الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.محمد شوقي الزين*يكتب :حول صورة المثقف عند فارح مسرحي

د.محمد شوقي الزين*يكتب :حول صورة المثقف عند فارح مسرحي

صورة المثقف
تأمُّلات فارح مسرحي حول هويته ومهامه

                                        ——–

فارح مسرحي، المهام الجديدة للمثقف في السياقات العربية الإسلامية،

إصدارات الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية، ط1، 2018، 86 صفحة.

مثل العديد من كتبه الهادفة، ينخرط «المهام الجديدة للمثقف» في الذهاب إلى صميم المعضلة بالأفكار البسيطة والواضحة، دون لف أو دوران. إنها ميزة الكتابة التي ارتضاها فارح مسرحي سياسةً في الفكر. فهو يفي بقناعته في انتظار المثقف التخصصي الذي يكتب أقل ويُفكّر أكثر؛ يترك المشاريع الضخمة ويلتفت إلى التجارب الحيَّة. إنها قوَّة الكتابة عند فارح مسرحي، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى بعض الهفوات في التقدير التي سنأتي عليها في ختام القراءة.
1. صورة المثقف: الملامح المبدئية
لنقل من أوَّل وهلة أن صورة المثقف هي نسخٌ لما هو موجود في الأقاليم الفكرية الأخرى، أي مرجعية مستعارة، خصوصاً عن التجربة الفرنسية التي عرفت محطات في ميلاد المثقف، من الثورة الفرنسية ذات القيم العالمية إلى ثورة ماي 1968 ذات الأبعاد اليسارية، يتوسَّط الثورتين حادثة دريفوس التي هي «شهادة الميلاد» الحقيقية للمثقف. مثلما كانت الثورة الفرنسية نزوعاً نحو «العالمية» ونحو «تعميم» قيم الأنوار وحقوق الإنسان، جاءت ثورة ماي 1968 كذلك نزوعاً نحو «تعميم» صورة المثقف التي تلقفتها الديار العربية الإسلامية. التجربة الفرنسية هي إذن «خصوصية» تعمَّمت في الزمان وفي المكان بالشيوع في الأقاليم الجغرافية المتنوعة.
آثر الأستاذ مسرحي جعل العالمين، العربي والغربي، في تقابل مرآوي، يرى وجه المسألة في الغرب، ثم وجه الانتقال أو الارتحال عند العرب. لأجل ذلك، وفي مقدّمة الكتاب، قدَّم فرضتين للبحث: 1-الفرضية الأولى هي «فحص وتأمُّل اللحظة الراهنة من تاريخ المجتمعات العربية الإسلامية» التي يعتبرها وبعد زلزال الانتفاضات الشعبية الأخيرة «لحظة حرجة وخطيرة جداً» (ص6) تستدعي وعياً ومسؤوليةً من لدن المثقفين من أجل «افتتاح مسارات بحثية عديدة لمناقشة الإشكاليات المطروحة بكل موضوعية وبكل حزم» (ص7)، والغرض هو الولوج في البنيات العميقة للأوضاع الخطيرة الراهنة ومحاولة فهمها والوقوف على وجه الإشكال فيها؛ 2-الفرضية الثانية وهي «زحزحة دور النخبة المثقفة في مجتمعاتنا عن تلك الأدوار الكلاسيكية التي مارسها العديد من مثقفينا» ويقصد المشاريع الفكرية والنظرية الضخمة (الجابري ونقد العقل العربي، أركون ونقد العقل الإسلامي، حسن حنفي والتراث والتجديد، الطيب تيزيني والتراث والثورة…) الفاقدة للنتائج الملموسة، نحو «تغيير في الاستراتيجية التي يتبعها التحوُّل من الاشتغال على المشروع الكلي إلى البحث في المشاريع القطاعية» (ص8).
الهدف واضح: الانتقال من ضخامة المشاريع إلى بساطة التجارب الحيَّة، لكنها غامضة وملتبسة، تقتضي الرؤية العميقة والغائرة، من طبيعة نقدية وفينومينولوجية، تستهدف «الأشياء ذاتها» في هذه التجارب. التعويل على القراءة النقدية معناه هجر «الصخب الأيديولوجي» كما يُسميه الأستاذ مسرحي، والذي يتميَّز بالتعتيم والتشويه، ويحول الرؤية النقدية دون بلوغ جوهر الأشياء المراد تعرية رواسبها في المعيش اليومي. الأيديولوجيات هي تغليفات وضبابيات، والرهان هو نزع الأغلفة وتبديد الضباب من أجل رؤية واضحة وناضجة.
يعترف الأستاذ مسرحي بأن المهمة شاقة ومحفوفة بالمخاطر، لأن الذهنية في السياق العربي الإسلامي تعوَّدت على التمترس وراء الأحكام المسبقة والسهلة، وعلى وضع الخانات والتصنيفات على مستوى الانتماء الفكري (هذا علماني، وذاك إسلامي) وعلى صعيد التعبير اللغوي (المفرنس والمعرَّب). على النقيض من ذلك، الأغلبية الصامتة من المثقفين، تبقى منعزلة في أرخبيل متباعد، إما قسراً بالإقصاء والسجن لمن هم أكثر نضالاً وانخراطاً في القضايا العامة، وإما طواعيةً باختيار المنفى ومغادرة الأوطان. يُحدّد الأستاذ مسرحي إشكالية البحث في رصد «العوائق التي حالت دون تجسيد أهداف مثقفينا من أصحاب المشاريع والأنساق الفكرية، ثم البحث والاستقصاء في الأدوار الجديدة للمثقفين، التي يمكنها أن تكون سبيلاً إلى تجاوز الأزمة الغائرة التي تعانيها مجتمعاتنا في ظل الأوضاع الراهنة» (ص9).
مجموع الأسئلة التي تلي هذه الإشكالية تصبُّ كلها في النظر في أسباب فشل المثقف بعد أزيد من نصف قرن، بأن أصبح منعزلاً أو معزولاً، هامشياً أو مهمَّشاً، بلا صوت أو صيت؛ وأيضاً سُبُل إعادة ربط المثقف بالواقع الحي والاضطلاع بمهام جديدة أو متجدّدة. الصورة التي تنبري من المثقف، وكما يراها الأستاذ مسرحي، هي «الوساطة»، أن يكون «وسيطاً» في الزمان بين الماضي باستجلائه والحاضر بنقده، وفي المكان بين السلطة والجماهير بإيجاد نقطة معتدلة، أو «مسك العصا من الوسط»، لا هو قريب ولا هو بعيد، لا هو قادح ولا هو متواطئ. الوساطة المذكورة هي مهمَّة الفعل الاجتماعي، أن يكون المثقف «فاعلاً اجتماعياً» (ص13)، بما يتيح له الانخراط دون التماهي، والإجراء أو الأداء دون التعطُّل.
2. المثقف: قصَّة النسخ والسمة
في طريقه نحو تحديد المهام الجديدة للمثقف، يقف الأستاذ مسرحي على مسألة شائكة وهي السياق الذي يشتغل فيه: سياق معقَّد وملتبس، وفي الحالات القصوى، سياق متفجّر ومنهار، ويُقدّم في ذلك مثال الانتفاضات الشعبية في البلاد العربية التي انطلقت سلمية وعفوية وانتهت بأن تحوَّلت إلى حروب أهلية وتدخُّلات دولية بحثاً عن موقع استراتيجي في ضمان المصالح الجيواستراتيجية. ما يلاحظه الأستاذ مسرحي، على خطى العديد من المفكرين العرب المعاصرين، هو طغيان «التحديث المادي» على حساب «الحداثة الفكرية». تزيَّنت الحضارة بمظاهر جميلة، لكنها لا تزال الذهنيات في طبعة ماضية، بل وماضوية في معناها المبتذل بالسكن خارج التاريخ والعيش وفق نماذج بالية.
التحديث هو «قشرة» لم يصل بعدُ إلى «لُب» الحداثة، ولأن الوصول إلى هذا اللب تعترضه «عوائق» برَّانية في شكل تدخُّل أجنبي في رسم الخارطة الجغرافية والجيواستراتيجية للبلدان العربية الإسلامية، و«معوّقات» داخلية هي العجز المزمن عن النهوض، علاوة على مثبّطات هذا النهوض في شكل كسل واستبداد والتضييق على الحريات والمبادرات، مما أفقد الثقة بين الحاكم والمحكوم، فازداد الشرخ، وتعمَّقت الهوَّة. كانت نتيجة ذلك انتفاضات مفاجئة وعفوية سرعان ما سُرقت بالزجّ بها في العنف والإرهاب. شهدت المنطقة العربية ما تسنَّى لي تسميته «التفكيكات الكبرى» التي طالت البنيات التحتية وأشكال التفكير العريق، فصار الميدان مفتوحاً على كل الاحتمالات: ما لم يُعمَّر بالإيجابي من المشاريع التنموية والتربوية والديمقراطية، قد يُعمَّر بالسلبي من الارتماء في أحضان التطرُّف والمشاريع الطوباوية البالية، فقط لأن «الطبيعة تكره الفراغ» كما قيل قديماً.
يأمل الأستاذ مسرحي بأن يبادر المثقف بسدّ الفراغ بالحاجيات الروحية للحداثة مثلما يتمُّ سدّ الفراغ بالحاجيات المادية للتحديث، مع أن التحديث لم يرتقِ إلى القيم السامية في التنمية والعدالة والخير الأمثل. يبقى المشكل في تحديد هوية المثقف الذي نتحدَّث عنه: هل هو شخص؟ هل هو مؤسسة في شكل جمعيات المجتمع المدني؟ هل هو الموسوعي المطنب في التفاصيل المعرفية؟ هل هو المتخصّص في الحقول العلمية؟ يبدو أن الأستاذ مسرحي يأخذ من كل مشربٍ مذهباً ويميل إلى اعتبار المثقف، في الوقت نفسه الشخص المتعيّن والمجتمع المدني بمؤسساته وجمعياته، ويأخذ بالمشتغل في حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية والمتخصص في العلوم الدقيقة والتكنولوجية. لكنه يستبعد من هذه الهوية، الفردية أو الجماعية، الصورة الموسوعية التي ضلعت في الماضي ولم يعُد لها مكان في أزمنة التخصص والخبرة المحلية.
المثقف هو قبل كل شيء هوية تاريخية، لها نشأة وتطوُّر، وأيضاً اكتمال وأفول. يكتنف هذه الهوية نوعاً من الغموض يجعل التعريف الدقيق للمثقف مستحيلاً. بغياب التعريف الدقيق، هناك التحديد المؤقَّت الذي يُلخصه الأستاذ مسرحي في هذه العبارة: «يكون معنى كلمة مثقف (intellectuel) في اللغة الفرنسية هو: الصفة التي تُضاف للشخص المرتبط بملكة التفكير، الذي ينتج الأفكار، ويشتغل بها وعليها» (ص34)، ويمكن حشر فئة عريضة من الأشخاص تحت هذه المسمَّى: الأدباء، النُقاد، العلماء، الأساتذة، الإعلاميون، رجال السياسة والدين والاقتصاد، إلخ. استيفاء سمة المثقف تكون بإضافة القيم الاجتماعية على إنتاج الأفكار.
لأن إنتاج الأفكار لا يكفي ما لم تنخرط هذه الأفكار في المعيش الحي بإدارته وتقديم خرائط عملية في الخروج به من المآزق والمطبَّات. ما يصدق على الغرب يصدق كذلك على العرب، أي أن صورة المثقف هي التخلي عن هدوء المكتب والصالون والنزول في ساحة الحراك الاجتماعي والعراك الفكري. يُقدّم الأستاذ مسرحي بعض الخصائص التي تُميّز المثقف: «قدر معيَّن من المعرفة المكتسبة، نهج عقلاني محدَّد في هذا الاكتساب، واهتمام بقضايا المجتمع الوطني أو القومي أو العالمي الإنساني والتزام لمواقفه منها» (ص37). من شأن المثقف أن يضع المصلحة العامة فوق المصلحة الشخصية، ويكون حضوره بارزاً ومؤثّراً، بمستوى الإخلاص لقضايا المجتمع ومجابهة المخاطر الداخلية والخارجية، «يتساءل عن معنى العيش والوجود، ويستطيع أن ينفصل عن ذاته وعن الوجود ولو للحظة من أجل أن يرى ويفهم، ويُبدي رأيه ناقداً لما هو كائن، مُنظّراً لما ينبغي أن يكون على أفضل وجه ممكن» (ص39).
إذا كانت هذه المقاربة النقدية ممكنة نظرياً، فهي صعبة عملياً، لأن المثقف يفتقر إلى «السلطة الرمزية» التي تتيح له استيفاء الفاعلية الاجتماعية، ولأن السلطة الرمزية تتلخَّص في الولاء والثروة وهي أبعد ما تكون عن الخبرة والكفاءة والأهلية. وإن كان المثقف يُشكّل في حدّ ذاته سلطة معرفية، إلا أنه يواجه سُلطات أخرى أكثر وقعاً ووطأةً مثل السلطة السياسية والسلطة المجتمعية بما تختزن عليه من موروث تصلَّب وتجمَّد ولم يعُد قادراً على رفع التحديات ومجابهة الأحداث. ثنائية المثقف/السلطة مضلّلة، من حيث أن أنها مانوية التركيب بين الخير والشر، وبين البراءة والاتهام، وبين العلم والجهل. لا يمكن قراءة الثنائية من هذه الوجهة القيمية، بل يقتضي الأمر وصفاً نقدياً وتأويلياً في معرفة عوائق التواصل والتأثير المتبادل بما يخدم مصالح المجتمع الواحد في أهدافه والمتنوّع في تعابيره وانتماءاته.
لهذا السبب، اختُزلت الثنائية في مثقف مناهض للسلطة، منبوذ من المشاورات ومعزول عن المحافل، ومثقف مشايع للسلطة يُبرّر الخيارات ويُضفي الشرعية العلمية على القرارات. ثم هناك صور أخرى للمثقف أشار إليها الأستاذ مسرحي وما هي سوى ألوان أخرى من القرب المفرط من السلطة أو البُعد المسرف عنها. ما يخلص إليه هو رجحان الكفَّة للسياسي على حساب الثقافي. أين يمكن إيجاد «المثقف الحقيقي» كما يُسميه كاتبنا؟ وما هي سماته وخصائصه؟ يُلخّص المسألة بهذه العبارات: «شخصاً غير منتمٍ، مزعجاً للوضع القائم، يمتاز بحس نقدي، بيقظة دائمة، طاقة وجرأة، وهو غير مستعد لقبول الصيغ السهلة أو الأفكار الجاهزة» (ص49). ثم يضيف مبرزاً المهام الأساسية: «ليس دور المثقف أن يكون مع أو ضد السلطة، بل مهمَّته أن يسهم باستمرار في خلق وتوسيع إمكانيات إتاحة الفرص لتغيير الاستراتيجيات والتوجهات ببيان تاريخيتها ونسبيتها وفضح متكآتها ومصادر مشروعيتها» (ص51). الوظيفة النقدية والفعالية الاجتماعية هما من أبرز المهام التي يضطلع بها المثقف في نظر كاتبنا.
3. مثقف المشاريع والمثقف التخصصي
يناقش الأستاذ مسرحي في الأخير الفاصل بين مثقف المشاريع الذي يعتبر أن أوانه فات وانتهى والمثقف التخصصي الذي يُبشّر بحلوله وسط الشتات الحاصل اليوم. أمَّا مثقف المشاريع، فهو صانع الأبنية الفكرية الكبرى ذات التشعُّبات والتجريدات المركَّبة التي لا يرتقي إليها العقل البسيط. وهذه الأبنية الفكرية الكبرى هي في الغالب مرجعيات مستعارة عن الغرب في شكل فلسفات (وجودية، شخصانية، نقدية، تفكيكية، إلخ) يتمُّ امتحانها على الواقع العربي، لكن لا يتطابق الحذاء الغربي مع القدم العربية، وغالباً ما تتحوَّل المرجعيات المستعارة إلى «سرير بروكست» (lit de Procuste) في ضبط الواقع العربي حسب النموذج المطبَّق، فيحصل الإجحاف في نقل نماذج حيَّة في بيئتها لكنها ميّتة في الأقاليم الأخرى، وأحياناً مميتة. فيُقرأ الماضي العربي الإسلامي بحاضر الأدوات الفكرية الغربية.
والعكس صحيح، أي عندما يتمُّ جرّ الحاضر العربي الإسلامي إلى الماضي الآفل، بمحاولة إحياء نماذج عريقة مثل الخلافة، فتقع المفارقة أو المغالطة التاريخية على مستويين: 1-تطبيق الحاضر الغربي على الماضي العربي الإسلامي، 2-استحضار الماضي العربي الإسلامي في الراهن البائس، فيزدادُ استلاباً وانهياراً. وإن كان الأستاذ مسرحي يعترف بقُدرة المثقف الإسلامي على التعبئة باستثماره في الدين، المخزون الرمزي للمجتمع، إلى غاية المتاجرة والاختطاف بالحديث باسم الدين والتماهي معه واستعمال الوسائل الردعية في التكفير والتصفية، إلا أن الفشل مزدوج، سواء تعلَّق الأمر بالمثقف الإسلامي المغترب عن روح العصر أو المثقف العلماني المستلب في حاضر الغير.
ينتقد الأستاذ مسرحي مثقف المشاريع الذي ينحو صوب الأكاديمية، يكتب لأنداده ويقرأ منتوجه الخاص. ربما كانت مشاريع الجابري وأركون وحنفي من هذه الطينة، لكن خفي عن صديقنا أن الجابري وأركون وحنفي كتبوا أيضاً بمنطق المثقف التخصصي. مثلاً، إلى جانب رُباعية «نقل العقل العربي» للجابري، كانت له تأمُّلات حول السياسة والدين والشريعة والديمقراطية والعقلانية وحقوق الإنسان في كتب واضحة وموجَّهة لعموم الجماهير. كذلك، كتب أركون أكاديمياً العديد من مؤلفاته، لكن جاءت المؤلفات الأخرى بيداغوجية، زادت من وضوحها الحوارات المكتوبة أو المسموعة أو المرئية. أقول بأن «الاستراتيجيات» الضَّخمة في الكتابة العالمة والأكاديمية، كمَّلتها «التكتيكات» الصغرى في التأمُّلات المحلية حول الشؤون اليومية.
هذا شأن الفلاسفة الذين يتأرجحون بين «استراتيجية» المشروع المجرَّد والمعقَّد و«تكتيكية» العرض البيداغوجي في الحوارات والندوات والمقالات، ولنا نماذج في ذلك مع فوكو ودولوز ودريدا وغادمير وغيرهم. كذلك، ينخرط الفلاسفة العرب المعاصرين في الوجهة نفسها، وهي الذهاب والإياب بين المشروع المجرَّد وتعيُّناته المحلية في الحوار والمقال والمحاضرة من أجل تبسيطه وتفصيله وإيضاحه. عندما يقول الأستاذ مسرحي بأن «آن الأوان لإعلان موت المثقف صاحب المشروع الشامل وإفلاس هذا التوجُّه الفكري بصورة نهائية» (ص65)، فهو حُكم متسرّع في نظري، لأن مثقف المشاريع يمكنه أن يصير أيضاً المثقف التخصصي، فيجمع بين التجريد النظري والتجريب العملي، بين الفكرة والمهارة، بين المفهوم وتجليَّاته العملية، بالانخراط في القضايا الكبرى. بل إن المشروع يمتحن صرامته على محك الواقع. أما فشل المشاريع الفكرية، فالأمور أعقد بكثير. لأن الواقع لا يديره المثقف لوحده، بل يعاركه في ذلك السياسي ورجل الأعمال والفنان والرياضي.
بحكم أننا نحيا في «البراديغم الاقتصادي-المالي-الليبرالي»، القائم على سلطة المال والأعمال، وسلطة البورصة والشركات والبنوك، فإن المشاريع تفشل، بل إن السياسي نفسه يفشل أمام سلطة المالية. معنى ذلك، وكما أشرتُ في العديد من كتاباتي، أن البراديغم الثالث («الليبرالي-المالي») توسَّع على حساب «النموذج السياسي-الأخلاقي» الذي عمره قرابة 200 سنة، أي منذ الأنوار وظهور الدولة الحديثة. وبحكم أن المثقف لا يزال يفكّر بمنطق النموذج السياسي-الأخلاقي، فهو غير فاعل عملياً، لأن ما يُحرّك العالم اليوم وهو الرأسمال والصفقات ليس في متناوله، بل حتى السياسي انحسر دوره، بأن احتل رجل الأعمال أقاليم واسعة من الاجتماع البشري بموجب قوانين التجارة العالمية والتبادل الحر والاستثمارات العابرة للقارات والبنوك الافتراضية.
لكن بحكم أننا (في السياق العربي الإسلامي) لا نزال نقبع في الباراديغم الأول حقيقةً وأقصد به «البراديغم الديني-اللاهوتي» وفي الباراديغم الثاني («السياسي-الأخلاقي») مجازاً بالمرجعيات المستعارة وغير المطبَّقة (نظام الحكم الديمقراطي)، فإن المثقف يلعب أدواره داخل هذه النماذج وقد أصبحت مُثُلاً منتصبة بلا فاعلية ملموسة، لأن البراديغم الأول يجرُّ الماضي نحو الحاضر ويوقف الزمن، والبراديغم الثاني يوهم بوجود دول قائمة وما هي سوى أنظمة ذات مصالح ضيّقة، أما البراديغم الثالث فإننا نحياه ليبرالياً وتكنولوجياً، من موقع الاستهلاك لا من موطن المشاركة والإبداع.
يُعوّل الأستاذ مسرحي على المثقف التخصصي الذي «آن الأوان لميلاده في السياقات العربية، هو المهتم بتحليل وتشخيص وتقويم المشكلات الجزئية التي يعانيها المواطن العربي في يومياته» (ص67)، مقتفياً في ذلك أثر ميشال فوكو الداعي إلى التفكير في «أنطولوجيا الحاضر». يأمل كاتبنا في وجود هذا الصنف من المثقفين الذين يعملون على القضايا المحلية وينخرطون معرفياً في تشخيصها، كل مثقف في مجاله واختصاصه، على أن «تتخاصص» (interdisciplinarité) الجهود وتتظافر للوصول إلى صيغة عامة تقول جوهر المعيش وأشكال الارتقاء به عملياً وحضارياً.
نوافق الأستاذ مسرحي بلا شك، لكن في الوضع المتأزّم الذي نحياه، فهو مجرَّد أمنية، لأن معظم المثقفين يعملون منعزلين، وإن اجتمعوا تعاركوا على الزعامة وإن اتفقوا عطَّلوا بعضهم بعضاً بدواعٍ أنانيةٍ حسداً أو ثأراً. يتطلب الأمر الكثير من الإرادات الحسنة والصادقة والتواضع المعرفي والأخلاقي لكي تسير الأمور بشكل سليم ومثمر. من جُملة الإرادات الحسنة الصادقة التي يختم بها عمله، يضع الأستاذ مسرحي التواصل النقدي والخطاب الواضح والاضطلاع بمهام الوساطة وقيم الحوار والعمل المشترك وثقافة الاختلاف، لأنها القيم الوحيدة حسب نظره التي تُعيد ترتيب علاقة المثقف بالمحيط الذي يتواجد فيه وتجعله في مقام الفاعلية والإبداع.
أعود لأثمّن هذا العمل، القليل في مبناه والغزير في معناه. وإن غاب المرجع الأساس وهو «أوهام النخبة أو نقد المثقف» للأستاذ علي حرب، إلا أن العمل استوفى الصورة المكتملة للمثقف من حيث المهام والمسؤوليات وطرح الصيغة المثلى التي يمكن أن يتحلَّى بها من أجل حاضرٍ منسجم ومستقبلٍ أفضل. وكما يقول الأستاذ مسرحي، عمل المثقف هو الاشتغال على «ما هو كائن» فحصاً وتشخيصاً من أجل «ما ينبغي أن يكون» عملياً وحضارياً.

_________________________

*فيلسوف من الجزائر

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *في ذكراه التاسعه :أحفاد حسن حنفي يهاجمون أركون

العالم العربي لا يقرأ والمثقفون العرب لا يقرأون لبعضهم البعض أيضا ! هذه حقيقة يؤكدها ...

تعليق واحد

  1. لكن هناك مشكلة في العنوان الكتاب بحيث لا يتطابق المحتوى مع طبيعة الاشكلة.