الرئيسية / أخبار ثقافيه / هشام أصلان * يرثي الكاتب أحمد خالد توفيق

هشام أصلان * يرثي الكاتب أحمد خالد توفيق

1

بالأمس تألق الحزن. وجد لنفسه، في غمضة عين، مساحة هائلة الاتساع. سرى بانسيابية مُدهشة، ومن دون مقاومة، بعدما أراح الكاتب المصري أحمد خالد توفيق رأسه لآخر مرة وهو في الخامسة والخمسين. في لحظة أدار الرأي العام ظهره لزخم الأحداث. وتوقف الزمن صامتًا. فأمام ما نعيش من كذب، مات كاتب صدّقه الآلاف. تلقّ غير مسبوق لحدث يخصّ الحياة الأدبية المصرية.
بعض من دوائر المثقفين لم يسعفهم التأمل لينظروا إلى مشهد الوداع المدهش. سارعوا بممارسة هوايتهم في التناحر حول أهمية الحدث وتقييمه. وكأن هذه الأعداد الهائلة من القراء والمحبين ليست كافية كي نصمت قليلًا عن التنظير، ونحاول فهم ما يحدث.
وأنت كقارئ، خصوصًا إذا كنت نخبويًا، ستحاول ألا تكون على علاقة بهذه المهاترات. عليك أن تنفض عن نظرك أفكارًا بتنا نرددها حفظًا وليس فهمًا. على رأسها معادلة أن الكاتب الرائج هو بالضرورة كاتب سطحي و”خفيف”. اترك لنا أمراضنا وخيباتنا واستمتع بما تحب.
اختزال أحمد خالد توفيق في كونه أحد أدباء الأفضل مبيعًا اختزال مُخلّ وظالم. الرجل الذي اسودت لرحيله الصفحات ووجوه آلاف الشباب لم يصحُ من نومه برواية ذائعة الصيت. الأمر يرجع لسنوات طويلة مضت، وعلاقة ممتدة مع أعداد مذهلة من القراء. سنوات طويلة حقق عبرها، في مجال الكتابة للصبية والمراهقين، ما لم يحققه غيره رغم وجود كتاب مهمّين في هذا النوع الأدبي. هذا كاتب لديه في كل بيت مصري صاحب.

2

كان مراهقو الثمانينيات حتى منتصف التسعينيات قد تعرفوا على روايات الجيب مع كتابات محمود سالم وراثة من أجيال أسبق، قبل أن تتوطد علاقتهم مع أدب المغامرات بظهور نبيل فاروق صاحب سلسلة “رجل المستحيل”، وبطله رجل المخابرات الذي أتى بمواصفات “جيمس بوند” مع أخلاقيات شرقية إسلامية. صوّر لنا فاروق رجل أمن مصري ليس له نظير في العالم ولا التاريخ. في روايات نبيل فاروق لم تنهزم مصر في معركة مخابراتية! ولم يفهم أحدنا منطقًا في هذه المسألة.
بعد سنوات قليلة ستظهر سلسلة “ما وراء الطبيعة” لمؤلفها أحمد خالد توفيق. البطل ليس قويًا ولا يتّسم بأقل درجات الوسامة. ذهب طبيب أمراض الدم، العجوز والمصاب بأمراض الصدر، إلى قلوب القراء المراهقين كما لم تذهب شخصية روائية عربية على الإطلاق. صرنا ننتظر مغامراته مع الأشباح وظواهر ما وراء الطبيعة رواية بعد أخرى.
في البداية، اتكأ على حكايات الرعب المستوحاة من الموروث الشعبي والريفي المصري. من هنا لم يتعامل القارئ الصغير مع القصص بوصفها خرافية. نحن أجيال كبرت على حكايات الجدّات عن “النداهة”، و”حسناء المقبرة” و”القرين” وغيرها. بعد عدد من الروايات، سيبدأ رفعت إسماعيل مغامراته داخل ثقافات أخرى، ويسافر معه القارئ إلى بلدان يخشى أهلها من “د. لوسيفر”، أو الوحش النائم في بحيرة “لوخ نس”، مرورًا بـ”رأس ميدوسا” و”الزومبي” وحفلات السحرة في نيويورك.
وكما من الظلم اختزاله في كونه كاتبا رائجا، من الظلم أيضًا وضعه في منطقة “كاتب قصص الرعب”. أنت أمام رحلات مكانية وزمانية ألمّ كاتبها بثقافاتها ونقلها للمراهقين ببساطة وتشويق ساحر، وعدد من الشخصيات الثابتة المرسومة بمهارة مدهشة والمتقاطعة بشبكة محبوكة من العلاقات الإنسانية، وبطل قوامه السخرية الرفيعة من نفسه ومن العالم. برع توفيق في جعل بطله بشرا من لحم ودم إلى حد جعله يردّ على رسائل قراء تعاملوا مع وجوده كحقيقة.
كبر مراهقو التسعينيات، وأدرك الروائي أن المراهقين الجدد جاءوا بوعي جديد، وأن تلك حكايات لن تناسب أجيال “فيسبوك”. وفي 2014، أنهى حياة بطله بمرضه المزمن، بينما راح القراء يرسلون للكاتب رسائل العزاء!

3

في بدايات الألفية، خطا توفيق خطوة جدالية في مشوار الكتابة بـ”يوتوبيا”، روايته الأولى لغير المراهقين. وجدت نجاحًا جماهيريًا كبيرًا وتُرجمت إلى عدة لغات، غير أنها كانت بداية الجدلية المعروفة داخل الحياة الثقافية، والمستمرة حتى اللحظة، حول ما إذا كانت تلك الكتابة تحمل للمتلقي أسئلة الفن والإنسانية وجماليات الأدب الكبير، أم أنها رواية خفيفة تغازل القارئ العام. مع ذلك اكتسب الكاتب مساحة جديدة كبيرة داخل دوائر القراءة وإن كان مُختلفا على عُمقها في الحقل الأدبي والعربي. تلتها روايات: “السنجة”، “في ممر الفئران”، و”شآبيب”. على أي حال، صار أحمد خالد توفيق، لسبب أو لآخر، أبًا روحيًا لنوع من أنواع الكتابة بدأ بانتشار “المدونات” وصولًا إلى عدد كبير من الكتاب الشباب البعيدين، بصراحة، عن حلقة النقاش الثقافي في مصر.

4

الوداع كبير. والصفحات لا تسع دموع المريدين. لكن كاتبهم لم يرحل من دون منحهم أسطورة أخيرة مدهشة.
كان قد نهض من إحدى وعكاته الصحية منذ سنوات، وكتب يحكي: “اليوم، كان من الوارد جدًا أن يكون موعد دفنى هو الأحد 3 إبريل بعد صلاة الظهر. إذن كان هذا هو الموت، بدا لى بسيطًا ومختصرًا وسريعًا، بهذه البساطة أنت هنا، أنت لم تعد هنا”. هكذا رحل بأسطورة أخيرة ستعيش طالما عاشت سيرته وأساطيره الروائية. أسطورة تنبئه بموعد دفنه: 3 أبريل بعد صلاة الظهر!
لم يبتعد أحمد خالد توفيق عن مدينة طنطا إلا مسافرًا أو في زيارة. كان سهلًا أن يتحول إلى كاتب أقاليم يشكو اضطهاد العاصمة وسطوة مقاهيها ونُقّادها. غير أنه لم يعتنِ يومًا بغير قارئه مُستغنيًا به عن كل أشكال السُلطة، الرسمية وغيرها، فوجد مكانه مرتاحًا في الذاكرة الجمعية لمرحلة زمنية فارقة في التاريخ المصري.
الوداع المهول لم يكن لجسد كاتب. لكنه كان وداع صبية الأمس لسنواتهم الجميلة، بعدما صدقوا أخيرًا أنهم كبروا، وأن مواجهة الواقع المؤسف مُنكسرين هي قصتهم الجديدة.

********************

*كاتب من مصر

شاهد أيضاً

إميل أمين*يكتب :لاهوت التحرير.. الحوار يحرر الانسان

  هل يمكن أن يكون للدين قوة تحرر الانسان بدلاً من أن يحاول البعض استخدامه ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *