الرئيسية / أخبار ثقافيه / د. محمود عبد المجيد عساف*يكتب: الحب وقانون القوة الناعمة

د. محمود عبد المجيد عساف*يكتب: الحب وقانون القوة الناعمة

ازدواجية الشخصية والاتكالية، وفقدان الثقة بالنفس، وتقوقع الذات في أوج الحاجة إلى وجودها، كلها مترتبة على الغزو الفكري الغربي أو ما أطلق عليه مصطلح (التغريب)، لكن حتى وإن كانت كذلك فنحن شركاء في التسبب بمزيد من هذه الجرائم عندما اعتبرنا الكذب والرياء والأنانية وحب الذات والغرور نوعاً من (الفهلوة) واعتبرنا ذلك نوعاً من صراع البقاء.
قبل أربعة قرون ونيف، نصح نيقولو ماكيا فيللي الأمراء في إيطاليا بأن يكون المرء مخوفاً أهم من كونه محبوباً، ولكن الأفضل في عالم اليوم أن يكون المرء مالكاً لهاتين الصفتين معاً. لكن أغلب من يفهمون معنى القوة خطأ يعتمدون على الصفة الأولى دون الثانية، وإن اعتمدوا على الثانية كان طريق الاستحواذ على القلوب فيها بطرق غير مشروعة إنسانياً، طرق التفافية مراوغة بعيدة عن بياض النفس البشرية .
لا أعلم ما الجدوى من ممارسة القوة بالحزم وبطريقة ضيقة؟ رغم أن الطريق إلى السلطة أقل تكلفة من ذلك بكثير، فالحب النقي غير المبنى على التوقيت أو المصلحة من أنجع طرق السيطرة عن قناعة وولاء غير محدود.
وعلى الرغم من قناعاتنا بأن موارد القوة ليست قابلة للاستبدال كالنقود فما يكسب في لعبة ما قد لا يساعد على الإطلاق في لعبة أخرى، لذا إن كان ولا بد من ممارسة القوة في زمن كلنا فيه أتباع فاقدي الهوية، زمن انحسرت فيه قيمة الحب والولاء، وتعلقت نفوسنا بالماديات على حساب القيم والمعتقدات، فلتكن هذه القوة ناعمة جاذبة .
ولعل هذه القوة ما قصدها نجيب محفوظ حين قال : (أما المصائب فلنصمد لها بالحب، وسنقهرها به، الحب أشفى علاج وفي مطاوي المصائب تكمن السعادة كفصوص الماس في بطون المناجم الصخرية، فلنلقن أنفسنا حكمة الحب)، فالتربية بالحب وعليه أهم مورد من موارد القوة الناعمة.
لكن ما يحدث هذه الأيام من ضياع مبررات هذه القوة ومواردها في ظل غلبة الماديات على المودة والرحمة، يصيب الكثير بعدوى البعد أو الجفاء بعد التعرض لمواقف نفت لديه مفهوم الحب.
والحديث هنا لا يقتصر على علاقة الحب بين الجنسين بقدر ما هي القوة التي تضفي على الإنسان مزيد من تقديره لذاته بالعطاء وتخلصه من الطاقة السلبية عندما يقابل حبه بمزيد من الحب .
ولعل التركيز هنا حول مفهوم القوة الناعمة جاء من منطلق أن الناس عامة مضللون حول مفهوم الحب، فالمفاهيم لديهم منفصلة، فهم لا يجدون أن الحب له علاقة مع المال أو مع الثقة بالنفس أو مع المعتقدات أو مع غير ذلك، لكن في الحقيقة مفهوم قانون الحب (الجذب) هو الأوسع ويشمل كل ما يعيشه الإنسان .
وعلى ذلك فإن ممارسة الاستحواذ بالخداع والغدر والقوة الصلبة المتمثلة بالتهديد أو السلطة، ما هي إلا صورة إنسان ضعيف يدعي الحب، لأن الاستفادة العظمى لقوة الحب الناعمة هي الانشغال بالجانب المعرفي لطبيعة الأشخاص والأشياء، فهل سمعت يوماً عن شخص ندم على اختيار شخص أو عمل أحبه، وإن شعر بالهزيمة أحياناً فإن نشوة السعادة تذيب كل الشحنات السلبية التي تراوده.
قانون الحب يا سادة (القوة الناعمة) أسمى من أن يراوغ وأرقى من أن يدعى، وأعظم من أن يوجه إلى نزوة .
لهذا كن أنت فما ترسله للآخرين يعود إليك، ولا تنتظر المبادرة من الأشياء أو الأشخاص، فسامح إن فارقت ولا تكره، لأن القوة الكامنة في الحب لا تكتمل إلا بالتسامح الذي يقودك إلى العطاء .

****************

*استاذ أصول التربية -وزارة التربية والتعليم العالي -غزة

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *في ذكراه التاسعه :أحفاد حسن حنفي يهاجمون أركون

العالم العربي لا يقرأ والمثقفون العرب لا يقرأون لبعضهم البعض أيضا ! هذه حقيقة يؤكدها ...