الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.سامي نصار *يكتب :دموع الجيوكندا…لم تجف بعد !!

د.سامي نصار *يكتب :دموع الجيوكندا…لم تجف بعد !!

تلخص قصة دموع الجيوكندا للأديبة القاصة نادية شكري مأساة جيل السبعينيات آمالا وإحباطات، ثورات وتخاذل، انتصارات وانكسارات جيل تفتح وعيه على نكسة 1967 فهب رافضا لها في حركة الطلاب المصريين المجيدة والرائعة في عام 1968. هذه الحركة التي كانت جزءا من حركة الشباب في العالم كله، وبخاصة حركة الطلاب في فرنسا. ومن هذه الحركة وحولها تنمو أحداث الرواية وتتشابك، وينمو ويتفرع داخلها حلم بسمة –بطلة الرواية -إنه حلم جيل يحاول أن “يصنع شيئا جميلا يعيش طويلا ويعلم الأجيال القادمة”

ما أنا بناقد، ولكنني قارئ. والرواية كنص أدبي مفتوحة على قراءات متعددة، ومن هنا فسوف تكون قراءتي لهذه الرواية من منظور ما تثيره في نفسي من ذكريات وشجون. ولأنني أنتمي لهذا الجيل فقد استولت علي الرواية حتى بت أحس بنبض كل فرد فيها في كل حرف من حروفها، بل أكاد أسمع هتافهم وصراخهم، وأشم رائحة قنابل الدخان، وأشعر بالألم في أنحاء جسمي من هراوات جنود الأمن المركزي، وأحس الألم في عيني وحلقي من القنابل المسيلة للدموع وهي تصبغ السماء أمام جامعة القاهرة بلون بنفسجي داكن، فتتبدى أشجار حديقة الأورمان بخلفية نادرة. وأكاد أسمع صيحات الجنود ودقات أقدامهم على رصيف كلية الهندسة جامعة القاهرة استعدادا للهجوم علينا، ولا يعلو عليهم سوى صوت الراحلة سهام صبري صائحة فينا “ماتخفوش يا رجالة”

إنها رواية مكثفة امتزجت فيها الذات بالموضوع وتلاشت المسافات بينهما، وامتزج في كيان أبطالها التوق إلى الحرية وتحقيق الذات على المستوى الفردي بالأمل في انعتاق الوطن وتحريره من الاستبداد فاختلط في كيانهم ” الحب والحرية والرفض والشعر والرسم والتمرد والثورة” وكل ما يواجهون به العالم. كما امتزج الحب والأمل الذي يذوي “بالإحساس بعذابات المضطهدين، ومواجهة الشر، ورفض الظلم، والرغبة في العطاء والارتباط بالثورة”

ولأن الحلم لم يتحقق، ولأن الآمال لم تنجز، فتواصل الأجيال في الرواية يتحقق بين ابطال الحركة الطلابية في 1968 ويمثلهم سامح وبين ابطال الحركة الطلابية في السبعينيات ويمثلهم بسمة ونبيل. هذه الحقبة شهدت التقاء العمال والفلاحين والطلاب وإجماعهم على رفض الهزيمة والمسئولين عنها، ودخلوا السجون من أجل هذا الرفض. سجون تتجلى فيها الفوارق الطبقية، ويتجدد الشوق إلى الحرية رغم زنازين التأديب والحبس الانفرادي، وتتبلور رؤيتهم، وهم خلف الأسوار، لما يجب أن تكون عليه مصر الجديدة.

والرواية تمثل، أصدق تمثيل، الأدب النسوي الثوري المصري من منظور جديد تصبح فيه المرأة فاعلا وليس مفعولا بها، مبادرة وليست تابعة، مستطيعة بنفسها لا معتمدة على غيرها، مشاركة في الهم الوطني العام مثلها مثل الرجل. والنماذج التي تعرضها الرواية للمرأة لا تقف عند حدود المناضلات المشاركات في الحركة الطلابية، بل تشمل أيضا الزميلات في السجن اللاتي قاسمهن “السوس المفول”، واستنشقن معا غبار العدس، وصنعن من لباب خبز الجراية قطع الشطرنج، وشربن الشاي المطهو على “التوتو”، وكل واحدة منهن أدينت لأنها كانت قادرة على المواجهة وعلى الفعل،

وعلى رفض الثقافة الذكورية المهيمنة بشكل أو بآخر، أو رفض الاستبداد السياسي، والمطالبة بحياة أفضل لكل أبناء الشعب.

وبعد الخروج من السجن، وبعد نصر أكتوبر 1973، تمضي الرواية في “فلاشات” مسرعة ومتتالية تلخص حال مصر، وتحولاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، من ظهور الجماعات الإسلامية وتمكينهم من السيطرة على الشباب في الجامعات، وتمددهم خارجها بعون وتمويل من الخارج وموافقة من الدولة، إلى بداية الانفتاح الاقتصادي على الأسواق الغربية، ورفع شعار “ادخلوها بسلامٍ آمنين” بينما يعربد قانون الطوارئ طليقاً وحيداً على سطح الحياة، وانتهاء عهد الزمن الجميل… زمن الحلم.

وعندما يتأرجح أبطال الرواية بين الحضور والغياب، وتتفرق بهم السبل بين المرض والموت، وضياع الأمل، ووهن القدرة على الفعل، وعندما لم يتبقى منهم شيء، فقد” استأجرتهم المناصب وحب التملك والنفوذ”. هنا، مات الأمل كجنين بداخل بطلة الرواية، وهنا تكتمل الصورة في عين بسمة أو الجيوكندا، كما كان يناديها حبيبها نبيل، عندما تدرك أنه مع مثلها الأعلى خالها الدكتور سامح يدوران في نفس مجرة الزمن الذي فسد هواؤه، فتغلق خلفها باب هذا الزمان، وتمتلئ عيناها بالدموع …التي لم تجف بعد

دموع الجيوكندا…لم تجف بعد !!

دكتور سامي نصار

تلخص قصة دموع الجيوكندا للأديبة القاصة نادية شكري مأساة جيل السبعينيات آمالا وإحباطات، ثورات وتخاذل، انتصارات وانكسارات جيل تفتح وعيه على نكسة 1967 فهب رافضا لها في حركة الطلاب المصريين المجيدة والرائعة في عام 1968. هذه الحركة التي كانت جزءا من حركة الشباب في العالم كله، وبخاصة حركة الطلاب في فرنسا. ومن هذه الحركة وحولها تنمو أحداث الرواية وتتشابك، وينمو ويتفرع داخلها حلم بسمة –بطلة الرواية -إنه حلم جيل يحاول أن “يصنع شيئا جميلا يعيش طويلا ويعلم الأجيال القادمة”

ما أنا بناقد، ولكنني قارئ. والرواية كنص أدبي مفتوحة على قراءات متعددة، ومن هنا فسوف تكون قراءتي لهذه الرواية من منظور ما تثيره في نفسي من ذكريات وشجون. ولأنني أنتمي لهذا الجيل فقد استولت علي الرواية حتى بت أحس بنبض كل فرد فيها في كل حرف من حروفها، بل أكاد أسمع هتافهم وصراخهم، وأشم رائحة قنابل الدخان، وأشعر بالألم في أنحاء جسمي من هراوات جنود الأمن المركزي، وأحس الألم في عيني وحلقي من القنابل المسيلة للدموع وهي تصبغ السماء أمام جامعة القاهرة بلون بنفسجي داكن، فتتبدى أشجار حديقة الأورمان بخلفية نادرة. وأكاد أسمع صيحات الجنود ودقات أقدامهم على رصيف كلية الهندسة جامعة القاهرة استعدادا للهجوم علينا، ولا يعلو عليهم سوى صوت الراحلة سهام صبري صائحة فينا “ماتخفوش يا رجالة”

إنها رواية مكثفة امتزجت فيها الذات بالموضوع وتلاشت المسافات بينهما، وامتزج في كيان أبطالها التوق إلى الحرية وتحقيق الذات على المستوى الفردي بالأمل في انعتاق الوطن وتحريره من الاستبداد فاختلط في كيانهم ” الحب والحرية والرفض والشعر والرسم والتمرد والثورة” وكل ما يواجهون به العالم. كما امتزج الحب والأمل الذي يذوي “بالإحساس بعذابات المضطهدين، ومواجهة الشر، ورفض الظلم، والرغبة في العطاء والارتباط بالثورة”

ولأن الحلم لم يتحقق، ولأن الآمال لم تنجز، فتواصل الأجيال في الرواية يتحقق بين ابطال الحركة الطلابية في 1968 ويمثلهم سامح وبين ابطال الحركة الطلابية في السبعينيات ويمثلهم بسمة ونبيل. هذه الحقبة شهدت التقاء العمال والفلاحين والطلاب وإجماعهم على رفض الهزيمة والمسئولين عنها، ودخلوا السجون من أجل هذا الرفض. سجون تتجلى فيها الفوارق الطبقية، ويتجدد الشوق إلى الحرية رغم زنازين التأديب والحبس الانفرادي، وتتبلور رؤيتهم، وهم خلف الأسوار، لما يجب أن تكون عليه مصر الجديدة.

والرواية تمثل، أصدق تمثيل، الأدب النسوي الثوري المصري من منظور جديد تصبح فيه المرأة فاعلا وليس مفعولا بها، مبادرة وليست تابعة، مستطيعة بنفسها لا معتمدة على غيرها، مشاركة في الهم الوطني العام مثلها مثل الرجل. والنماذج التي تعرضها الرواية للمرأة لا تقف عند حدود المناضلات المشاركات في الحركة الطلابية، بل تشمل أيضا الزميلات في السجن اللاتي قاسمهن “السوس المفول”، واستنشقن معا غبار العدس، وصنعن من لباب خبز الجراية قطع الشطرنج، وشربن الشاي المطهو على “التوتو”، وكل واحدة منهن أدينت لأنها كانت قادرة على المواجهة وعلى الفعل،

وعلى رفض الثقافة الذكورية المهيمنة بشكل أو بآخر، أو رفض الاستبداد السياسي، والمطالبة بحياة أفضل لكل أبناء الشعب.

وبعد الخروج من السجن، وبعد نصر أكتوبر 1973، تمضي الرواية في “فلاشات” مسرعة ومتتالية تلخص حال مصر، وتحولاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، من ظهور الجماعات الإسلامية وتمكينهم من السيطرة على الشباب في الجامعات، وتمددهم خارجها بعون وتمويل من الخارج وموافقة من الدولة، إلى بداية الانفتاح الاقتصادي على الأسواق الغربية، ورفع شعار “ادخلوها بسلامٍ آمنين” بينما يعربد قانون الطوارئ طليقاً وحيداً على سطح الحياة، وانتهاء عهد الزمن الجميل… زمن الحلم.

وعندما يتأرجح أبطال الرواية بين الحضور والغياب، وتتفرق بهم السبل بين المرض والموت، وضياع الأمل، ووهن القدرة على الفعل، وعندما لم يتبقى منهم شيء، فقد” استأجرتهم المناصب وحب التملك والنفوذ”. هنا، مات الأمل كجنين بداخل بطلة الرواية، وهنا تكتمل الصورة في عين بسمة أو الجيوكندا، كما كان يناديها حبيبها نبيل، عندما تدرك أنه مع مثلها الأعلى خالها الدكتور سامح يدوران في نفس مجرة الزمن الذي فسد هواؤه، فتغلق خلفها باب هذا الزمان، وتمتلئ عيناها بالدموع …التي لم تجف بعد

****************************

عميد كلية الدراسات التربوية  الأسبق-جامعة القاهرة

 

شاهد أيضاً

صفاء عبد السلام *:الرجال من المريخ والنساء من الزهرة

  بعد ظهور العديد من البرامج التليفزيونية التي تقوم بإدلاء النصائح للنساء أو الرجال في ...