الرئيسية / أخبار ثقافيه / الباحثة صفاء عبد السلام *تكتب حول :منظومية التفكير

الباحثة صفاء عبد السلام *تكتب حول :منظومية التفكير

إن ترويض العقل وحثه على التفكير من أهم المهمات التى يجب على الانسان القيام بها باعنباره كائنا مفكرا بالفطرة , وتعتمد عملية التفكير على مقدمات تؤدي إلى نتائج مستندة على طريقة التفكير التي استخدمها العقل المفكر , وقد تعددت أساليب وأنواع التفكير بحسب البنية الاجتماعية والثقافية والبيئية للعقل فهناك التفكير الخرافي والتفكير العلمي والتفكير الفلسفى والناقد والإبداعي وغيرها من أنواع التفكير التى تميز مجتمعات عن غيرها بل وأيضا تميز الأمم على بعضها فنجد أمة متقدمة علميا وثقافيا لأنها تستخدم طرائق تفكير غير تقليدية , وأخرى غارقة فى بحار الجهل الفكرى والتخلف الحضاري لأنها إما ان تكون لا تستطيع اعمال العقل والتفكير أو أنها تستخدم طرائق تفكير عقيمة وتعتمد على أساليب التفكير المتخلفة التى لا جدوى منها إلا الذهاب بالعقول الى ظلمات الجهل السحيقة فلا تستطيع الخروج من هذه الدائرة .
وإذا كان نمط التفكير السائد في كثير من المجتمعات التي غالبا ما تتسم بالتخلف الفكرى هو النمط الخطي الذي يعتمد على محدودية التفكير والاعتماد على التسلسل النمطى لخطوات الاشكالية بحيث أنه يجب أن تنتهى خطوة حتى نستطيع البدء بالخطوة التى تليها , فالسبب تعقبه نتيجة وينتهى الأمر بذلك , فإن الطبيعة المعرفية للعصر الحالي لا تسير بهذا النمط , فهذا العصر يتسم بالسرعة ويتسم بتعدد مصادر المعرفة والتطور التكنولوجى الذى ساهم في تطور المعرفة بسرعة لا يستطيع من يفكرون بهذا النمط الخطي مواكبتها , فأصبح لزاما علينا التفاعل مع طبيعة العصر وإبدال طريقة التفكير الروتينية بأخرى ابداعية ، ولم لا فالعقل البشرى لم يخلق بتلك الإمكانات المحدودة من التفكير، بل إنه يستطيع الإنطلاق إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير بحيث يستطيع الغوص في محيطات المعرفة العميقة وسبر أغوارها والخروج باللآلئ والدرر الكامنة بها ، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال التفكير برؤية شمولية للإشكاليات ومحاولة فهم كيف تتفاعل كل أجزاء أي منظومة مع بعضها بطريقة شمولية تكاملية دون النظر لكل جزء منها نظرة منفصلة عن الجزء الآخر , فالمفكر هنا لا يعمل على تبسيط الموقف أو الاشكالية وعليه فإنه لا ينهي تلك الإشكالية بوضع حلولا بسيطة لها , بل إنه يستطيع تحليل أجزاء المنظومة والنظر إليها من زواياها المتعددة بطريقة دائرية متشابكة الأركان متخليا بذلك عن الطريقة الخطية فيستطيع فهمها جيدا ومن ثم يبدأ بتركيب هذه الأجزاء مع بعضها بصورة جديدة ابداعية يستطيع من خلالها وضع حلولا ليست بالبسيطة أو بالتقليدية للمشكلات حتى المعقدة منها مما يجعل المفكر يتخلى عن أحادية التفكير واتخاذ القرارات الفردية ويشجعه على التفكير التشاركي وتقدير وجهات نظر الآخرين بموضوعية .
إن هذه الطريقة المنظومية في التفكير لا تقتصر على مجتمع معين ولا بيئة ثقافية محددة ولا حتى مرحلة عمرية معينة , فالجميع يستطيع تعلمها والتدرب عليها وبالتالي نستطيع تدريب أنفسنا حتى نتمكن من النهوض بإمكاناتنا الفكرية ومن ثم تنشئة الأجيال الصاعدة وتوسيع مداركهم بالتدريب المبكر على طرائق التفكير التي تنمي مهارات الفكير العليا لديهم فينشأ مجتمع سوي متقدم قادر على الإبداع الفكرى غير منساق لأنماط التفكير التقليدية أو الخرافية .

**************

* باحثة في فلسفة التربية

كلية الدراسات العليا للتربية

جامعة القاهرة

شاهد أيضاً

د.عبد الله سليمان *يكتب:أنت وذاتك والحب

  فكرت أن يكون عنوان هذا المقال: “الطفل: الذات والحب”؛ لكني وجدت وأنا أصوغه أنه ...