الرئيسية / مقالات / د/ بن علي لونيس*يكتب :الدُمية أو الاستعارة الأدبية للإنسان ما بعد الحداثي

د/ بن علي لونيس*يكتب :الدُمية أو الاستعارة الأدبية للإنسان ما بعد الحداثي

الدُمية

أو الاستعارة الأدبية للإنسان ما بعد الحداثي

كتب القاص المغربي “أنيس الرافعي” مجموعة قصصية متميّزة بعنوان ” مصحة الدمى ” ( دار العين، 2016 )؛ متميّزة لا بموضوعها فحسب، بل ببنائها الهندسي، الذي يشبه كثيرا مصيدة سردية. إنّ الطابع المتاهي لهذه القصص، ثمّ تعالقها البيّن فيما بينها، جعلا منها نصّا قصصيا واحدا، أو ربُما بقليل من الجرأة، عملا روائياً.

 أكيد أنّ الرّافعي نفسه، قد يعترض، وله الحقّ في ذلك ( إذا ما عطّلنا مبدأ موت المؤلّف مؤقتا ) ، لكنّي شخصياً لم أستسغ فكرة أنّ مصحة الدمى هي مجموعة قصصية، بل وجدتها أقرب إلى رواية سردية، تتكوّن من سبعة فصول، مع مدخل سردي في غاية الأهمية.

صحيح أنّ الرافعي من جهة أخرى، تجنّب بذكاء وضع أيّ إشارة أجناسية كلاسيكية على غلاف الكتاب ( رواية، قصة، قصص…إلخ)، بل وظّف مصطلحا جديدا، هو فوتوغرام حكائي. والمصطلح في ذاته يحتاج إلى أن يُحال إلى مخابر السرد للبحث في أصوله، ودلالاته، وأبعاده السيميائية.

اللعب بالمرايا السردية:

بعيدا عن التباسات المصطلح الأجناسي، فإنّ الرافعي خلق للهذيان شكلا سرديا يناسبه؛ إنّ السرد عنده يشبه النظر في المرايا المتعاكسة، حيث يولّد هذا التناظرُ اللانهائيَّ، ويكسّر أبعاد الهندسة وقوانين الفيزياء. ضمن هذا التناظر، يختفي الأصل، وتتقابل الأطياف في تناظر لا نهائي.

شخصية واحدة، تتعدّد في نصوص المصحّة، تتشظى، وتنقسم على نفسها. لا مكان في وعي النص لصرامة المنطق، فكلّ شيء نسبي، بما في ذلك المكان. في هذا النص، لا يمكن تصديق تحديقة العين، فحين تقف أمام المرايا المتناظرة، يكون الشيء هنا وهناك في الوقت نفسه، بل ويتوالد بشكل لانهائي. أظنّ أنّ الكاتب يحيلنا إلى لعبة المعنى في هذا النص، فهو – أي المعنى – لولبي بشكل مدوّخ.

جدل الصورة والحكاية:

استهل الرافعي نصه بمقدمة استهلالية عنونها بـ ” الوشيجة “، استعرض فيها الجدل القائم بين الصورة والحكاية، متسائلا: من له حظوة الأصل ؟ ( ص 15 ) فمصحة الدمى منحت مساحة معتبرة لحضور الصورة ( صُور لأشهر الدُمى )، وفي تحليله انتهى إلى أنّ بين الحكاية والصورة ” لعبة تقمّص لانهائية “؛ فكلاهما يفسّر الآخر وفق لعبة تناظر تأويلي.

 ما يبدو مهما في هذه العلاقة التناظرية بين الحكاية والصورة أنها تحفّز الجهاز التأويلي لدى القارئ، والتركيز على هذه العلاقة هو بمثابة ” استعادة البياض “، بوصف هذا البياض هو تلك المساحة النصية الغائبة، إنّه مساحة منذورة للصمت، إلا أنه صمت دلالي، يحرّك أعماق الكتابة.

إنّ قصص الرافعي في مصحة الدمى، وعبر اشتغاله على هذا البياض السردي، تحاول التنبيه إلى لغة الصمت ( صمت الدمى)، والتدرّب على الإنصات إلى تلك اللغة السرية:

 “صمتاً يُعلّمك من جديد كيف تكتب

أصخ السّمع إلى هذا الصمت. لا تدوّنه بالكلمات [ … ]

تجنّب ما استطعت ذلك الاستبداد المتكبّر لليد.. ” ( ص 17 )

تمنحنا الصورة تلك البلاغة المتحررة من سلطة المكتوب، لكنها بلاغة ذات أثر بليغ، تجدّد روح الكتابة بما هي تدريب على الانصات إلى الصمت؛ لكن ينبغي أن نقرأ بحذر الجملة التالية: ” الاستبداد المتكبّر لليد “؛ فهي جملة إشكالية في نظري، لكنها تحمل قدرا رهيبا من الدلالة، فهي تحيل على سلطة الكتابة؛ الكتابة كفعل يدوي (اليد)، كما لو أنّ الأساس هو التأمّل في الصورة، والتواصل معها دون وساطة الكتابة، لكن هل يمكن للصورة أن تتكلّم دون الرجوع مرة أخرى إلى هذا الاستبداد المتكبّر لليد؟

إننا أمام وجهين من الكتابة المرئية: الصورة/ الشكل المرئي للحرف، وفي المقابل تظهر الحكاية كنسق مختلف لأنها تنتمي إلى ثقافة السماع. هذا ما إذا تغاضينا الطرف عن كون الحكاية هي تخييل. والتخييل عملية إنتاج الصور. غير ذلك، فإنّ نصوص مصحة الدمى خضعت لشكل معماري، أو لهندسة سردية ذات طابع متاهي، ومن هذه الزاوية أشعر أنّ الرافعي يريد للقارئ أن يرى قبل أن يقرأ.

العالم بعيون دمية:

في مدخل مصحة الدمى، قدّم لنا الرافعي ما يشبه تاريخ الدمية. وهو تاريخ ملتبس، تسقط فيه الحدود بين تاريخ الإنسان / صانع الدمية، وتاريخ الدمية. نقرأ بشغف الكثير من الحقائق المخفية عن تاريخ أشهر الدمى، وننتهي إلى أنّ الدمية كائن تاريخي، وبذلك فهو كائن حي! السؤال البديهي: لماذا الدمية؟ ثمّ لماذا المصحة؟ من الذي يُصلح الآخر؟

ثمة حقيقة مرعبة، تسبب العرق البارد في الجسد، وهي تحديقة الدمية. من قال أنّ خلف تلك العيون الكرستالية الباردة يستوطن الفراغ؟؟ المسألة غير هذا، والسؤال يخفي حقيقة مريبة: فدمى الرافعي تتكلم، وتتألم، وتعشق، وترغب في القتل، وقد تكون طرفا في جريمة ما. إنّها ترسم المصائر القاتمة لشخصي (ة ) ـيات المصحة.

يتساءل السارد بلغته المحفوفة بالغموض ” من قال إنّ الدمية فارغة وليس بداخلها أحد؟” ( ص 19). مفتاح التأويل، في اعتقادي، يكمن هنا، أي في هذا التنبيه المُبكّر إلى ضرورة الإنصات إلى دواخل الدمية. هناك حياة ما داخل كل دمية، وتلك الحياة هي قصة الدمية، فحين يصير للدمى قصصا، فهذا يعني أنّها تكتنز حياة ما، وعلى القاص أن يعرف كيف يمنح شكلا لتلك الحياة.

في مستوى آخر من التأويل، تغدو الدمى التي يروي الرافعي قصصها الصامتة، امتدادا لأنفسنا العميقة، ففي دواخلنا تسكننا دمى، وقد نكون نحن أرواحها الهائمة، الباحثة عن معنى ما، عن هويتها المتلبسة. ” هل هي جسم بلا روح كما يُشاع عنها، أم شكل مُغاير وطاعن في الرمزية للروح الملتبسة الكسيرة، دمية الدواخل الإنسانية المتحركة التي لا نجتهد في رسمها كي لا تكون صورة دقيقة عن دمية الخوارج الصماء التي يمثلها جسدها المعطوب”. ( ص19)

دمية بلا ساق، ودمية مضرجة بدم مشبوه، ودمية بالقرب من جثة طفلة، ودمى مثبتة فوق أغصان أشجار جزيرة نائية، ودمية مانيكان تراقب العالم من وراء ستارة، ودمية يتسلل من عينيها نهر قاتم من الرعب، كأنّه تلويحة شؤم مقبل.

كل هذه الدمى تعاني من الأعطاب، ولذا لابد من إصلاحها. هل يمكن للدمية أن يصلحها من هو في الأصل يعاني من عطب الوجود؟ شخصية مصلح الدمى في القصص شخص لا اجتماعي، يعاني من الوحدة، تمزقه غربة باردة، يحب الأماكن المعتمة، يعاني من الأرق، تغزوه الأوهام والرؤى الغريبة، العالم الذي يراه غير العالم الذي هو خارج مدركاته… لقد صارت أعطاب الدمى انعكاسا لعطبه المتجذّر. إنه فوق ذلك يشعر بتعدده.

إننا نعيش اليوم في حضارة تشبه مصحة عجيبة للدمى المعطوبة، نحن تلك الدمى التي مزقتها أنياب الغربة الداخلية، هشمتها أسئلة في حجم صخرة سيزيف العبثية، دُمى الرافعي هي استعارة لنا، ثمة دمى معطوبة تسكن نفوسنا العميقة، وهي مثبتة إلى أشجار اللايقين.

إنسان اليوم وقع داخل مصيدة الوجود، داخل مدينة ما بعد حداثية، تفتقد إلى مركز ما، أو إلى نظام واضح؛ إنه يشبه الدمى الآلية التي ابتكرتها المخيلة المريبة لهانس بالمر، تلك الدمية السريالية، والماجنة في آن واحد. الوجود عنكبوت يحيك شبكته مثل عنبكوت بورجواز في قصص الرافعي.

الذات الما بعد حداثية:

ما يميّز ما بعد الحداثة، فلسفيا، هو انفجار البنية، وزوال المركز، وتدمير سلطة العقل وقوانينه الراسخة، إنها العودة المغامرة نحو الداخل، أي نحو ما هو غامض ومتاهي، ومتشظي، ونسبي.

وفي “دليل ما بعد الحداثة ” نقرأ أهم سيمات السرد ما بعد الحداثي: ” الاضطراب الزمني، وتآكل الإحساس بالزمن، […] ووضع كلمات في المقدمة بوصفها أمارات مادية متشظية، وعدم ترابط الأفكار، والبارانويا ( الخيلاء المرضي أو جنون الاضطهاد)…” ( يُنظر: باري لويس، مابعد الحداثة والأدب، ضمن كتاب: دليل ما بعد الحداثة، تر: وجيه سمعان عبد السميع، المجلس القومي للترجمة، ص187) ودون أية نية لإسقاط هذه الخصائص على نصوص الرافعي، فإننا نجد أنّ هذه النصوص تستجيب كثيرا إلى سمات النص ما بعد الحداثي، ويمكن توضيح ذلك كما يلي.

 الشخصية في قصص الرافعي تعترف بتشظيها ما بعد الحداثي:  أنا في واقع الحال لست واحدا، وإنما إثنان! صورة تخرج من صورة” ( ص130) هنا، لا نجد أثرا للأصل، بل أن الصورة تتناسخ إلى صور أخرى، صورة تعكس صورة أخرى. الذي يحكي هو صورة الشخصية فقط، أي قرينه. القرين الذي يراقب نفسه، فمرة يكون في الشرفة فيرى نفسه أسفل العمارة بكامل لباسه، ومرة يكون أسفل العمارة يرى نفسه في الشرفة بصدد الإنهاء من سجارة. مرة في الطابق الأول، ومرة في الطابق الثاني ومرة في الطابق الثالث هكذا إلى غاية الطابق السابع. وحين يسأل من يكون، يفتح كراسته التي كان يسجّل فيها أسماء المتغيبين على نحو قسري، فلا يجد فيها إلا اسمه. ما أفدح هذه الحقيقة!

التباس الصوت السردي:

تبدأ مصحة الدمى بوصف الباحة الخارجية للعمارة، في وقت متأخر من الليل، وبالقرب منها حديقة مهملة بعد وفاة البستاني العجوز في حادث سير ( الحادثة لها علاقة بالمخطوط الثالث الذي ورد ذكره في جناح الهلاوس، والمخطوط يروي عن حادث مرور يتعرّض له رجل ). ما يبدو مهما هو طرح السؤالين التاليين: من يتكلم؟ ومن يرى؟ أي من هو صاحب الصوت السردي؟ ومن هو صاحب المنظور السردي؟

 في هذه القصة، من يتكلّم هي امرأة ” منزوية في جلدي”، ومن يرى هي المرأة نفسها “أترصّد ظهورك” ( ص42)، والترصد هو الوقوف والنظر في انتظار أحدهم. إنها تنتظر شخصا ما، ويبدو أنها على علاقة خاصة به، قد يكون بينهما موعد، أو قصة حب عميقة، فهي تصف انتظارها له بالانتظار القاسي ” أما تحسّ بقسوة انتظاري؟” (ص42)، ” ألم ترقّبك في الشقة المقابلة لشقتك” (ص43).

الواضح أنّ الرجل الذي تنتظره يعيش في شقة مقابلة لشقتها. من يكون هذا الشخص الذي طال انتظاره؟ يتعمد الرافعي وضع القارئ في حالة انتظار مماثلة لحالة المرأة. تصفه بالرجل مجهول المنبت، منحرف المزاج، تركت عليه الحياة علامات خياطة غير متقنة. التوصيف يعطي انطباعا أوليا عن هذا الرجل، يبدو أنه شخص لا اجتماعي، يفضل العيش وحيدا بعيدا عن المجتمع، ونحن نتساءل: معرفة كل هذه التفاصيل يعني أن المرأة كانت تعرفه معرفة قريبة جدا.

في ليلة عودته ( أين كان؟ ولماذا عاد؟) كان الوقت صيفا، إلا أنّ الرجل ارتدى معطفا شتويا أسودا، حاملا حقيبة السفر، ومظلة مطوية. أن يرتدي معطفا شتويا في ليلة صيفية، هي علامة مهمة تشي بالطبيعة الغريبة لهذا الرجل. هل كان ملاحقا من طرف أحدهم؟ أم أنه كان يريد التخفي، حتى لا يلاحظ أحد عودته؟ وفي كل الأحوال، فهو شخص غريب الأطوار، غامض جدا.

مع تطور السرد، نكتشف حقيقة صادمة أخفاها عنا الرافعي، ماذا لو أنّ المرأة التي كانت تسرد علينا مشهد انتظارها لعودة الرجل الغامض مجرد دمية؟ يرفع الرافعي إيقاع السرد هنا، يدفع بذلك الإيقاع نحو العجائبية، حيث نكتشف أن من يسرد هي دمية المانيكان، واقفة بالقرب من نافذة، في انتظار الرجل صاحب المعطف الأسود. هو تخييل ليس عجائبي فحسب، بل يثير قشعريرة الرعب في نفسية القارئ، ليتذكر السؤال الذي طرحه الرافعي في مدخل القصص: من قال أنه لا يوجد أحد داخل الدمية؟ نكتشف أنّ روحا ما عجيبة هيمنت على الصوت السردي في القصة الأولى.

إنه صوت الدمية، صوت مشحون بانجذاب قوي نحو الرجل الغامض، عاطفة العشق التي لا يمكن تجاهل عطرها القوي ” فمن لا دموع لها لتذرفها من مثيلاتي، ومن لا صوت لها لتنوح به من شبيهاتي لا تتألق خيباتها إلا إذا اورقت ظلالك من خلف تلك الستارة البنفسجية” ( ص45) إنها تعبّر عن نيران الوله التي اجتاحت أعماقها الغامضة، نيران الغيرة على ذلك الرجل الذي ليس أكثر من مصلح دمى، كانت على علم بعلاقته المريبة مع دمية أخرى ” تلك الساقطة، الصلعاء، المشوهة، المرقعة بالبراغي” ( ص47)، وفي مقطع آخر ” أرني المخرز المعقوف الذي كنت تخيط به شفتيها، وتقلع به عينيها من محجريهما” (ص47).

وفي الأخير، نكتشف أنّ هذه الدمية تحمل في أحشائها اليوميات السرية للرجل الغامض ( مصلح الدمى )، هل هذا هو السبب الذي جعلها تعرف تفاصيلا عن حياته؟ ما معنى أن تكون الدمية محشوة بيوميات مصلح الدمى؟ وهل لهذه اليوميات علاقة بالمخطوط الذي سيرد الحديث عنه في جناح الهلاوس؟ يرمي الرافعي إلينا بهذا اللغز الكبير: ما الذي يمكن أن يخفيه ذلك الرجل في يومياته حتى وصفها بالسرية؟

السرد في درجة الهذيان :

في جناح الأورام، يتخلل السرد رسومات وأشكال لبيادق الشطرنج، هل ستتحول رقعة القصة إلى مساحة لتحريك البيادق؟ هل البيادق هي الشخصيات والأحداث، حيث لا تتحرك من تلقاء نفسها، بل وفق نظام مدروس جيدا؟

في هذه القصة، رجل ما يتحدث عما حدث له في تلك الليلة التي خرج فيها إلى شرفة شقته لتدخين سجارته، فهو يعاني من أرق  مزمن، ومن عاداته أن يدخن في الشرفة. في تلك الليلة، ألقى ببصره إلى أسفل العمارة، ليقع بصره على رجل بمعطف أسود، وهو نفس المعطف الذي يملكه. في تلك اللحظة تملّكه إحساس غريب أنّ ذلك الرجل ليس إلا نفسه، أي أنه كان ينظر إلى نفسه ” كان على الأغلب شبيهي المطابق أو بديلي الغريزي” ( ص54). فكيف يُعقل أن يكون في مكانين مختلفين في الوقت ذاته؟ إن هذا المنطق يتحدى قوانين الفيزياء؟ إنه مشهد عجيب، لا نجده إلا في روايات الخيال العلمي.

لاحظ بأنّ الرجل الغريب صاحب المعطف الأسود دس ساق دمية داخل معطفه. يحاول السارد أن يحمي نفسه من أي تهمة بالهذيان، فهو لا يهذي، وما رأته عيناه هو حقيقة. ما الحقيقة في القصة؟ ” تيقنوا أني لا أهذي أو أختلق ما أحكيه لكم ” ( ص55)

حين عاد إلى داخل شقته، اكتشف أنّ معطفه غير موجود على المشجب، كما أنه لاحظ اختفاء حقيبته. لم تتوقف دهشته هنا، فقد اكتشف ملابسا غريبة، وأحذية لا صلة لها بمقاسه. هل يعقل أنه كان موجودا في شقة غير شقته؟ في الجدران صور لوجوه غريبة، حتى أنه ظن بأنه غريب في هذه الشقة ” لدرجة خلت معها أنني غريب في هذا المكان أو دخيل يقطن شقة شخص غائب دون علمه” ( ص56)

يطرح السارد – الشخصية أسئلة من طبيعة قلقة، شكاكة، ذات إيقاع مربك. إنه شخصية مرتبكة وقلقة، لم يعد يثق في الواقع الذي يعيش فيه. الشقة التي يعيش فيها لم تعد شقته، كما أنّه رأى نفسه خارج الشقة بمعطف أسود حاملا ساق دمية. لقد وصف نفسه بالشخصية المموهة، بدون وثائق هوية.

يرمينا السارد في عالم غامض، غريب، تضعضت أبعاده ” وفي حمأة ما يدور حولي من أمور عصية على الفهم ” ( ص57) عالم مريب، ومرعب. اكتشف دمية غريبة في البيت، كانت تحدق فيه بعيون مخيفة، لقد عاش تجربة الخوف المتسلل عبر عيون دمية ” لكن لا أحسب أنكم عشتم يوما ما تجربة الارتعاب من نظرة دمية؟ ” ( ص59)

لعبة المخطوط

يقول السارد: “الحكايات التي يتفرق نسبها بين المخطوطات الضائعة ” ( ص69) ما علاقة المخطوطات بقصة الرجل صاحب الدمية؟

المخطوطة الأولى:

التاريخ: 10 نوفمبر 1940. المكان: مدينة سان لويس دي لالوما” المكسيكية. يعثر فتى على مفكرة قديمة، امتلأت صفحاتها عن آخرها.

قصة المفكرة: تروي عن شاب يدعى ” جوليان سانتا ” الذي استقر بجزيرة “لاس مونيكاس”، فاستأثر العزلة في تلك الجزيرة. بعد أيام كان شاهدا على غرق فتاة مجهولة في مياه القناة، فأصابه هوس الفاجعة، حتى أن روح الفتاة لا تبرح كوابيسه، وكان يراها وهي تصارع الموت دون أن ترخي قبضتها عن دميتها الصغيرة. وذات يوم وجد دمية بساق واحدة ملقاة في صفيحة قمامة، فعلقها بخيط على شجرة. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت له هواية البحث عن الدمى ليشد وثاقها إلى أشجار الجزيرة، من أجل سلام روح الفتاة. في الليالي التي تعصف فيها الرياح بقوة، تبدأ جوقة الدمى “في توقيع رقصة الجثامين” (ص71) بعد سنوات يعثر على جثة جوليان غريقا في نفس موضع غرق الفتاة.

المخطوطة الثانية:

التاريخ: 10نوفمبر 2016. المكان : مدينة فاس. عجوز يعثر على مفكرة. هل يمكن أن تكون نفس المفكرة التي عثر عليها في المسكيك؟ كانت منقوصة من بعض الصفحات. في المخطوط، يتفجر صوت يتحدث عن الضجر، عن جولة عجيبة في المدينة التي كان يلفها الضباب، عن حادثة غريبة وقعت في الطريق، عن دمية غريبة ملقاة أرضا في مكان الحادثة، عن نهر تجلّى على نحو عجيب من العدم ليشطر المدينة شطرين، عن جزيرة في الجهة الأخرى من النهر كأنّ بوابة سحرية انفتحت على عالم آخر. وتلك الجزيرة، ليست إلا جزيرة الدمى التي وردت في المخطوط الأوّل.

المخطوطة الثالثة:

تروي عن رجل يقطع الطريق وتصدمه سيارة مسرعة، وبدلا من جثته اكتشفوا مكانها دمية صغيرة مضرجة بالدم.

الحياة الجنسية السرية للدمية:

علاقة شخصية قصص المصحة بالمكان ملتبسة جدا، ذلك أنّ علاقة مصلح الدمى بالمكان علاقة مؤقتة. كان يعتبر حياته نوعا من الفِرار، أو حالة طوارئ دائمة. إنّه الشعور الذي يخيّم على إنسان هذا العصر، حيث البلدان مجرد منازل مؤقتة، والإقامة مجرد محطة استراحة لرحلة جديدة.

ما كان يبحث عنه هو المكان المناسب ليقيم رفقة دميته ( السيدة الدمية )؛ فحياته المشبوهة مع دمية المانيكان، تحتاج إلى عزلة من نوع خاص، فهو يعتبرها ” صديقة المواجع”، و ” رفيقة اللحظات الموحشة”، وهو لا يستلذ الراحة إلا بالتماهي فيها.

في واقع الأمر، فنصوص الدمى يصعب قراءتها من زاوية واحدة، فهي نصوص مركبة، ومفتوحة على لعب سردي متقن، وكل عنصر فيها يفتح مسلكا مختلفا لفهمها.

——————————-

* أستاذ النقد الأدبي والأدب المقارن بجامعة بجاية / الجزائر

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *تكتب :قطيعة معرفية ..مع العقل !

كانت دهشتي بالغة حين أخبرني إبني الطالب بجامعة القاهرة عن  حديث زميل له فيخاطبه متسائلا ...