الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.فاطمة الحصي*تكتب : أمي وقُبلة الموت ..
الباحثة /فاطمة الحصى

د.فاطمة الحصي*تكتب : أمي وقُبلة الموت ..

في نهاية 2014 وبعد معاناة طويلة مع المرض صرح لنا الدكتور حمدي زوام المتخصص في الأورام بأن المرض قد وصل إلى رئتي والدتي، وفهمنا من نظراته وتحفظه بأن الحالة متأخرة للغاية ، لكن الأمل ظل في قلبي كعادتي دوما أتمسك به بكل عنف وبلا هوادة ، لذا وحين ساءت حالتها ودخلت أمي الى مشفى خاص “شبه ميتة”، ومع اصرار المشتشفى على اعادتها الى الحياة ففرحت مع إخوتي فرحة عارمة ، كمن يضحك على نفسه ، وظللنا على هذا الحال شهور الى أن واجهنا ابن عمتي الطبيب مصطفى حمد بضرورة نزع الأجهزة التي تساعدها على الحياة !

كان الموقف صعبا للغاية وغير محتمل ، وفي نفس الوقت اتخاذ قرار مثل هذا هو قرار بمثابة انتحار بالنسبة لي ولإخوتي جميعا .
وقررنا معا عدم الانسياق وراء رأي ابن عمتي الطبيب على الرغم من تأكدنا من صحته ، كان الأمل بداخلنا نابع من استقبال أمي لنا بنظراتها الطيبة ومحاولتها التحدث الينا بعيونها مرة وبالاشارة مرة ، وكان هذا كافيا للغاية لإرضاءنا ، مجرد وجودها  كان هو الغاية ، فهمت الآن ذلك التشبيه الذي قاله لي أحدهم (أريد أمي حتى لو بقايا عظاما ) …

لا أنسى أنني في سماء الفكر تناقشت بعد ذلك بعام مع الصديق المستشار مدحت البنا حول فكرة القتل الرحيم ، وكان من أنصاره، وفي نهاية مناقشتي أخبرته أن الحديث يكون سهلا حينما لا نكون في الموقف ذاته ، فليس من السهل أبدا اتخاذ قرار بنزع اجهزة الحياة عن شخص تتعلق به روحك ، أو أن تعطيه كبسولة تؤدي به الى الراحة الأبدية بعد معاناة المرض وآلامه ..

هكذا كان القرار بالإجماع من إخوتي بإبقاء أمي على أجهزة التنفس الصناعي ، فاتني أن أقول أن المستشفى الخاص بالقاهرة حينما ناقشنا المسئئولين به حول امكانية نقل والدتي الى مستشفى خاص آخر بمدينة شربين (مستشفى المنال ) وذلك لتأكدنا من أن الحالة متاخرة ومن الأفضل لها أن تكون بجوار منزلها ويزورها الأقارب والأخوة ، فما كان من المسئول الا أن صرخ فينا قائلا ستتحملون مسئولية ذلك ،المستشفى غير مسئول على الاطلاق ، والحقيقة أن هذه الفكرة كانت فكرة عبقرية من أخي توفيق الذي أخبرني أن النقل الى مشفي بالقرب من قريتنا أفضل خاصة وأنها فرصة طيبة لرؤية أهل والدتي لها .

كانت رحلة النقل معذبة للغاية مع سيارة اسعاف مجهزة ، ولكني الآن
استطيع أن أقول أن ما حدث هذا كان هو الانجاز الحقيقي الذي جنيناه من هذا القرار، فنظرات أمي الحنونة وهى تحتوينا جميعا ، وترى في عيوننا اللهفة والمحبة والاخلاص لها والرغبة الحقيقية بأن تكون في وسطنا وحولنا ، وتيقنها من أن مجرد وجودها في الحياة بالنسبة لنا هو الانجاز الحقيقي.
هكذا مرت الأيام ونحن نتخيل أن والدتي تتحسن ، وأنها هكذا افضل كثيرا حتى اتضحت لنا الحقيقة بأنها “مع الله هذا أفضل كثيرا ” فقد صعدت روحها الطيبة في يوم 5مارس 2015.رحمة الله عليها .

********************

كاتبة وباحثة\مصر

شاهد أيضاً

الباحثة صفاء عبد السلام *تكتب :في مجتمعي فيلسوف

  في سبعينيات القرن الماضي قدم لنا المسرح المصري مسرحية “مدرسة المشاغبين” والتي تعرض ما ...

3 تعليقات

  1. رحمه عليها وعلي جميع الأمهات الغريبه يادكتور فاطمه ان قصتك تشبهه قصه والآتي رحمه الله عليها وكان فعلا اتخاذ قرار فصلها عن الأجهزه بعد دخلت غيبوبه كامله صعب جدا مجرد وجودها في المشفي وذهبنا الي زياراتها كان يسعدنا يشعرني بالامان ولكني فقدتها ثالث ايام عيد الفطر 💔 ومرت ٢٠ عاما ولن تنسي ابدا مادمت الحي الحياه بعدهم شبهه عاديه