الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.سعيد اللاوندي يكتب :ثورة الأدب مستمرة 

د.سعيد اللاوندي يكتب :ثورة الأدب مستمرة 

يخطيء من يعتقد أن الأدب‏,‏ كنصوص وأشعار وروايات وقصص قصيرة ومسرحيات ـ بعيد ـ كل البعد عن الثورة التي تعيشها مصر الآن‏,‏ باعتبار أن الثورة تعني التغيير‏,‏ ولا شك أن ما تعيشه مصر الآن هو تغيير كامل في كل شيء‏..‏

وقديما كتب محمد حسين هيكل كتابه الشهير ثورة الأدب, وكان يعني ـ صادقا ـ أن مصر كلها وليس الأدب فحسب تعيش ثورة, وتغييرا في المحور والدفة.. وكذلك عباس العقاد عندما اعترف في كتبه الـ106كتب, أن غدنا سيكون أفضل من حاضرنا, وكلنا يذكر غضبته عندما أصر أحد كبار الساسة علي أنه علم الشعب المصري الكرامة!, وقال العقاد قولته الشهيرة: إن الشعب المصري يعرف الكرامة منذ آلاف السنين ولم يكن في حاجة الي أن يأتي أحد أحفاده الصغار لكي يعلمه الكرامة!.. أقول ذلك مؤكدا أنه بغير أدب فولتير وكتابات ديدرو وروح القوانين التي أبدعها مونتسكيو لما تهيأ لنا أن نعرف الثورة الفرنسية.. وكذلك لولا كتابات طه حسين وأحمد لطفي السيد وتوفيق الحكيم لما قدر لنا أن نشهد ثورة2591 والضباط الأحرار..
والشيء بالشيء يذكر.. إذ لولا كتابات الأدباء, والعصف الفكري الذي عاشه المثقفون مرة, ثم مرة, ثم مرات, وحديثهم عن الفساد والمفسدين والانتهازيين.. لما عرفت مصر ثورة52 يناير تلك الثورة المجيدة التي تحاول من خلال جميع طوائف الشعب أن تحدث التثوير في كل شيء..
ولن تنسي هذه الثورة الأدب والأدباء الذين ساهموا في اشعالها بكتاباتهم الجريئة.. لكن للأسف لا يعترف أحد من التنفيذيين بهذه الحقيقة.. فلقد انعقد مؤخرا في أحد الأقاليم مؤتمر للأدباء واختار لنفسه عنوانا يسنح في نفوس الكثيرين وهو: الكاتب.. وتحديات اللحظة الراهنة حيث يسلط الأضواء علي عقول الكتاب ودورهم في تشخيص حالة الفصام التي يعانيها الشعب المصري الآن.. وبرغم ذلك لم يعترف أحد لا المحافظ باعتباره ممثلا لرئيس الدولة, ولا.. رئيس الاتحاد باعتباره الرئيس التنفيذي المباشر لكتاب مصر.. بهؤلاء القوم الذين يهذون ـ من وجهة نظرهما ـ في ركن قصي من هذا العالم.. وهو الأمر الذي ذكرني بمؤتمر للأدباء في فرنسا انعقد قبل سنوات وحضره كل المبدعين الذين يكتبون باللغة الفرنسية.. واعترف أن الدولة الفرنسية قد اهتمت به وحضره رئيس الجمهورية وكان الراحل فرانسوا ميتران, الذي تكلم عن لغة فولتير واستمع الي الأدباء القادمين من وراء البحار!!
لست أريد ـ وأقول الحق ـ أن يحضره رئيس الجمهورية كما فعل فرانسوا ميتران.. لكن أن يحضر من ينوب عن المحافظ, وكذلك يحضره من ينوب عن اتحاد الكتاب.. لكن المؤسف أنهما تعاملا مع الأدباء.. كما لو كانوا أطفالا يعبثون!
وهذا يسوقنا الي نقطة أخري, وهي أننا مولعون بصناعة الآلهة, فرئيس اتحاد الكتاب لقد اختاره ـ بالانتخاب الأدباء.. لكن لسبب ما.. تجدهم ينظرون إليه كإله.. وهذا لعمري داء يستشري فينا, نحن الشعب المصري, لا نعرف له سببا.. فرئيس الاتحاد أيا كان.. هو في الأصل كاتب مثل أحدث الكتاب سنا, بمعني أنه ليس إلها.. وقديما قال ساركوزي رئيس فرنسا السابق: الغائب دائما ليس علي حق, وبالتالي فلقد أخطأ رئيس الاتحاد عندما لم يحضر.. ولم يرسل من ينوب عنه!
كذلك محافظ الإقليم الذي لم يجد ما يفتخر به سوي أحد أقاربه وهو الناقد: أنور المعداوي.. وبرغم ذلك لم يحضر ولم يرسل ـ هو الآخر ـ من ينوب عنه!
ولن أنسي الجهد الذي قامت به الشاعرة فاطمة الزهراء فلا, وكذلك الشاعر جابر بسيوني, كذلك حضور كوكبة من الأدباء علي رأسهم الشاعر المعروف ابراهيم رضوان والمبدع فؤاد حجازي والكاتبة مريم توفيق والكاتب فرج مجاهد, وسمية عودة, ومحمود الهامشة, ووحيد راغب وحنان فتحي وآخرون يصعب أن أذكرهم في هذه العجالة.
لكن ما أود التأكيد عليه, هو تقسيم المجتمع المصري وتصنيف مبدعيه.. فهذا التقسيم شيء مرفوض ومقيت ولن يخدم الثورة المشتعلة الآن في ميادين مصر..
.. أدباء الأقاليم لهم مطالب ابداعية بالأساس تتعلق بالنشر كما تتعلق بوجودهم.. وابداعاتهم تود أن يعرفها الناس وألا ينسلخ الأديب عن الشعب المصري.. فهم جزء منه.. وهم ـ بما يكتبون ـ ضميره الذي لا ينام ولا يرحم!
باختصار, بما أن مصر تعيش ثورة مستمرة.. فالأدب كذلك.. وليس من شك في أن المعادلات التي كانت تحكم الأدب في السنوات الماضية والمحسوبة علي النظام السياسي السابق قد انتهت, أو آن لها أن تنتهي.. لتحل محلها معادلات جديدة ليس من بينها اعطاء الأدباء في الأقاليم امتيازات لطباعة نشرتهم أو تعاملهم وفق مشروع الرعاية الصحية للأعضاء.. فهذه أمور باتت اليوم من حقهم علي الدولة..
ومن لا يجد في نفسه هذه الشروط.. أو الوقت اللازم فليرحل.. ويترك الأدب لأهله.. فثورة الأدب مستمرة!

=====

نقلا عن جريدة الأهرام

شاهد أيضاً

محمد عرفات حجازي *:جدل الحضارة والأخلاق عند ابن خلدون

يقول نيكلسون عن ابن خلدون: أنه لم يسبقه أحد إلى عرض الأسباب الخُلقية والروحية التي ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *