الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.وحيد بن بوعزيز *يكتب:في نقد الجوائز الأدبية

د.وحيد بن بوعزيز *يكتب:في نقد الجوائز الأدبية

في نقد الجوائز الأدبية
قراءة بمفهوم المجال الأدبي.

 

من المسلم به أن الظاهرة الأدبية عملية معقدة جدا، ولكن هل تأقلم النقد العربي المعاصر مع هذه التعقيدية؟
منذ تراجع المعتمد النقدي الذي يتوخى أسئلة النشأة خارج العمل الأدبي، عششت المناهج النسقية مشكلة حقلا نقديا مستقلا، له ناموسه الخاص ومؤسساته ومراكز هيمنته. فاحتفى النقاد بمناهج المحايثة من شكلانيات وبنيويات وسيميائيات، وبدأت في الظهور ذائقة تتحسس النص الأدبي كتشكل وانتظام داخلي، لا يتمرجع مع الواقع ولا يتضايف مع التاريخ.
ورغم إطلاع نقادنا على مناهج مابعد الحداثة من تفكيكية وتأويلية مع إعلانهم العلني والضمني عن توبة نصوح من موبقات البنوية إلا أن الأمر لم يتغير كثيرا؛ لأن ديريدا لا يرى شيئا خارج النص ولا يؤمن بتواجد وحدة بين الكتابة والقراءة إلا على سبيل إضافة شيء للنص من طرف القراءة، فالنص (كما جاء في صيدلية أفلاطون) فوق الإدراك ولا يكون “إلا حينما يخفي منذ الوهلة الأولى قانون تركيبه وقاعدة لعبته”. لست أدري هل تستطيع التفكيكية الصمود بعد الاكتشافات الهامة التي توصل إليها باحثون في العلوم المعرفية (العرفنية أو الإدراكية) فهذه البحوث تؤكد تحديا مفاده أنه لا يوجد شيء عصيا عن الإدراك، وتؤكد بأن طاقاتنا الإدراكية مكبوتة ويجب تحريرها لتطال العالم المحتجب عنا.
لا يختلف مجال التأويلية كثيرا عما طرقناه في مسألة البقاء في ثنايا النص، فعلى الرغم من أن المبدأ التأويلي يقتضي الاعتراف بتواجد معاني تستبطن بواسطة الطاقة الاستكشافية، خلافا للتفكيكية التي ترفض اللوغوس والمعنى ولا تعترف إلا بالإحالات اللامتناهية للدوال (جمع دال) إلا أن فيلسوف التأويلية الألماني ه ج غادامير يذهب في كتابه فن الفهم إلى أن العمل الأدبي لا يمكن إدراكه بسبب طبيعته اللاتحديدية وبسبب لاقابليته للشرح والتفسير وبسبب لا ترجميته ولا تطابقيته.
تعود هذه المقولات التي تجسدها فكرة فرادة العمل الأدبي وتميزه وانفلاته من كل مقاربة علمية إلى التراث الرومانسي الذي بلور فكرة الجميل في علاقته بالمتسامي. بل يرجعها البعض إلى التراث الصوفي اليهودي والمسيحي المنحدر من الأفلاطونية المحدثة، ففكرة الواحد المتعالي جعلت الكثير من الفلاسفة يفرقون بين وجود عالم منفصل عنا مستقل بذاته، وعالم يحتوينا ونحتويه ونستطيع تعقله.
إن الفرق بين والتر بن يامين وبين جورج لوكاتش، على الرغم من ماركسيتهما المعتلجة برواسب الكانطية والهيغلية، يكمن في أن والتر إلتزم بفكرة تسامي الفن مستعملا مقولة الهالة L’aura وراح يفهم بها الطابع المتسامي للفن حينما يكون بعيدا عن إعادة الإنتاج التقاني، بل راح يفهم استحالة الترجمة باستحالة الوصول إلى المعنى الأصلي المتسامي للنص. في حين انطلق لوكاتش في نظريته حول الفن، من أن كل شيء يكون عصيا عن الفهم وخارج إطار فهم التجربة التاريخية فهو حالة تشيؤ واضحة المعالم، بشرط أن يكون هذا التفسير معتلجا بالبراكسيس.
كي نعود إلى سؤالنا، بعد هذا التوضيح المنهجي، نحدد بأن هيمنة المناهج النسقية ومابعد البنيوية ومابعد الحداثية خلقت دوكسا (عقيدة) فنية وهمية في الوطن العربي، تلخّص في أن النص الأدبي لا علاقة له بالتجاذبات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بل له استقلاليته التامة، وناموسه الخاص، مما جعل الكثير من المبدعين يقعون في وهم النضال ووهم السلطة الأدبية. يجرنا هذا إلى سؤال تفريعي، هل يعيش العالم الأدبي العربي فعلا استقلالية ما؟
كي نجيب على هذا السؤال التفريعي لابد من العودة إلى تجربة نقدية عاشت تجربة فريدة من نوعها في التعرف على إشكاليات استقلالية المجال الفني، لقد كرس عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو كتابا مهما لدراسة استقلالية المجال الأدبي عنوانه “قواعد الفن” (1992)، وقبل أن يبدأ في دراسة الكيفية التي ينشأ بواسطتها المجال الأدبي ويستقل في العالمين الماكرو اجتماعي والميكرو اجتماعي، راح يبرهن على مصداقية علم الاجتماع الفن، كما يفهمه، في تعقل العمل الأدبي وفي محو تساميه الذي يدعيه. بل راح يتحدى كل النظريات الرافضة لمفهمة الفن عموما والنص الأدبي خصوصا بتطبيق نظريته حول المجال والرأسمال الرمزي والهابتوسات (نظام من الاستعدادات العقلية والعملية).
اختار بورديو نصا لفلوبير: التربية العاطفية، واندهش من قراءة لوكاتش الخبير بالواقعية حينما اعتبر هذا النص ذاتيا ونفسيا لأنه ينتمي إلى الرواية التعليمية ولم ير فيه البعد الضاج بالحركية الاجتماعية. ينطلق بورديو من أن شمولية النص تتماشى مع شمولية العالم الذي عاش فيه فلوبير، ويقصد بذلك الرجات السياسية والاجتماعية والاقتصادية بين حكم الجمهورييين والإمبراطورية بزعامة نابلوين الثالث في القرن التاسع عشر. ففلوبير شكل نواة مع مجموعة من الأدباء، نذكر من بينهم بودلير، كانت حتمية لنشوء مجال أدبي جديد فيما بعد، هذه النواة بدأت بتواطؤ بين أصحاب الأدب الخالص وأصحاب الفن للفن، ضد المجال القائم: أصحاب الفن الاجتماعي والفن البورجوازي.
حسب بورديو لم يكن ليتسنى وجود هذه النواة، التي تجسدت في حركة البوهيميين الثانية، دون وجود زهدية عند أصحابها، كان سببها الرفض الذي وجدوه من طرف الطبقات النبيلة والنظرة المصلحية الصرف التي لقوها مع بورجوازيين تافهين، هممهم الأساس هو الربح على حساب الفن. لقد كان البوهيميون طبقة أقرب إلى البروليتاريا في انتماءاتها الاجتماعية، ولكنها بروليتاريا بدون عمل.
يفهم بيير بورديو استقلالية المجال، أي مجال، بتشكل ناموس Nomos جديد يضفي شرعية خاصة على فاعليه، فتنتج سلطة خاصة لها قوانيها وشيفراتها، ولا بد أن نعرف بأن قياس استقلالية المجال لا يكون بما يستحضره ولكن بما يستبعده ويلغيه، ولكي يبتعد بورديو عن السقوط في النزعة البنيوية، ولكي يختلف عن فوكو، يعطي للفاعل L’agent قيمة جوهرية فاعلة نسبيا، فنظام الاستعدادات الفكرية والعملية (الهابتوسات) يجعل المجال دائم التحول ودائم الحركة، وفق القاعدة التالية: كلما كانت الثنائية مهيمن/مهيمن عليه هشة كلما كانت الثنائية تقليد/إبداع ممغنطة، والعكس صحيح.
بعد دراسة وتعقب وحفر، يكتشف بورديو بأن السبب الذي جعل هذه النواة تشكل بدايات المجال الأدبي المستقل، الذي عرف أوجه في فترة دريفوس حيث انبثق مفهوم المثقف النقدي، هو مايسميه بالاقتصاد المقلوب؛ لقد كان من مصلحة البوهيميين ترك وتطليق كل المصالح، وكان شعارهم الأساسي لابد من أن نحقق الأدب الخالص بالابتعاد عن منطق السوق الأدبي السائد، الذي استحوذ عليه التجار الفنيون البورجوازيون، لهذا فاقتصادهم كان يكمن في ترك الاقتصاد الرائج، وليس من المصادفة أن يتشارك فريديريك (بطل التربية العاطفية) الهم نفسه مع فلوبير؛ همّ الإرث العائلي، لقد كان فلوبير محظوظا لأنه وجد إرثا يحصنه من السقوط في شراك البورجوازية وتسليعها، في حين كان حظ بودلير وغوتييه سيئا، فبودلير عاش التشرد وغوتييه عرف الذل لأنه عمل في الصحافة بحثا عن القوت باستعدادات (هابتوسات) غير متوائمة مع هذا المناخ.
حينما قال فلوبير كلمته المشهورة: “إن مظاهر التشريف كثيرا ما تلغي الشرف” كان يقصد بها أن الفن لابد أن يكون خالصا بخروجه عن منطق السوق، وبابتعاده عن وسائط السوق ووسائل تثمين سلع هذه السوق من تشريفات وجوائز وصالونات وبعدم السقوط في الذائقة السائدة (شعبية أو نبيلة) التي لا تعترف إلا بما يتطابق مع استعداداتها وأهوائها.
عندما نعود إلى الواقع العربي لا نجد دراسة مهمة اختارت هذا الطريق الصعب، فالواقع يبين بأن وجود مجال أدبي مستقل يعد من قبيل الوهم مادام التفكير الديموقراطي غائبا. إن صناعة الكاتب في عالمنا العربي تمر عبر قنوات سياسية إقليمية ووفق قناعات جيواستراتيجية محسوبة. فهنالك جرائد ومجلات يغلب عليها الطابع التكتلي الذي يصل مرات إلى مستوى اللوبيات، فالنشر يطال أدباء من بلدين او ثلاثة يربطهما داعم مصلحي سياسي واحد، كما أن محاولة تجييش بعض الجرائد والمجلات بصفوف متراصة من النقاد لخدمة مركزيات جديدة قد يحدد الميدان الذي نعيشه أدبيا كجهاز أيديولوجي كما حدده ألتوسير أكثر من مجال أدبي كان يفكر فيه بورديو.
لا ينكر المتتبع لحركية الإبداع العربي الأثر الذي استحدثته الجوائز والتحفيزات على نشاط الكتاب. فمعارض الكتاب تحولت إلى شَرطية بافلوفية للكثير من الكتاب، فأصبح الكثير منهم ملزمين بالتواجد بنص في كل طبعة لكي يثبتوا حضورهم ولو على حساب جمالية هذا النص. لقد عرفنا هذه السنوات بروز ظاهرة ما يمكن أن نطلق عليه النصوص الحولية المولدة بجرس بافلوف.
كما تحولت الجوائز إلى سقف ومعيار تقاس بها النصوص الأدبية، في حين لا بد من التذكير بأن العملية النقدية البعيدة عن المحاباة وعن الأدلجة وعن الحسابات السياسية، والمتعاملة مع النص هي وحدها الجديرة بأن تؤخذ كمعيار لتقيييم النصوص. إن الواقع العالمي والعربي بيّن بأن الجوائز في كثير من الأحيان تخدم أجندة فنية ذات اتجاه تقليدي محافظ أو أيديولوجية إما سياسية أو اقتصادية تجارية صرف، فدورة السوق تبحث دائما عن الترويج لمنتوجات جديدة وفق منطق الموضة أو وفق تطلعات هذا المنتوج لخدمة لوبيات إمبريالية أو صهيونية أو كيانات استبدادية يمينية أو يسارية، أوليغارشية أو قومية. أما إذا كانت الجائزة مستقلة، فهي تخدم اتجاها قارا أو جماعة ضاغطة متموقعة او تبحث عن التموقع.
حينما استقل المجال الأدبي في العالم الغربي استطاع الكثير من الأدباء رفض الجوائز الكبرى مثل نوبل، فهل يستطيع الكتاب عندنا رفض بعض الجوائز، خاصة إذا كانت مشبوهة تسفر عن توجهات إمبريالية أو تخدم مصالح ضد الوطن أو تفرغ المثقف من نضاليته وسالبيته التي تساعده على مواجهة كل السلط والهيمنات؟
أعتقد أن النقد الأدبي العربي لو بحث في هذه الإشكاليات التي تندرج ضمن مايسمى بمادية الأدب أو بسياسة الأدب فإن الوعي الإبداعي سيتحاشى الكثير مما يطلق عليه الأدب السلعي، سيشعر الأديب بحريته فعلا حينما يتجاوز المؤسسات ويعيش مع مجموعته الأدبية بعيدا عن التجاذبات السياسية المؤدلجة والمصالح الاقتصادية التي تسفف وتسفه القيمة الأدبية أكثر مما ترفعها.
إن استقلالية المجال الأدبي تبدأ في اللحظة التي يرفض فيها الفاعلون المبدعون السوق الأدبية السائدة، إن اقتصادها معاد لاقتصاد السوق البرجوازي، فليكن في علم كل الفاعلين أن صناعة كاتب من طرف الصحافة أو التشريفات أو الجوائز سيكون لا محالة على حساب كاتب آخر، لأنه ستطبق عليه آليات الحجب والإبعاد والإقصاء، بل، الأخطر من ذلك، ستكون على حساب النص الأدبي الذي سيكون أكبر حاضر لا مفكر فيه.

====

*باحث من الجزائر.

 

شاهد أيضاً

الباحثة صفاء عبد السلام *تكتب :في مجتمعي فيلسوف

  في سبعينيات القرن الماضي قدم لنا المسرح المصري مسرحية “مدرسة المشاغبين” والتي تعرض ما ...