الرئيسية / أخبار ثقافيه / إميل أمين*يكتب :لاهوت التحرير.. الحوار يحرر الانسان
اميل امين

إميل أمين*يكتب :لاهوت التحرير.. الحوار يحرر الانسان

 

هل يمكن أن يكون للدين قوة تحرر الانسان بدلاً من أن يحاول البعض استخدامه في قهره؟

منذ بضعة عقود قال ماركس ان “الدين أفيون الشعوب”، وقبل نحو عقدين تساءل أديب إيطالياً الكبير “إمبرتو إيكو” بالقول…. هل تحول الاديان من أفيون للشعوب إلى كوكائين للشعوب؟ بمعنى أن دوره أضحى أكثر تغييبا للعقول والاجساد معاً، في إشارة لاتخطئها العين لحالة تصاعد المد الديني حول العالم، وعليه فعندما يقرأ القارئ الطبعة الجديدة التي صدرت في القاهرة مؤخراً للكتاب – الفكرة، الكتاب – الوثيقة، الذي حرك مياه الدين المسيحي طويلا، والمعروف باسم “لاهوت التحرير”، يحق له أن يتساءل إلى أى حد ومد يمكن أن يكون الدين أداة لتحرير الانسان لا لاستعباده او اذلاله، أي كيف ومتى للدين أن يصبح طوق نجأة من ربقة العبودية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؟.

ولعل السؤال الاهم: “هل عالمنا العربي في حاجة إلى لاهوت تحرير عربي وهو سؤال يردده البعض يصوت خفيض خوفا من قوى الرجعية الدينية في منطقتنا؟

ما هو لاهوت التحرير بداية؟

يمثل فكر لاهوت التحرير توجهاً إيمانياً وإنسانياً جديداً في خدمة البشر، وقد نشأ بداية الامر في منطقة أمريكا اللاتينية، في نهاية ستينات القرن الماضى، ومؤلف الكتاب الذي بين ايدينا ، وهو أحد أهم المنادين بالفكرة ، هو الاب “جوستافو جويتيرث” البيروفي الجنسية، الدومنيكاني الانتماء، أي المنتمي إلى الرهبنة الدومنيكانية حول العالم.

الفكرة الرئيسة لنظرية “لاهوت التحرير” إنما تدور حول التحرير الاقتصادي والاجتماعي للبشر المطحونين، وكذلك حتمية حصول هولاء الفقراء والمعذبين في الارض على حرياتهم الجوهرية، وكيف أن الاخوة الانسانية المؤسسة على الايمان المشترك، تفترض تحقيق هذه الاهداف.

ولعل كتاب “لاهوت التحرير” الصادر في طبعة جديدة هذه الايام يعيد التفكير في الحاجة العالمية عامة، والعربية خاصة لمثل هذا النهج الفكري، سيما في ظل توحش الراسمالية العالمية، وسطوة الشركات متعددة الجنسيات على مقدرات الإنسانية من شمال الارض إلى جنوبها ومن مشرقها إلى مغربها.

عند مترجم الكتاب الاب “جون جبرائيل” الدومنيكاني المصري أن لاهوت التحرير يعيد لفكرة الدين جوهرها النقي دون تثريب، وقد ولدت الفكرة نتيجة تأمل الفقراء والفلاحين في الكتاب المقدس، وكيف يمكن للانسان أن يصدق وجود إله عادل، إله سلام في وسط أجتمع فيه الشر وانتشر من خلاله التمييز والعنصرية والفقر والعنف، والذي يسبب في كثير من الاحيان صدمة في إيمان الشخص، فيكيف أثق في إله عادل في وضع يتسم بالتمييز؟

الفكرة الرئيسة للكتاب هي كيف أبنى ملكوت الله على الارض بالطرق المشروعة، ويبدد الفكرة المنتشرة حول كون الدين “أفيون للشعوب”، فاذا كان الانسان يعاني ظلماً وقهراً، فمن حقه أن يعبر عن هذا بالطرق المشروعة، عن طريق تنمية وعيه ومشاركته الفعالة في المجتمع، الذي يعيش فيه وممارسه حقوقه السياسية

ومشاركته في الانتخابات، ولا يتحول الدين إلى نوع من الاغتراب أو أفيون الشعب عن ممارستهم حقوقهم.

المجمع الفاتيكاني ولاهوت التحرير:

يمكننا تأريخ ولادة هذا الفكر داخل المؤسسة الكاثوليكية بالعام 1968 في أمريكا اللاتينية، لكن الحقيقة المقطوع بها هى ان هذا التوجه ولد من رحم المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني (1962 – 1965) بطريقة بطيئة ومتدرجة، ففي أثناء النقاشات التي دات بين أساقفة الكنيسه الكاثوليكية المجتمعين من ست قارات الارض، حدثت مواجهة بين أنصار اللاهوت المدرسي الجديد، والذي كان منتشراً في الكنيسة الكاثوليكية في ذلك الوقت، وانصار التيارات اللاهوتية الأخرى مثل اللاهوت السياسي واللاهوت الانثروبولوجي، واللاهوت الخاص بحقائق الأرض .

كان من جراء تلك المواجهة أن المجتمعين هناك توصلوا إلى صيغ توافقية ترضي جميع الاطراف، ظهرت في الدساتير المجتمعية، وقد تحدثت هذه الصيغ عن رؤية جديدة للكنيسه، وانفتاح الكنيسه على العالم، والحرية الدينية والبحث في علم التفسير الكتابي، وقد كان لهذه الصيغ أثرها في زرع بذور التوتر في قلوب بعض الحاضرين، بسبب واقع الناس الصعب الذي تعانية القارة الامريكية الجنوبية، والذي كان شرارة لبزوغ تيار “لاهوت التحرير”.

هل كان هذا التيار ثمرة مراجعات لبعض الاخطاء البشرية في سلوك بعض رجال الدين في المؤسسة الكاثوليكية؟

يمكن القول أن هذا الطرح الديني إنما جاء على خلفية مواجهة تاريخية لدور المؤسسة الدينية في فترة زمنية بعينها لم تهتم فيها بالفقراء كما يجب، ولم تعطهم مكانة خاصة لا في خدمتها كمؤسسة ولا بين صفوفهم، وقد أتهمت وقتها في بعض الدول بانها كنيسة الاغنياء.

والشاهد أن الكتاب الذي بين أيدينا يظهر انه ولأول مرة في تاريخ المؤسسة التي وصفها “وول ديورانت” في موسوعته الخالدة “قصة التاريخ”، بانها اهم مؤسسة بشرية عرفها التاريخ الانساني ، يصبح اللاهوت عملاً يخرج عن مركزيته التقليدية في البلاد الاوربية وامريكا الشمالية، ليثمر فكراً جديداً، وليد الحضارات المختلفة، سواء من السود المقيمين في شمال أمريكا أو من حضارة أمريكا اللاتينية أو السكان الأصليين في الولايات المتحدة، بالاضافة إلى اللاهوت الناشئ في سياقات معقدة من قارات إفريقياً، وآسيا، وجنوب المحيط الهادئ، وخاصة من اولئك الذين تبنوا منظور المرأة في المجتمع، وكانت النتيجية ولادة نوع جديد ومثمر من الحوار بين الفكر التقليدي، والفكر الحديث، فيما يسمي بالعالم الأول، وبالأضافة إلى ذلك ألهم هذا التيار جهوداً خارج النطاق المسيحي لتطوير لاهوت تحرير من منظور اليهودية والاسلام.

الصراع الطبقي بحسب لاهوت التحرير:

يتوقف الاب “جوستاف جوتييرث” في عمله هذا امام قضية جوهرية لاتزال تؤرق البشرية في الدول المتقدمة والعالم الأول، فما بالنا إذا بالعالم النامي والمطحون، إنها قضية “الصراع الطبقي” التي تفقد العالم أمنه وامانه، سلمه وسلامه.

يذهب “جوتييرث” إلى أن التزام الحياد، في مواجهه الصراع الطبقي غير ممكن، فالمسألة لا تطرح من زاوية قبول أو انكار واقع يفرض نفسه علينا، بل المطلوب هو معرفة الجهة التي تنحاز إليها الكنيسة: أهي جهة الظالم أم المظلوم؟ وحينما تتجاهل الاعتراف بوجود هذا الصراع، فانها تتصرف من الوجهة الموضوعية، بصفتها جزءاً من النظام الحاكم.

ذلك لان هذا النظام يسعى فعلا إلى الابقاء على الصراع في الوقت الذي ينكر وجوده، كما أن استمرار الصراع يؤمن للنظام استمرار الانقسامات الاجتماعية التي عليها تتركز الامتيازات التي تتمتع بها الطبقات المسيطرة في المجتمع والمستفيدة من هذا

الوضع. وهذا الموقف المتناقض الذى يظهر إعتداده بالمساواة أمام القانون، في حين “يبطن” سعيه للاحتفاظ بامتيازاته، يمكن تسميته “التوجه الطبقي السفسطائي”.

يؤكد أصحاب لاهوت التحرير على أن المؤسسة الدينية لا تستطيع وهي تعيش في المجتمع، أن تتجاهل الصراع الطبقى الحاضر، وهو لا يقف خارجها فقط، بل يخترقها من الداخل أيضاً.

.

لاهوت التحرير لغير الكاثوليك:

أحد أهم الاسئلة التي يمكن أن تواجه قارئ هذه السطور، هل هذا الكتاب وذلك التوجه فقط ينحو لجهة الكاثوليك خاصة أو المسيحيين عامة من دون بقية شعوب العالم المختلفين دينياً وإيمانياً؟

قبل وفاة البابا “يوحنا الثالث والعشرين” (1958 – 1963) بقليل، كانت هذه كلماته التي أملاها على الكارودينال “جيوجو يناني” في 24 مايو 1963 وفيها: “اليوم أكثر من أي وقت مضى، وبالتأكيد أكثر مما كنا عليه في القرون السابقة نحن مدعوون لخدمة الكائن البشري، وليس مجرد حقوق التابعين للكنيسه الكاثوليكية”… هل يدفعنا هذا الكلام لطرح السؤال الجوهري ثانية…” ما الذى يسعى إليه لاهوت التحرير؟”

دون تطويل ممل أو اختصار مخل يقف بنا الاب “جوتييرث أمام الهدف فلاهوت التحرير يسعى إلى التفكير في خبرة ومعنى الايمان المبنى على الوعد بهدم الظلم وتأسيس مجتمع جديد، وعلى هذا اللاهوت أن يتمحص من خلال ممارسه هذا الوعد والمشاركة الحية الفعالة في الصراع الذي تقوم به الطبقات المستغلة ضد ظالميهم، وعليه فان التحرير من كل اشكال الاستغلال وامكانية جعل الحياة أكثر انسانية وأكثر كرامه، وخلق الانسان الجديد لا يتحقق إلا من خلال هذا الصراع.

لاهوت في خدمة المظلومين:

يطرح الاب “جوتييرث” علامه استفهام أصلية وأصلية….. متى سيكون لدينا لاهوت تحرير فاعل وناجز واصيل بدوره؟ والجواب عنده، فقط عندما يتمكن المظلومون بأنفسهم من رفع صوتهم بحرية والتعبير عن أنفسهم بطريقه مباشرة وخلاقة في المجتمع وفي قلب شعب الله وعندما يقومون بانفسهم بالحديث عن الرجاء الذي يحملونه عندما يصبحون هم أنفسهم أبطال تحريرهم.

لكن إلى حين يتحقق ذلك فانه علينا أن نحض أنفسنا على المجهودات التي من شأنها تعميق وتعضيد هذه العملية، فان لم يجئ التفكير اللاهوتي في نشاط المسيحيين في العالم عن طريق التزامهم بالمحبة كاملاً وأكثر جذرية، وإن بطريقه ملموسة أكثر في أمريكا اللاتينية، فلن يؤدي ذلك بالكنيسه لان تكون في صف الطبقات الظلومة والشعوب المسيطر عليها بطريقة واضحة، وبدون تصنيفات، فلن يكون لهذا اللاهوت قيمة كبيرة، والأسوأ من ذلك، سيكون هذا اللاهوت ما إلا أداة لتبرير المعاني والمعايير الناقصة وغير الفعالة في فهم الانطلاق من الانجيل.

لاهوت لا يميل إلى العنف:

ينبغي علينا أن نشير إلى نقطة هامة، وهى أن توجه لاهوت التحرير لا يميل إلى تفعيل العنف ولا الارهاب كادوات للمقاومة، وهذا ما يميزه عن النظريات الايديولوجية السياسية الاخرى، انه يميل إلى “عمل الحق بالمحبة”، وينزع في طريق مقاومة الشر بالخير، وبحسب الأب “جون جبرائيل” مترجم الكتاب، فان لاهوت التحرير هو قراءة كلمه الله على ضوء الحاضر وعلى ضوء التاريخ اليومي للفقراء والمقهورين، وليس أن يكون مبرراً أدبياً وأخلاقياً لجماعة مناضلة تسعى لانتزاع الحكم من يدي طاغية.

لاهوت التحرير يبحث في خلاص الانسان وتحريره على كافة الاصعدة، ويرفض كل تفسير يدجن الايمان وسجنه في ممارسات تقوية بحتة أو في تفسيرات روحية محضة.

من أجل ذلك يكشف لاهوت التحرير أي تواطؤ بين الدين والنظم القمعية، ويقوم التفسيرات الكتابية، واللاهوتية التي تحول دون استخدام النص المقدس كوثيقة تبرير القهر والظلم والاحتلال كما الحال في فلسطين ولعل السؤال الذي يلتبس على الكثيرين: “هل الفكر اللاهوتي التحرري، قد صدرت ضده ادانات بعينها من قبل المؤسسة الكاثوليكية الفاتيكانية؟

الجواب، هذا لم يحدث ابداً، اذ لم تصدر أي وثيقة من الفاتيكان تدين هذا الفكر اللاهوتي، وما حدث هو أن أستجوبت الكنيسة بعض اللاهوتيين حول أحد أو بعض كتاباتهم، وأصدرت خطابا يفند الأفكار المغلوطة لكاتب بعينه في كتابه المحدد.

وفي العالم 1984 قام الكاردينال “جوزيف راتسنجر” (البابا بندكتوس السادس عشر لاحقاً) والذى كان يشغل وقتها منصب رئيس مجمع العقيدة والايمان “بكتابة وثيقة تعبر عن رأي الكنيسه الرسمي بشأن لاهوت التحرير، ولم ترد فيها أي إدانه، بل ما ورد فيها استنكار لبعض الأفكار المغلوطة وتأييد للفكر اللاهوتي الذي ينظر إلى الفقراء، وسعى إلى خلاصهم من منطلق انجيلي، وسعياً وراء رسالة السيد المسيح، كرسالة حرية وقوة من أجل التحرير.

هل من لاهوت تحرير عربي؟

هذا هو السؤال الذي ربما يهمنا بالدرجة الأولى في عالم الناطقين بالضاد، سيما وان آصدار كتاب لاهوت التحرير باللغة العربية ربما يكون كما يقول المترجم فاتحة خير لانتاج تأمل لاهوتي شرق أوسطي عربي جديد، يتخذ من واقعنا الجغرافى والسياسي والثقافي واللغوى إطاراً لتحريك المياه الراكدة في العقلية العربية.

وفي مقدمة الكتاب التي كتبها “الاب دوجلاس ماي” نجد أن هناك علامات على الطريق تخصنا في عالمنا العربي بنوع خاص، ويمكن أن تفيد في بناء الامة في حاضرات أيامناً.

غلاف الكتاب يحمل دلالات رمزية وشفره لا بد من فكها، فالصورة تحتوي على سماء مظلمة ملبدة بالغيوم جهة اليمين، بينما تخترق أشعة الشمس الغيوم جهة اليسار وتشطرها، مشكلة “قوس قزح”، وهو بمثابة وعد بارلجاء من الله بعد طوفان نوح، وفي مقدمة الصورة هناك سلك شائك يمثل عقبات القهر التي لا بد من أن تهزم.

الطبعة العربية التي نحن بصددها ومن خلال كلمات المقدمة، تحمل مضامين تقدمية إنسانية، تنقلنا من ضيق ضيق الدوجمائية إلى رحابة الابستمولوجيا، وهي لا تحمل دعوة تبشيرية بالمعني الضيق، ولا تهدف إلى التاثير السلبي فى إيمان شعوب العالم الاسلامي والعربي، كما يدعى البعض من اصحاب الذهنية الاحادية التقليدية، وبالقدر ذاته هي ليست صنواً لكتابات وكتب اليسار الماركسي، وإنما الامل كل الامل من الكتاب أن يعزز الفكر والعمل في عملية بناء الأمة في العالم العربي.

**************

*كاتب من مصر

شاهد أيضاً

الباحثة صفاء عبد السلام *تكتب :في مجتمعي فيلسوف

  في سبعينيات القرن الماضي قدم لنا المسرح المصري مسرحية “مدرسة المشاغبين” والتي تعرض ما ...