الرئيسية / أخبار ثقافيه / محمد ناجي المنشاوي*يكتب :الاستفراق: آمال وتحديات

محمد ناجي المنشاوي*يكتب :الاستفراق: آمال وتحديات


حين جاء بياني الدعوي المتواضع بتأسيس ما نصطلح عليه (الاستفراق في كتابي ( الاستفراق .. دعوة إلى التأسيس) كنت – فقط – أطمح إلى إلقاء حجر في المياه الراكدة في هذا المجال الواسع، إلا أن نفراً من المثقفين المصريين ذوي الرأي المحترم قد أثاروا جدلاً – مشكورين – حول المصطلح وقد ذهبوا إلى سؤال مهم وهو كيف يستفرق من هو في الأصل أفريقي؟ فمن يستفرق ينبغي له ألا يكون في أفريقيا. وأظن أنهم ذهبوا إلى ذلك قياساً على من يستشرق ويعمل في حقل الاستشراق إنما هو ليس شرقياً وأن للاستشراق علماءه ومناهجه وتاريخه: وكل ذلك مستقر في البحث العلمي.
والواقع – كما أعتقد – أن هناك التباساً لغوياً أولاً، يزول حينما نفرق بين أربع صيغ صرفية عربية وهي (افتعل) و(تفعَّل) و(تفعلل) و(استفعل) لتعرف على مدلولها بإلحاق الزوائد على النحو الآتي:
⦁ صيغة (افتعل) تأتي بإلحاق الهمزة والتاء على أصل الفعل لتعطي عدة معان منها المطاوعة والاجتهاد في تحصيل الفعل والتشارك والاتخاذ والإظهار والمبالغة في الفعل والذي يعنينا هنا (مدلول: (الاتخاذ): كقولك اشتويت اللحم، وامتطيت الدابة، أي اتخذت اللحم شواء والدابة مطية ويقاس عليها كلمة (استفرقت) أي اتخذت أفريقيا جنساً لي وأنا من قارة أخرى كآسيا أو أوروبا.
⦁ صيغة (تفعَّل) والتي تعطي عدة معانٍ منها الاتخاذ أيضاً مثل (تردًّى الثوب) و(توسَّد الحجر) أي جعل الثوب رداءً والحجر وسادة، ويقاس عليها (تفرَّق) أي اتخذ أفريقيا جنساً له وهو ليس أفريقياً.
⦁ صيغة (تفعلل) مثل: تجمهر وتمخطر فهي دالة على المبالغة متى جاءت على هذه الصيغة فتعني المبالغة في تجمع الجماهير والمبالغة في التمخطر وقياساً على ذلك فمن (تأفرق) تعطي مدلول المبالغة في نسب الأفريقي إلى قارته والاعتزاز بها.
⦁ صيغة (استفعل) وقد اشتهرت في معان ثمانٍ فيها (السؤال والطلب حقيقة) نحو: استخرجت الفضة من المعدن، واسترقع الثوب واسترمّ الحائط.
⦁ فاستخرجت فضة من المعدن أي بمزاولة إخراجها والاجتهاد في تحريكها.
⦁ واسترقع الثوب أي حان له أن يرقع فكأنه طلب ذلك.
⦁ واسترمً الحائط أي دعا إلى إصلاح لبعد عهده بالطين فحان له أن يُرمَّ فباستقراء المدلولات الثلاثة السابقة لصيغة (استفعل) بمعنى السؤال والطلب نجد أنها الصيغة التي استقر عليها قناعة الباحث والتي تقاس عليها بصيغة (استفرق) والتي تعطي الدلالات الآتية:
⦁ طلب استخراج ما في أفريقيا من ثقافات مختلفة والاجتهاد في تفعيلها.
⦁ حاجة القارة إلى إعادة اكتشاف ثقافي واسع عميق لبعد عهدها بالاستعمار الذي طمس ثقافتها أو قام باستبدال ثقافة الإمبريالية بثقافة أفريقيا الأصيلة.
⦁ أن ثقافة القارة الأفريقية قد بلغت من العزل والتغييب والتعتيم والتشويه والاستئصال ما يثير قلق الأفارقة نحو مستقبلهم في ظل أساليب الاستعمار الجديدة وكأن لسان حال أفريقيا ينادي أبناءها بالإسراع إلى إنقاذ ثقافاتها التي تعد أهم خطوط التماس بين دول القارة وأعظم نقاط التلاقي وأخطر منطلق ينطلق منه أبناء القارة للتقارب والتوحد.
⦁ ومن ثم يكون من الأمور البدهية لأبناء أفريقيا أن يستفرقوا ولكن بتوجهاتهم ومقاصدهم ومناهجهم لا بتوجهات ومقاصد ولا مناهج من هو ليس بأفريقي وشتان بين هؤلاء وأولئك.
⦁ ولا ينبغي أن تُلبس (الاستفراق) لباس (الاستشراق) فربما يتشابه المصطلحان أو يتلامسان في جانب ولكنهما يختلفان في جوانب أخرى يقول الدكتور حسين نصار [الاستشراق كلمة غريبة يمكن أن تعطينا مثالاً جلياً للكلمات التي يخضعها اللغويون والنقاد لدراسات عدة ويستخدمها الأدباء في مدلولات متغايرة هي عربية لا شك فيها، فهي مأخوذة من أصل عربي خالص هو [ش. ر. ق] ومصوغه على وزن عربي خالص هو الاستفعال ولكنني لا أذكر أني اطلعت عليها فيما قرأت من التراث… ويضيف د، نصار والكلمة تعني تسليط الأضواء على حضارة الشرق وإمعان النظر فيها والاهتمام بفحصها ودراستها ورصد ظواهرها واستكشاف خباياها وتتبع نظرياتها وتعليل كل ما يطرأ عليها وهذا هو المعنى المعلن من الكلمة … ويمتد الشرق في الاصطلاح الأوروبي من الساحل الشرقي لحوض البحر المتوسط إلى المحيط الهادي مضافاً إليه القسم العربي من أفريقية ويحتوي على مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب الأقصى على الرغم من أن هذا الشرق يواجه أوروبا كلها ويشغل من خطوط الطول ما يشغله ولا يضم هذا الشرق حضارة واحدة فهو مهد الحضارات القديمة: المصرية والسامية [والعربية إحداها] والفارسية والهندية والصينية.. إلخ … ومن ثم فالمعنى الدقيق لكلمة الاستشراق الاهتمام بكل الحضارات التي بزغت في الشرق وليست الحضارة العربية وحدها كما يشيع ولذلك استخدم بعض العلماء كلمة (الاستعراب) للدلالة على العناية بالحضارة العربية وحدها ولكن لم تشع شيوع نظيرتها]. ويقول الدكتور عمر فروخ [إن حركة الاستشراق قد انطلقت بباعث ديني، فإن أول المهتمين بدراسة العربية كانوا الرهبان الذين أرادوا أن يعينوا أقوامهم على الشعوب العربية وعلى الشعوب المسلمة بفهم اللغة العربية والثقافة الإسلامية… ويضيف د/ عمر فروخ، عدَّ (نجيب العقيقي) في كتابه الشامل [ المستشرقون] [في طبعة عام 1965 م ص 1380 وما بعدها] أكثر من ألفي مستشرق .. ولقد كان من أولئك الذين أصر نجيب العقيقي على عدهم في المستشرقين، نفر منهم:
عبد الكريم جرمانوس الهنغاري .. وعلى محمدوف ثم عثمانوف، وليون الأفريقي واسم الحقيقي (الحسن الوازن التونسي ) وكامل الصباح ومحمد عياد الطنطاوي وهؤلاء كلهم (مسلمون) وثلاثة منهم (عرب) .. وكذلك عدَّ نجيب العقيقي في المستشرقين : نفراً من نصارى العرب المعاصرين لنا أو السابقين على عصرنا من هؤلاء جميعاً : يوسف السمعاني (ت 1768م) وميخائيل الغزيري (ت 1791م) … ورزق الله حسون (ت1880م) وإلياس بقطر وحبيب الزيات، وفيليب حتىّ، وشارل مالك. ويقول الدكتور عمر فروخ وبعد النظر في كتاب (المستشرقون) رأيت أن نجيب العقيقي قد عدّ كل شخص ألقى دروساً في مؤسسة غير عربية مستشرقاً] ومن هؤلاء الشرقيين الذي دخلوا ساحة (الاستشراق) السيد نبيه بن عبد القدوس الأنصاري الذي قام بدراسة رحلة ابن جبير كما يقول الأستاذ/ محمد بن عبد العزيز الدباغ والتي [عمل المستشرقون وليام رايت على نشرها وتحقيقها .. ولا ننسى هذا المجهود الذي بذله الأستاذ عبد القدوس الأنصاري في التعليق عليها وفي ترتيبها وإظهار ملامح جمالها ونقد بعض ما يوجد فيها إذا كان يحتاج إلى نقد أو تعليق] .
ومن ثم نرى أن منطلق الاستشراق يختلف تماماً عن منطلق الاستفراق فالأول باعثه ديني تبشيري استعماري هيمني تلعب فيها الأهواء ما تلعب رغم مالها من بعض الجوانب الإيجابية إلا أن معظمه أذى وضرر بالغ على المجتمع العربي والإسلامي، كما أن الاستشراق يمتد ليشمل قطاعات عريضة وحضارات مختلفة موزعة على أفريقيا وآسيا بينما الاستفراق يتوجه فقط إلى القارة الأفريقية وعلى الوجه التحديد (أفريقيا جنوب الصحراء) وبصفة خاصة (دول حوض النيل) التي تقصدها مصر باعتبارها عمقاً استراتيجياً نوعياً لها وتهدف مصر من خلال (الاستفراق) محو القطيعة المعرفية والثقافية بينها وبين تلك المساحة من القارة الأفريقية بدراسة ما بها من حضارات متنوعة ولغات ولهجات وثقافات وميول واعتقادات وديانات وعادات وتقاليد وذلك بالبحث والتنقيب ورصد ما بها من ظواهر واستكشاف ما هو غائب عنا مع تتبع تطور كل ذلك وذلك بهدف واحد محدد هو التواصل الحميم مع دول هذه المساحة الأفريقية عن طريق القوة الناعمة المصرية، وذلك لأن القطيعة والتباعد لها عواقب شديدة الخطورة على مصالح مصر القومية إذ تخلى المجال لقوى تتربص بنا سوءاً وتخطط لحصارنا وعزلنا ومن ثم نرى المدى واسعاً بين (الاستشراق) و(الاستفراق) من حيث مقاصد وأهداف وغايات كل منهما، أما من ناحية أن المستشرق هو الأوروبي المسيحي او غير العربي الذي يدرس حضارات الشرق فكيف لنا أن نستفرق ونحن أفارقة؟! فقد رأينا من هو عربي مسلم أو عربي مسيحي ويعد من المستشرقين كما وجدنا ذلك في أسماء العلماء العرب المسلمين أو المسيحيين الذين ذكرهم (نجيب العقيقي) في كتابه (المستشرقون) آنفاً قد قلنا أن الاعتبار بالمقصد والغاية في ذلك الأمر ، وأنوه إلى ما قاله العلامة جمال حمدان بأن (مصر اليوم : إما في القوة أو الانقراض ، وإما القوة وإما الموت إن لم تحقق مصر محاولة قوة عظمى تسود المنطقة بأثرها، فسوف يتداعى عليها الجميع يوماً ما. (كالقصعة!) أعداء وأشقاء وأصدقاء، أقربين وبعيدين “وأبعدين!” زنوج أفريقيا سيكونون أول أبناء آوى، ولكنهم سيدعون زنوج النيل لينوبوا عنهم ويقفون هم يتفرجون في حياد كاذب في انتظار العزاء بعد الوفاة (الحبشة + السودان + أعالي النيل، قد يحاربون مصر يوماً ما عسكرياً! ثم إسرائيل + عرب البترول + تركيا + إيران … إلخ] ويضيف جمال حمدان [لأول مرة ظهر لمصر منافسون ومطالبون ومدعون هيدرولوجيا : كانت مصر سيدة النيل بل مالكة النيل الوحيدة – الآن فقط انتهى هذا إلى الأبد وأصبحت شريكة محسودة ومحاسبة ورصيدها المائي محدود وثابت وغير قابل للزيادة إن لم يكن للنقص والمستقبل أسود، ولت أيام الغرق وبدأت أيام الشَّرَق وعرفت الجفاف لا كخطر راجع ولكن دائم (الجفاف المستديم) بعد الري المستديم)]،، ولقد غابت الدائرة الأفريقية، وخاصة بعدها الجنوبي (ما وراء الصحراء) وهو البعد الأكثر أهمية لمصر وبات ممثل لنا هماً بالليل وديناً بالنهار ولهذا يأتي الاستفراق يأخذ من هذا البعد إطاراً معرفياً شاملاً يقف في قلبه ويغوص في عمقه بالبحث والدراسة والتحليل والاستنتاج ووضع ذلك كله بهدف التواصل الإنساني والحضاري مع شعوبنا الأفريقية الشقيقة ومن ناحية أخرى تكون تحت أعين صانعي القرار في مصر لتوظيفها التوظيف الفعال لخدمة مصالحنا الوطنية الحاضرة ومصالحنا الاستراتيجية بعيدة المدى ولقد غابت الدائرة الأفريقية، وخاصة بعدها الجنوبي (ما وراء الصحراء) وهو البعد الأكثر أهمية لمصر وبات يمثل لنا همّاً بالليل ودينا بالنهار، ولهذا ولا ينبغي لنا أن نقف عند خلافات حول مصطلح ما بل الأهم هو النهوض سريعاً لتحقيق مقاصدنا المصرية القومية قبل أن تتحقق نبوءات العلامة جمال حمدان وعلينا أن نكون في ضوء الظروف الراهنة قد وعينا الدرس بقوة، فلننهض جميعاً كمستفرقين نحو (الاستفراق) بهمة عالية وواجب وطني حتمي.

مصادر المقال
* تهذيب التوضيح (قسم الصرف)، أحمد مصطفى المراغي ومحمد علي سالم (مكتبة الآداب) ، القاهرة.
* المنهل، مجلة للآداب والعلوم والثقافة ، العدد السنوي 471 المجلد 50 إبريل ومايو 1989 – جدة.
* د. جمال حمدان صفحات من أوراق الخاصة، إعداد وتقدم: د/ عبد الحميد صالح حمدان، كتاب الغد العربي.
* الاستفراق.. دعوى إلى التأسيس ، محمد ناجي المنشاوي – مؤسسة المعبر للثقافة والإعلام والدراسات – القاهرة.

 

****************

*باحث في الثقافة الأفريقية\مصر

شاهد أيضاً

الباحثة صفاء عبد السلام *تكتب :في مجتمعي فيلسوف

  في سبعينيات القرن الماضي قدم لنا المسرح المصري مسرحية “مدرسة المشاغبين” والتي تعرض ما ...