الرئيسية / أخبار ثقافيه / إميل أمين *يكتب :من ثقافة الحوار الى ثقافة السلام
اميل امين

إميل أمين *يكتب :من ثقافة الحوار الى ثقافة السلام

هل بات الحوار بين اتباع الاديان والثقافات والحضارات ضرورة حتمية ام رفاهية يمكن الاستغناء عنها ساعة نشاء سيما في منطقة الشرق الاوسط ؟

قبل الجواب يبقى هناك تساؤل اهم : ما هو البديل عن الحوار ؟ وهل الخصام والحروب والقلاقل والاضطرابات هي الحل والبديل الوحيد المتوافر امامنا ؟

لعله يلزمنا ان نوضح بادئ بدء ان منهج الحوار لم يعد ضرورة عالمية او شرق اوسطية فحسب بل بات ضرورة كونية ، ذلك ان منهج الحوار اضحى مطلبا انسانيا وحضاريا في عالم سقطت فيه الحواجز وتشابكت فيه المصالح وزادت احتياجات البشر لبعضهم البعض واصبح الشان الداخلي خارجيا بطريقة او باخرى والخارجي تحول ليؤثر على سير الحياة الداخلية وباتت فكرة الاستغناء عن الاخر غير ممكنة في عالم تشابكت فيه الخيوط وتداخلت الخطوط ، وعليه فانسان القرن الحادي والعشرين لا يجد امامه سوى منهج من اثنين ، فاما المنهج الحواري التفاهمي العقلاني الذي يتجنب الصدام ويحاول توسيع مساحات التفاهم بالتركيز على الايجابيات المتحققة واضاءة اوجه الشراكة النافعة بين الاديان والثقافات والحضارات وتقليص اوجه الخلافات والتعارض ، واما المنهج الثاني وهو التصادمي التحريضي الاتهامي العدائي المعتمد على توظيف الدين في الصراعات السياسية واحياء النزاعات التعصبية واستدعاء الورح العدائية

التاريخية وتصور الاخر على انه العدو المتامر ابدا ودوما وعليه تجب كراهيته وعداوته .

ولعله يحق لنا ان نتساءل : هل للحوار جذور فقهية اسلامية قرانية ؟

في حوار الذات الالهية مع ابليس كما وردت في سورة الاعراف ” الايات من 10 الى 24 ، وفي سورة الحجرات ” الايات من 15 الى 40 ” : يقول القران الكريم ” ولقد خلقنكم ثم صورنكم ثم قلنا للملئكة اسجدوا لادم فسجدوا لادم الا ابليس لم يكن من السجدين ، قال ما منعك الا تسجد اذ امرتك قال انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ، قال فاهبط منها فما يكون لك ان تتكبر فيها فاخرج انك من الصغيرين ، قال انظرني الى يوم يبعثنون، قال انك من المنظرين ، قال فيما اغويتني لاقعدن لهم صراطك المستقيم ، ثم لاتينهم من بين ايديهم ومن خلفهم وعن ايمنهم وعن شمائلهم ولا تجد اكثرهم شكرين ، قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لاملان جهنم منكم اجمعين “… هل من سند شرعي فقهي اكثر من تلك الايات وضوحا ونصاعة ؟

الجلي للبيان والواضح للعيان ان الحوار القراني السابق للعزة الالهية مع ابليس الرجيم يبرز حقائق ايمانية كالثواب والعقاب والخير والشر والايمان والكفر وما كان لهذا الحوار ان يقوم من دون وجود الاخر .. هل يمكننا القول اذن ان الحوار هو الجسر الاول المنشود للتحدي والتصدي للجدران العازلة للاخر ؟

على ان التساؤل الواجب التوقف امامه في العقد الاول من القرن الحادي والعشرين يتمثل في البحث عن الصورة السلبية التي يحملها كل طرف ضد الاخر وما هي اسبابها وكيف ينشا حوار صادق دافع للايجابيات ومقلص للسلبيات في قادمات الايام ؟

في هذا السياق يمكننا قطعا ان نشير الى ان ظلام الاصوليات الدينية التي ملات الساحات العالمية في النصف الاخير من القرن المنصرم وتجاوزت الاديان السماوية الى العقائد الوضعية قد اثرت بالسلب على مسيرة الحوار وبات الاخر متحفزا لمن عاداه وظهرت على السطح نظريات الصدام ومن ثم تقسيم العالم كما فعل هنتنجتون الى معسكرين اسلامي كونفوشيوسي في مقابل معسكر مسيحي يهودي اي ان الغرب في مواجهة حتمية مع الشرق ، وقاد هذا الفكر الى حروب ظلامية في افغانستان والعراق والى تجذير

الكراهية ونمو الراديكاليات من جديد وباتت الاشكالية الحقيقية تتلخص في طريقة فهم كل طرف لدين الاخر وثقافته تلك التي تتحكم فيها عوامل متعلقة بالتكوين النفسي والتكوين الثقافي والموروث المجتمعي ، وكل هذا يتطلب من كل طرف مراجعة تصوراته النمطية التاريخية عن الاخر باعادة النظر في المناهج التربوية والتعليمية واعادة قراءة وتحليل وتفكيك الخطابين الثقافي والديني ثم التاريخي والاعلامي من اجل تنقيتهم من بذور الغلو والكراهية .

وفي هذا الاطار بدا واضحا انه من واجبنا جميعا ان نسعى لتعليم ديني يحتضن الانسان لكونه انسانا لا لكونه مسلما او مسيحيا او يهوديا ، ويؤكد على حقوقه وكرامته ومصداقا لقوله تعالى ، “ولقد كرمنا بني ادم ” وكذلك العمل على ازالة الركام الثقيل من سوء الفهم واساءة الظن واوجه التشكيك والارتياب والتشوية لدى كل طرف تجاه الاخر ، وقد ساعد على تضخيم هذا الركام السيء اصحاب السياسات العدوانية والاهواء والمصالح من جانب وكذلك اصحاب المنهج التصادمي لدى كل دين من جانب اخر وعبر استغلال وسائل الاعلام والمنابر الدينية والثقافية والسياسية لترويج الصورة العدائية لكل طرف ضد الاخر من اجل اهداف سياسية وايديولوجية .

واذا كان هذه هو واقع حال الكرة الارضية والشرق الاوسط منها في القلب فهل نرفع الراية البيضاء ونستسلم للنظريات التي تسعى لتحقيق ذاتها بذاتها وحتى لو كانت من قبيل النبؤات الكاذبة وبذلك نضحى مفرطين في الامانة الادبية والمسؤولية الاخلاقية والروح الايمانية تجاه اوطاننا واجيالنا القادمة؟ ام نمضي في طريق الحوار مهما كلفنا من جهد جهيد لتعبيد العقول والافئدة للوصول الى ارضية مشتركة تخفف من اسباب التوتر وتعمل على ازالة ذلك الركام وتساعد على تفعيل القواسم المشتركة وازالة الجفوة والصورة السلبية بين ابناء المنطقة ؟.

الثابت ان ما يعرقل الحوار بين البشر هو ان كل واحد منهم يصر على ان يبدا الحوار مع الاخر من نقطة لا يمكن تحقيق مبدا الاشتراك فيها ، ففي حوار الحضارات يبدا الحوار من منطلق ديني وذلك استنادا الى كل حضارة انما تاسست على ارضية دين من

الاديان والناظر في الدين يجده عقائد وعبادات ومعاملات ثم نسقا من القيم .

واذا الحوار محمود في المعاملات الحياتية والشؤون الثقافية والاقتصادية عبر قنوات الحوار المختلفة ، فانه من لهو الحديث الكلام عن الجدالات العقائدية ، ذلك انها من المطلقات التي لا تقبل القسمة في حين تبقى الخيرات الارضية قابلة للتشارك بين البشر وكذلك اثر عن النبي عليه الصلاة والسلام انه نهى اصحابه عن الجدل في العقائد حين سمعهم يتجادلون ويتخلفون حول الجبر والاختيار فنهاهم عن ذلك قائلا : ” ما لهذا بعثت وما بهذا امرت “. وهذا النهي النبوي يدلنا على امرين غاية في الاهمية هما :

** ان العقائد لا تصلح موضوعات للحوار لا بين افراد العقيدة الواحدة ولا بين افراد عقيدة وعقيدة اخرى .

** ان لا حوار حول العقائد لا يجد ارضية مشتركة يقف عليها المتحاورون كما ان الحوار حول العقائد لا تنتهي خلافاته بحلول ومن ثم لا يبقى امام المتحاورين الا ان يستعلي كل واحد برايه بغير دليل او ان يصادر راي الاخر بعصبية تعمق الخلاف وترسخ الفجوة … فيما يمكن الحوار اذن ؟

تبقى المعاملات وما يظلها من نسق للقيم تقدم ارضية ثابتة مكينة لحوار مثمر يعمه الاتفاق ويقود الى الوفاق ، كذلك كانت المعاملات والقيم الاخلاقية جانبا مشتركا بين الاديان جميعا ، لا يختلف فيها دين عن دين او شريعة عن شريعة فالمعالانت والقيم بوابة مشتركة لحوار جامع تجد فيه النفس انها امام خطاب واحد تشعر معه بوحدة المصدر في الشرائع الاخلاقية فينأى بها هذا الشعور عن التردي في وهدة الخلاف او الجدل العقيم . فاولى مراحل الحوار المثمر بين الاديان او بين الحضارات المتدينة هو حوار الاخلاق والمعاملات الذي يقوم على استحضار وحدة المصدر في الشرائع الاخلاقية ويحقق كلمة سواء يلتقي عندها البشر جميعا من دون ان يستغرب الواحد منهم شيئا من اخيه ، ويكون الكل قد دخل من بوابة جامعة واستظل بمظلة عميقة لا

خلاف من تحتها ولا شقاق بل الكل في الكل في كنفها سواء ورفاق .

ولعل التساؤل الرئيس الذي يقوم عليه هذا المقال : هل من علاقة بين الحوار والاستقرار والتنمية والسلم؟

بالقطع نعم ، ذلك ان الحوار يعني المعرفة اذ يساعد عليها ويمهد الطريق للتنوير والذي هو جزء لا يتجزا من التقدم والمساعدة على نهضة الفكر والعالم هو من اهم الاساسات التي بنيت عليه الدول الكبرى والنهضة في اوربا ولا شك انها في البداية بنيت على النهضة العربية سواء كانت اسلامية او مسيحية .

“.

والشاهد ان السؤال الذي يطرح نفسه الان : اي اسهام تقدمه الديانات الى ثقافات العالم للتصدي للتاثيرات السلبية لظاهرة العولمة الاخذة بالانتشار سريعا ، وفيما كثيرون مستعدون للاشارة الى الخلافات بين الديانات والتي يمكن الكشف عنها بسهولة نجد انفسنا كمؤمنين امام تحدي الاعلان بوضوح عما لدينا من قواسم مشتركة .

والمقطوع به ان طريق الحوار ليس سخائا رخاءا على الدوام ولم يكن كذلك صفاءا ذلالا في كل مراحله التاريخية وقد تبدو في بعض الاحيان الخلافات التي نعالجها في الحوار الديني المشترك كحواجز ، ومع ذلك فهي لا تقتضي تعتيم المعنى المشترك للمخاوف الوقورة واحترام الطابع الجامع والمطلق ، والحقيقة التي تدفع بالدرجة الاولى المؤمنين الى اقامة علاقات الواحد مع الاخر . انه اقتناع مشترك بان الوقائع المتسامية تجد مصدرها في الكلي القدرة وتحمل بصمات الله الذي يمجده المؤمنون الواحد تجاه الاخر وامام المنظمات ومجتمعنا وعالمنا بهذه الطريقة لا تغني الثقافة فحسب بل وتصقلها ، حياة امانة دينية تردد صدى حضور الله القوي وتشكل ثقافة لا تعرف حدود الزمان والمكان اذ تغذيها اساسا المبادئ والاعمال المتاتية عن الايمان .

هل من بلورة ولو نسبية للاهداف التي يسعى الحوار بين اتباع الديانات والحضارات الى تحقيقها ؟ ربما تكون هذه بعضا منها :

** التعايش المشترك والسلمين بين جميع البشر .

** لا يتم هذا الا بتوضيح بعض الحقائق المهمة لكي يدرك كل شخص ان الاخر ايضا عنده الحق في ايمانه ولو كان جزئيا او يختلف عن الاخر .

** التعاون معا ضد الالحاد المعاصر وكافة المذاهب التي تجعل من الانسان سلعة معروضة للبيع والشراء .

** مواجهة النظريات والافكار التصادمية المنطلقة من ايديولوجيات علمانية متطرفة .

** عبادة الله وطاعته وخدمة الاوطان بحب ومودة .

** التعاون والتضامن لخدمة المجتمع في كافة احوال اليسر والعسر .

والمؤكد ان هناك كذلك كمعوقات وعقبات كؤود في طريق الحوار ونشير هنا الى ثلاثة منها وهي :

** مقومات تاريخية وسياسية نتجت عن صراعات وحروب بين طرفي الحوار، والاسلام والغرب لم تنته حتى وقت قريب مثل الحروب الصليبية وحرب ما سمى بالتطهير العرقي في جمهورية البوسنة والهرسك وكذلك موقف الغرب غير المنصف من القضية الفلسطينية .

** معوقات تاويلية عند بعض التياع الديانات تتمثل في عدم اعتراف احدهم بسماوية لااخر .

** معوقات فردية تتعلق بمدى احقية الشخص المشارك في الحوار في الحديث باسم دينه واعتبار نفسه ممثلا للقاعدة العريضة لهذا الدين او ذاك .

هل من خلاصة لما تقدم ؟

يمكننا القول ان ثقافة الحوار وثقافة السلام متلازمتان وربما وجب علينا ان نتعلم نحن اهل الشرق الاوسط والمنطقة العربية من الغرب خاصة بعد الحرب العالمية الثانية ، الاهتمام بقضيةالسلام وان الحوار ما هو الا وسيلة للوصول الى هذا الهدف الاسمى في المجتمع والذي نسميه بالتعايش السلمي ذلك انه اذا وجد السلام بين الاديان فلا شك سيحل بين الانسان واخيه الانسان .

***************

*كاتب ومفكر -مصر

شاهد أيضاً

الباحثة صفاء عبد السلام *تكتب :في مجتمعي فيلسوف

  في سبعينيات القرن الماضي قدم لنا المسرح المصري مسرحية “مدرسة المشاغبين” والتي تعرض ما ...