إليها جالارثا على عناوين كتب “محاورات فى الحكمة” (8) والتى تمثل جانب يطل منه جالارثا على الحياة العامة فى مصر والتى عرف جالارثا فى هذه

الفترة أكبر زعمائها فى العصر الحديث سعد باشا زغلول قائد الثورة المصرية 1919 . وهى ثورة فى كثير من جوانبها تماثل الثورة المصرية التى نحياها الآن ، ثورة مصرية شعبية تطالب بالحرية والكرامة المصرية يقودها الشباب والمثقفون . لكننا سنتوقف عند علاقة جالارثا مع المثقفين فى العشرينيات من القرن الماضى . وقد اخترنا منهم كل من محمد لطفى جمعة (1886-1953) ومى زيادة الاديبة العربية المعروفة (9) وسوف نعرض لهذه العلاقة اعتمادا على الرسائل التى بعث بها جالارثا إلى هؤلاء خلال مراسلاته معهما والتى تلقى ضوءا على اهتماماته العلمية خلال هذه الفترة .

عنوان الكونت دى جالارثا فى رسائل محمد لطفى جمعة:

أشار لطفى جمعة فى مذكراته إلى كتاب وضعه بعنوان “أحمد الغرض أو المهدى المنتظر” قال عنه : “إنه مجموعة أحاديث وحقائق ورسالات تتعلق بشخص صديقى الكونت دى جالارثا الإسبانى المقيم بالقاهرة ، أريد أن ادرس موضوع العلم الروحى .. لأخرج هذا الكتاب كاملا ، وقد جمعت أقوال أحمد الغرض سنة 1911 . ويعلق ناشر كتاب رسائل محمد لطفى جمعة فى الهامش بقوله :” إننى لم أعثر على أصول كتاب “احمد الغرض” المشار إليه بين مؤلفات لطفى جمعة المخطوطة (10) . وهى مسألة تدعو للأسف فوجود مثل هذا الكتاب يقدم لنا بعض الجوانب الهامة فى شخصية الكونت دى جالارثا إلا أننا نجد فى مذكرات محمد لطفى جمعة بعض هذه الملامح بايجاز . يقول “قابلت صديقا دعانى إلى زيارة رجل عجيب الاطوار فى أحد فنادق القاهرة الكبرى اسمه”احمد الغرض” ، فلما وصلنا إليه وجدت رجلا لا يمكن تحديد عمره يلتحف معطفا من نوع “الحرملة” أسود اللون ويتلفح باطرافه الضافية ويتكلم لغات عدة وينطق بهدوء بالعربية الفصحى ؛ اسمه “كونت دى جالارزا” الإسبانى الأصل ووارث مناجم الفضة والزئبق ، إسلامى الثقافة ، وهو منشغل بدراسة الأرواح ، فكان كشفا غريبا لى ، وكان حديثه يدور على التقمص والتناسخ وأنه على اتصال دائم بالارواح وانها تزوره وتكتب له رسائل على آلة من اختراعه اسمها “غرضومتر” ، ولكن منظر الرجل وحديثه واصدقاءه وتفكيره لم يرقى منها شىء ، وقد صار هذا الرجل بعد ذلك استاذا للفلسفة فى الجامعة المصرية ووضع كتابا وخرج تلاميذ وأقيمت له حفلة تكريم وله صورة شمسية مع سعد زغلول باشا ، وقد حدث له ذلك بعد أطوار ربما ذكرتها بإيجاز”

يتضح لنا مما سبق بعض السمات التى تتعلق بالكونت دى جالارثا مثل أن هذا الرجل صار بعد ذلك أستاذا للفلسفة بالجامعة المصرية وأنه على علاقة مع زعيم مصر سعد زغلول ـ فهناك صورة شمسية له معه وان كان لا نعلم على وجه التحقيق حدود المعرفة بينهما خاصة انهما قانونيان .

وهو أيضا يحيا حياة راقية فى مستوى مادى عالى ، كما يظهر من كونه يقطن أحد الفنادق الكبرى بالقاهرة ، وانه وارث مناجم الفضة والزئبق . مما يفسر تخصيصه ميزانية من أمواله للتنقيب عن الآثار المصرية كما جاء فى العديد من الدراسات التى نشرت حول تنقيباته بمجلة المتحف المصرى للآثار .

إلا أن هناك سمة لم يستطع لطفى جمعه تفسيرها فى البداية ، فهو رجل عجيب الاطوار ، لا يمكن تحديد عمره ، يرتدى زيا خاصا ، كان كشفا غريبا بالنسبة له . وتزداد هذه السمة وتتأكد من اشارته أنه منشغل بدراسة الارواح ، يدور حديثه على التقمص والتناسخ ، وأنه على اتصال دائم بالارواح ، وأنها تزوره وتكتب له رسائل على آلة اخترعها اسمها “غرضومتر” (11) . وتفسر تلك السمة لنا اهتمامه وزياراته للهند . كما تطرح علينا تساؤل حول اهتمامه بالآثار المصرية وشغفه بها وسعى للتنقيب عنها وهل لذلك علاقة باهتمامه بعالم الروح .

وإذا ما عدنا إلى رسائله إلى محمد لطفى جمعة وهى فى الحقيقة بطاقات (كارت بوستال) ؛ فإننا نعثر على رسالتين الاولى مؤرخة بتاريخ 30 اغسطس 1917 والثانية بدون تاريخ ولا ندرى ايهما أسبق ، يهمنا منهما الاولى ، فالثانية تتعلق بتحديد موعد للقاء يقول فيها ” عزيزى البك إننى فى أمس الحاجة لاعمال ديكارت” التى كنت قد طلبتها منك لكى اتمكن من اعداد محاضراتى بالجامعة ، فلتتكرم وتبعث بها إلى خلال شهر عن طريق المكتبة ” . والأولى تتعلق بدروسه يطلب فيها بعض الكتب يقول :” سوف أكون تحت تصرفك الكامل يوم الاثنين 25 الساعة الخامسة بعد محاضرتى فى قاعة الاساتذة ، فهل يناسبك هذا الميعاد ؟ إن لم يكن كذلك ، فهل نتجاذب أطراف الحديث يوم الثلاثاء الساعة الثالثة أو الخامسة؟ المخلص كونت جالارزا”(12).

يخاطب جالارثا لطفى جمعة وهو من الطبقة العليا فى الرسالة الأولى بلفظ “عزيزى البك” ، وفى الثانية “زميلى العزيز” فهو ممن درسوا الحقوق فى فرنسا وله دراسات عديدة فى التاريخ والقانون والآداب والفلسفة ويتقن الفرنسية وفى الغالب فإن تلك البطاقتين بالفرنسية جمعة ممن قدموا مؤلفات هامة فى الفلسفة وجالارثا يعلم ذلك ، فهو يطلب منه نصوص ديكارت الفرنسية بالحاح استعدادا للعام الدراسى القادم ، فالرسالة بتاريخ 30 اغسطس 1917 أى قبيل الدراسة بشهر لذا يحتاج إليها بالحاح كما يظهر فى قوله :”اننى فى أمس الحاجة لاعمال ديكارت”

رسائل جالارثا إلى مى زيادة:

هناك عدة رسائل بين الأستاذ الأسباني والأديبة العربية على امتداد ما يزيد على عشر سنوات ، الأولى في 6 أيار 1918 والأخيرة في 8 أكتوبر 1928 وإن كانت معرفة “مى” بجالارثا تسبق هذا التاريخ ، فقد ألقت خطابًا في حفل التكريم الذي أقامها له تلاميذه في 13 أبريل 1917

وهي الخطبة التي نشرتها مجلة المقتطف في أغسطس 1919 وأعيد نشرها في كتاب “مى” “كلمات وإشارات”.

لن نتوقف عند الخطبة وما جاء فيها الآن، لكننا نشير إلى ملاحظتين يبدوان لنا أنهما من محرر ، المقتطف تظهر أن مدى حضور جالارثا في الحياة الثقافية المصرية. الأولى أن الحفل أقيم في حديقة فندق شبرد برئاسة سمو “الأمير” حيدر فاضل وحضرها نخبة من العلماء والعظماء وطنيين وأجانب، وخطب فيها بالفرنسية جانب الكونت بروزور العضو الروسي في صندوق الدين، ومؤسس جامعة الشعب ورئيس الشرف لها (13). تلك هي الملاحظة الأولى وتتعلق بالشخصيات التي شاركت في الاحتفال وهي شخصيات لها مكانتها السياسية، الأمير المصري، وأيضًا عضو صندوق الدين الروسى وكذلك كل من سفير دولة أسبانيا ومعتمدها السياسي دون كريستوبال فالين وقنصلها في العاصمة مسيو دي كاريراس.

وتشير الملاحظة الثانية التي يبدأها المحرر بقوله “يجدر بنا أن نشير إلى أمر لا علاقة له بموضوعنا (أي بموضوع خطبة مى) لكنه كما أرى ذو علاقة قوية بالكونت دي جالارثا، وهو أمر اشتهر به هذا الاسم الروسي بين المشتغلين بالعلوم الروحانية: فإن للكونت بروزور نجلاً يعتقد أتباع الثيوصوفيا أنه امتاز ببعض المواهب الباطنية إلى حد صار يرى عنده شكل الجسم النجمي أو الهوائي وألوان الانفعالات فيه على اختلافها. ويضيف المحرر “وقد أثبت ليدييتر الكاتب الثيوصوفي تلك المشاهد بألوانها الدقيقة في أحد كتبه الشهيرة قائلاً أنه رسمها طبق إشارة موريس بروزور وباطلاعه. وهي واحدة المثال من حيث غرابة نوعها(14). يتفق ما أشار إليه محرر المقتطف مع ذكره محمد لطفي جمعة ويوضح أن مشاركة الكونت بروزور ربما ترجع إلى هذا الاهتمام المشترك لهما بالعلوم الروحانية بالإضافة إلى مكانته في الحياة العامة المصرية.

سنتوقف عند أربع رسائل مما كتبه الكونت دي جالارثا إلى “مى” . وهو يبدأ اثنتان منها بالغريزة الآنسة (إيزيس) واثنتان بالعزيزة الآنسة مى وإيزيس هو اسم الآلهة الكبرى فى الديانة المصرية، المعروفة في أسطورة أزيس وأوزوريس، فالاسم هنا له دلالته سواءًا كان مشهورًا عن “مى” أو أطلقه عليها جالارثا. ويختتم هذه الرسائل بقوله وأظل دائماً أخاك في الفلسفة”، أو ” إلى اللقاء يا أختي في الفلسفة” أو “من أخيك بالحكمة” أو “أقدم لك فائق الاحترام الأخوي من حد شيوخ الفلسفة”. ومن بداية وختام الرسائل يظهر لنا أولاً مدى عمق العلاقة بينهما سواء في وصفها بالعزيزة أو مخاطبتها بالاسم الأول لها، كما يظهر لنا ثانيًا أن محور هذه العلاقة هو الأخوة الفلسفية: أخاك، أختي، أخوي. وتحتوى ثلاثة من هذه الرسائل شكر على مجلات أو كتب لمى أرسلتها له والرسائل الأربعة مكتوبة بالفرنسية. ويوضح لنا تاريخ كل منها موضوع اهتمام جالارثا في فترة كتابتها على النحو التالي:

يصرح في الرسالة الأولى لمى بعد شكرها على المجلات التي أرسلتها له والتي تحتوي على مقالاتها برأيه في تعلمها للغة الروسية والتي سبق له دراستها لمدة عامين ؛ بأنه عزم على نسيانها لأن الفرص لن تتاح له للتحدث بها. كتب جالارثا هذه الرسالة في 6 آيار 1918 أي بعد الثورة البلشفية بعام واحد، ويبدو من رأيه عدم ميله لها، وإن كان لم يصرح بذلك إلا أن هذا ما يستنتج من رغبته في نسيانها وقوله “لا أحسب أن في آدابها ما يكافئك على التعب الذي تبذلين”.

وما يهمنا حديثه عن مشاريعه العلمية في عبارته لا يزال كتابي عن الفلسفة العربية الذي سألتني عنه في عالم الغيب، كما يقول الفلاسفة، ومن الممكن أن يتجسد في عالم الكلمة بعد بضع سنين”. وهو حديث يستحق التعليق لأننا نعرف أنه أصدر كتابين يتضمنان معًا محاضراته في الفلسفة العامة وتاريخها والفلسفة العربية والأخلاق عام 18/1919 وعام 19/1920 وفيهما تناول الفلسفة العربية. وعلى هذا يلزم التساؤل هل ما يتحدث عنه جالارثا من كتاب عن تاريخ الفلسفة العربية يختلف عما صدر له أو ربما يريد عمل تأريخ يختلف عن محاضراته بصورة أشمل؟.

تتدرج فقرات الرسالة الثانية التي كتبها في 30 حزيران 1920 وخاطبها فيها مثل الأولى بالعزيزة الآنسة إيزيس : من الشكر على إرسالها له كتابها عن باحثة البادية ، إلى إطراء شكل الكتاب ، والوعد بإبداء رأيه بعد قراءته بقوله: ” سأقول لك بعد الفراغ من تذوقه إذا ما كنت سأجد فيه تلك النفحة العائلية التي تضم أصدقاء المبادئ تحت لواء إيزيس ، لأن شخصية الأم تتمثل فيها”.

يستشعر القارئ من قوله “تلك النغمة العائلية التي تضم أصدقاء المبادئ تحت لواء إيزيس” بعبق أفلاطوني وكأننا في جماعة دينية ذات صبغة روحية كالفيثاغورية مثلا وهو ما يتأكد في الفقرة التالية التي يقول فيها:

من هذه المبادىء السامية كان الرسل الذين حدثتنى عنهم يستلهمون رسالاتهم ، ولكن الأزمنة التى تمجد الوجود الالهمى نادرة ، وقلما تسمح للشعوب بتمجيد اسمائهمبكلمات جديدة . ومع ذلك ، ومهما يكن من أمر رسالاتنا فقد كانت الأفكار الخالدة قوية ومؤثرة قبل ظهور الرسل ، وبها يتأثر الأموات الذين نشروها فى الأرض وآمنوا بها .

وفي رسالته الثالثة المؤرخة في 23 فبراير شباط 1924 يخاطبها بالعزيزة الآنسة مى. وأنه تلقى بفرح الأفكار التي يتضمنها كتابيها الأخيران ويذكر أن لغتها الجميلة ستساعد على رفع المستوى الروحي لشعوب اللغة العربية وعلى اقتلاعها عن المادية. ويصرح لها بأمله أن يطبع

هذا الصيف كتابه “محاضرات في الحكمة” الذي أعده لطلابه، وبالفعل صدرت هذه المحاضرات في كتابين (15).

لم يكن جهد جالارثا منحصرًا فقط في محاضراته، فقد اتضح لنا من بعض مراسلاته ومن الشخصيات التي شاركت في تكريمه أن له حضورًا عامًا في الحياة الثقافية المصرية، فهو لم يكن أستاذًا منعزلاً بين جدران قاعات الدرس ولم يكن أيضًا من الشخصيات ذات الحضور الثقافي العام، لكنه ينحو منحى مثاليًا أفلاطونيًا في “محاورات في الحكمة” وكما يشع في كلماته إلى “مى” في رسالته الثانية لها، في عبارة تلك النفحة العائلية التي تضم أصدقاء المبادئ تحت لواء إيزيس.

تحيلنا رسالة جالارثا الرابعة إلى العزيزة الآنسة “مى” إلى ناحيتين الأولى انشغالاته العملية العلمية وتفكيره في السفر ومغادرة مصر، فهل يرجع سبب ذلك إلى أن كثرة مشاغله لا تدع له وقتًا للاهتمام بعالم الروح؟ لعل الرسالة تلمح إلى ذلك دون أن تصرح به.

تظهر رسائل جالارثا المعروفة إلى “مى” أنها في الأعم ردًا على كتاب أرسلته له أو مقالات لها بعثتها إليه وكذا الرسالة الرابعة تتضمن شكرها على تلطفها بالسؤال عنه. ويخبرها بأخباره، فقد تلقى منذ قليل عرضًا من الوزارة (يبدو أنها وزارة المعارف) للتعاقد معها، حتى يظل في مدرسة المعلمين العليا كأستاذ مكلف بالمكتبة. ويضيف بأن أضع اللمسات الأخيرة على مؤلفاتي، وواضح من العطف وبأن أضع أنها استمرارًا لأن أبقى، أي أنها عرضًا من الوزارة. ولهذا أهميته في السياق الذي نحن بصدده، فهو مطلوبًا منه أن يظل أستاذا ومكلف بالمكتبة وأن ينجز مؤلفاته الثلاثة: “أفلاطون”، “سبنيوزا” و “لوك” وأن يترجم أثرًا يختاره. واختيار الوزارة له هذه المهمة تؤكد لنا قدراته العلمية التي تدركها الوزارة، وهي ليست كل المهام المطلوبة منه فهو يضيف مباشرة “كما أن المدير يرغب كذلك في أن أصنف ستين ألف مجلد من المكتبة أوصى بها مؤخرًا أحد الأمر إلى الوزارة”.

لكن يبدو لنا كما يبدو له أنهم يغالون في طلباتهم. بالطبع أن يعمل أستاذًا، ويكلف بالإشراف على المكتبة، ويؤلف، ويترجم ويصنف، فهذا يقتضي وقتًا وجهدًا قد لا يطاق ومن هنا كان التفكير في السفر “ومع ذلك فمن المحتمل أن أبقى في مصر”، أي أنه ليس مؤكدًا. ومع ذلك فقد استأنف عمله ويسعى لشيخ ضليع متخصص في اللغة العربية لينجز مخطوطاته وفي الغالب يقصد بمخطوطاته أصول كتبه الثلاثة التي ذكرها في مقدمة الرسالة. أن عمله العلمي مستمر سواء تقبل عرض الوزارة للتعاقد معه وسواء كان سيسافر أم سيبقى في مصر.

ولأننا للأسف لم نعثر على هذه الأعمال التي كانت في مراحلها الأخيرة مثلما لم نعثر على كتاب لطفي جمعة عنه فإننا نفتقد تفصيلات عديدة عن جوانب هامة في حياة جالارثا وليس لدينا سوى الأمل في أن نعثر عليها أو يعثر عليها غيرنا – أن كانت قد صدرت بالفعل – لنوضح جهود أستاذ متميز في وطن يقدر العلم والعلماء في هذه الفترة كما يتأكد ذلك في الاحتفال الذي أقيم له وحرص وزارة المعارف المصرية، فى هذه الفقرة الهامة من تاريخ مصر ،على قيامه بمهام علمية هامة لها.

الهوامش والملاحظات:

1- سبق أن قدمنا دراسة تحليلية لهذه الأعمال تحت عنوان “الكونت دي جالارثا والدرس الفلسفي بالجامعة المصرية”، العدد 22، القاهرة من اوراق فلسفية ، وقد ترجمت إلى الأسبانية ونشرت في حوليات سيمينار تاريخ الفلسفة، العدد 20، عام 2003Analas del seminario de Historia de le philosofia، كما كتب عنها الدكتور مصطفى النشار “الكونت دي جالارثا والفلسفة اليونانية” أوراق فلسفية ، العدد 22 عام 2009 والدكتورة رجاء أحمد علي “المنهج النقدي عن جالارثا في دراسة للفلسفة العربية، أوراق فلسفية العدد 29 عام 2011 وكل هذه الدراسات تتناول كتاباته ودروسه بالجامعة المصرية ومدرسة المعلمين العليا بالقاهرة.

2- سبق أن نشرنا وثائق الجامعة وكشوف أسماء طلابها ممن حضروا دروس جالارثا في ملاحق نشرتنا لكتاب جالارثا “الفلسفة اليونانية” دار الثقافة العربية القاهرة 2008 ص 183 – 189.

3- المصدر السابق، ص 188.

4- درس توفيق حامد المرعشلي بالجامعة الأهلية، وقد وجدنا محاضرات ماسينيون عن “تاريخ الاصطلاحات الفلسفية بالجامعة المصرية” بخط يده، وكان زميلاً لطه حسين ، الذي استمع بدوره لهذه المحاضرات والمرعشلي ضمن سبعة طلاب حصلوا على الدكتوراه من الجامعة المصرية القديمة، عمل مدرسًا بالمدرسة الخديوية الثانوية، أول من أدخل درس التربية الوطنية بالمدارس المصرية، له كتب عدة في التاريخ والتعاونيات.

5- مثل: محمد السيد شادي، الشيخ سيد رضوان عثمان، الشيخ محمد مطاوع نصير، الشيخ محمد عليوة مصطفى، الشيخ محمد ناصف، الشيخ أحمد أحمد عمارة، الشيخ محمد عبد العظيم حجاب، عبد الحميد العبادي أفندي، حسن شوقي أفندي، الشيخ حمزة عبد الصمد، عبد العزيز أفندي محمد، حسين فهمي الدجاني، محمد كمال حلمي، توفيق حامد المرعشلي، الشيخ حسن حمزة عبد الصمد، الشيخ زكي عبد السلام مبارك، علي أفندي مظهر، الشيخ محمد إبراهيم الجزيري، الشيخ محمد مصطفى أبو درة، الشيخ شحاتة عوض شحاتة، محمد علي نسيم، محمد أفندي صادق، حسن نافع، إسماعيل أفندي لبيب، أحمد فريد رفاعي، الشيخ إبراهيم مصطفى، عثمان صبري، الشيخ عبد الوهاب عزام، حمزة عارف طاهر، مزرامين مرقادر.

6- يذكر لنا عثمان أمين في مراجعه اعتماده على محاضرات جالارثا في دراسة الفلسفة الرواقية، تلك المحاضرات حول الفلسفة اليونانية والتي نشرناها مؤخرًا، كما نجد أثر محاضراته في الأخلاق جليًا في عمل توفيق الطويل “فلسفة الأخلاق نشأتها وتطورها” من حيث التوجه المثالي والتركيز على الأخلاق الكانطية. ويذكر لنا عبد الرحمن بدوي في سيرته الذاتية أن كتاباته جالارثا كانت وراء اهتمامه بالتعمق في قراءة الفلسفة والتوجه إلى دراستها قبل التحاقه بالجامعة، انظر دراستنا في مقدمة. جالارثا: الفلسفة اليونانية، دار الثقافة العربية، القاهرة 2008

7- عبد الحليم نور الدين: جالارثا والآثار المصرية في “الفلسفة الأسبانية المعاصرة، العدد 29 من أوراق فلسفية ، القاهرة 2011 ص263 – 274.

8- أصدر جالارثا كتابين تحت عنوان “محاورات في الحكمة” 1923-1924، مطبعة الاعتماد، القاهرة.

9- انظر دراستنا الجيل الأول من طلاب الجامعة ص 123-158 في كتابنا: الخطاب الفلسفي في مصر، القاهرة، دار قباء2001

10- تابع محمد لطفي جمعة (محرر رسائل محمد لطفى جمعة).

11- انظر في هذا “يسألونك عن الروح: الأشباح والأحلام والكونت دي جالارثا (ص 381-389) في محمد لطفي جمعة: شاهد على العصر: مذكرات محمد لطفي جمعة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.

12- رابح محمد لطفي جمعة (محرر رسائل).

13- انظر مى زيادة: البعث العتيد، المقتطف، أغسطس 1919 ص 125-130 وقد أعدنا نشره كملحق في جالارثا: الفلسفة اليونانية، دار الثقافة العربية، القاهرة 2009، ص 191.

14- مى: المقتطف ص 129، ملحق جالارثا: الفلسفة اليونانية ص190.

15- الكونت دي جالارثا: محاورات في الحكمة، 1923-1924، مطبعة الاعتماد بالقاهرة د.ت.

*******************

*أستاذ الفلسفة بكلية الآداب -جامعة القاهرة

شاهد أيضاً

رواية كانديد لفولتير بترجمة كويتية 

رواية فلسفية بترجمة كويتية تشتبك ومسألةالشر في الوجود استحوذت مسألة “الشر”، التي طالت البشر فيكل زمان ومكان، على اهتمام الفكر الإنساني منذ أقدم العصور وحتى الآن، بل وتفوّقت على كل المسائل البشرية الأخرى كمصدر للفزع،القلق والألم والخوف… بالنسبة للإنسان. ومن النصوص العالمية، التي اشتبكت مع هذه المسألة الحيوية واللصيقة  بوجودنا المعيش على هذه الأرض، رواية “كانديد” لمؤلفهاالفيلسوف الفرنسي الشهير “فولتير”. ...