الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.فاطمة الحصي*تكتب :فيروس الحريم عند المرنيسي
الباحثة /فاطمة الحصى

د.فاطمة الحصي*تكتب :فيروس الحريم عند المرنيسي

فيروس الحريم عند المرنيسي

قراءة في كتاب هل أنتم محصنون ضد الحريم
لفاطمة المرنيسي

تتساءل فاطمة المرنيسي في كتابها ” هل أنتم محصنون ضد الحريم ؟! ” حول أسباب رسم الفنانين الأوربيون (أمثال إنغرو ودولاكروا وماتيس وبيكاسو ) لمحظيات ، وعدم رسمهم لجواري !!
وترد على هذا التساؤل بأنهم فعلوا ذلك لأن مخيلتهم كانت ملتهبة بفعل حريم السلاطين العثمانيين الذين بسطوا سيطرتهم على أوروبا وأرهبوا عواصمها منذ سقوط القسطنطينية عام 1453حتى اوائل القرن العشرين .
تهتم المرنيسي في هذا الكتاب بدراسة اسباب تعاسة الجيران الأوروبيين -كما تطلق عليهم – على الرغم من تمتعهم بالصحة الجيدة والثروة ، وتُرجع هذه التعاسة الى كون رجالهم يحلمون دوما بالحريم دون الاعتراف بذلك علنا لأن القانون يمنعهم !
ترى المرنيسي أن رجال العالم الغربي قد أصابهم “فيروس الحريم “،هذا الفيروس- الذي جعل العالم الغربي موبوء، يهاجم الدول التي تحررت فيها النساء بالتحصيل العلمي والنزول إلى سوق العمل !
تسخر المرنيسي من رجال العالم الغربي وهى تصف – بدقة متناهية – “فيروس الحريم ” الذي أصاب أغنى دول العالم مفندة لرجال الغرب أساليب غواية النساء المتحررات باستخدام الثروة اللغوية والشعرية التي يمتلكها العرب فتصبح الحبيبة جارية بملء ارادتها !!
تقدم المرنيسي لنا نظرة تاريخية مبهرة -بالنسبة لي – حيث تعود الى القرن السابع عشر والثامن عشر والفرنسيون بالشوارع ثائرون يطالبون بالمساواة للجميع ، وهى برؤيتها الساخرة تقول :”انتصرت المساواة هنا وهناك إلا في محال اقتناء لوحات الحريم “! فالمواطنين الأثرياء فقط من كانوا قادرين على اقتناء لوحات الحريم او شراء المحظيات الرقيقات في حين ظل الفقراء يتكلون على مخيلتهم !
إذن الفنانون الأوروبيون يصورون الحريم في لوحاتهم من أجل زبائنهم من النخبة والبرجوازيون الأثرياء الى أن تم استخدام آلة التصوير وتم التمازج مابين اللوحات وصورها .
هكذا ببساطة وبإسلوب عفوي ساخر تصطحبنا فاطمة المرنيسي باحثة علم الاجتماع في رحلة الى القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر لتخبرنا بلا تردد بأن فكرة الحريم هى فكرة متأصلة لدى الغرب وأن ما يقومون به الآن من محاولات للترفع عليها ماهو الا دور يلعبونه ولا يتقنونه لأنه يخالف رغباتهم الدفينة والحقيقية !!
تتخذ من الفنان “ماتيس ” مثل تطبق عليه وجهة نظرها تلك ، الفنان ماتيس الذي أمضى حياته يرسم لأبناء بلده “فرنسا”مواطنات ينتمين إلى الجمهورية الفرنسية متنكرات بزي زهرة الطنجاوية التى التقاها بالمغرب يوما ، ورسم الكثير من المحظيات بإعتبارها مثال للأنوثة في كل الأوضاع الممكنة وأحدث تأثيرا عميقا في المتخيل العام والذوق الرائج بهدف الربح، فكان يبيع العشرات من لوحات المحظيات في سوق الفن في الوقت الذي كانت فيه نساء أوروبا يناضلن من أجل حقوقهن !
هكذا تتناول المرنيسي كل هذه التناقضات لدى الرجل الغربي من الناحية النفسية والإجتماعية والفكرية والتاريخية لتميز في النهاية بين مستويين من الحقيقة :الحقيقة التي تصنعها النساء تاريخيا متمثلة – على سبيل المثال – في حرص نساء تركيا على التعلم وتحقيق الذات فأصبحن محاميات وطيارات في العام 1930 وبين الاستيهام الذي يشكل جزء من واقع المواطن الفرنسي ماتيس عام 1930- على سبيل المثال أيضا – وتمسكه بالمحظية التي في خياله ، وتمضي المرنيسي في التتبع التاريخي للحركة النسوية في أوروبا وحصول المرأة على حق الملكية وحق الاقتراع بالتوازي مع حركة انتشار لوحات المحظيات بإلقاء الضوء على خطوات ماتيس في رسم لوحات المحظيات لتجسيد حجم التناقضات التي يتمتع بها الرجال الغربيين بإنبهارهم بالمحظيات وفي نفس الوقت سعيهم لتجاوز هذه الذهنية وتغييرها !
وترى المرنيسي أنه على غرار ماتيس في العشرينات والثلاثينات لا يزال الكثير من الرجال الغربيين يحتاجون الى المحظيات في عصرنا الحالي !
كما تحرص المرنيسي على تتبع الحريم التركي لسلاطين السلالة العثمانية حيث ترى أنهم اثاروا استيهامات الأوروبيين على عكس ما رُوج من أن حريم هارون الرشيد هن اللواتي أثاروا استيهامات الأوروبيين ، وذلك من خلال تتبع تاريخي منذ فتح القسطنطينية أو بيزنطة (التي تحولت فيما بعد الى اسطنبول ) على يد السلطان محمد الثاني عام 1453 وبلوغ الامبراطورية العثمانية مشارف أوروبا .
ترى المرنيسي أن القدرة الاستيهامية لكلمة حريم تأتي من العلاقة بين الفتح العسكري واسترقاق النساء واستباحتهن من قبل السلطان الغازي وهى تصرح في النهاية بأن العرب لم يكونوا آباء الحريم ، وأن الإغريق والرومان سبقوهم في هذا المجال ، بل وقبل ظهور الإسلام ب700 عاما ، وقتما كان الاغريق يمارسون الحَجْر على النساء وكان ممنوعا على النساء المحترمات الخروج للتسوق او التنزه بالأماكن العامة كالأسواق ، وكان الفصل بين الجنسين باديا حتى في تصميمات المنازل ،هذا بالاضافة الى وجود الإماء أو الخليلات المتفرغات لمتعة السيد الجنسية …
وتدلل المرنيسي على أن العرب قبل الاسلام كانوا يضاهون الاغريق عنصرية ، ولكن بظهور الاسلام على أراضيهم تراجع كل ذلك ..
بل أنها تؤكد على تكريس المؤرخين المسلمين منذ القرون الأولى لظهور الاسلام لمكانة المرأة البارزة ، ومحاولتهن الدائمة لإنتزاع السلطة من الرجال مؤكده على اختلاف شهادتهم عن شهادات المؤرخين الأوروبيين مؤكده على كون الأتراك قد منحوا النساء مكانة بارزة في الساحة السياسية ذاكرة كيف عارض الخليفة العباسي المعتصم بالله تولي شجرة الدر عرش مصر عام 1250..وهى في ذلك تبرز حجم التناقض ما بين الحقيقة التاريخية وبين اصرار كل من انغر في القرن التاسع عشر وماتيس في القرن العشرين على رسم محظيات تركيات مستسلمات ومسترخيات في حين يذكرهن التاريخ الاسلامي كنساء تخطين حدود الحريم ومارسن السياسة أكثر مما سمحت به التقاليد آنذاك ..
وتستعرض المرنيسي كيف تم اصلاح قاون الأحوال الشخصية بتركيا عام 1923 على يد كمال أتاتورك وحظره لتعدد الزوجات ومنحه النساء امتيازات كثيرة ،وحصولهن على حق الإقتراع وتم انتخاب 17امرأة في البرلمان وقام اتاتورك بتجنيدهن بالجيش التركي متساءلة حول القطيعة التي حدثت مابين التركية الحبيسة في دور المحظية التي رسمها ماتيس والحقيقة التاريخية حول تحرر المرأة آنذاك واسباب عدم قبوله لهذا التحرر والمساواة في الشرق!
وتتخذ المرنيسي في نهاية كتابها من كاهن ألماني دعا الى تعدد الزوجات (يوهان ليزر)في عام 1674 دليل على كون الرجل الأوروبي لديه الرغبة بإمتلاك العديد من النساء والحريم ولكن الخوف من الإسلام هو ما يقمعه ، حيث أن ادانة تعدد الزوجات يعني رفض المسلم .
وتنتهي المرنيسي بالحديث عن فيكتور هوجو وديوانه الشعري الذي يحمل عنوان “الشرقيات “1829 وحديثه عن أن الشرق بالنسبة للعقول والمخيلات هو مثار اهتمام .
اذن الشرق الخاضع للاستعمار جعل المستعمر مهووسا من خلال استيهام الحريم !
ولكن الصادم في هذا الكتاب هو تطرق المرنيسي لما أسمته بالخصي الأوروبي فقد فسرته بطريقة مختلفة حقا ، فهى تقول أن المسيحية لا تعترف بالمتعة بل وتحض على تفاديها حتى في إطار الزواج ، لذا فالجيران المسيحيين يواجهون مشكلة عويصة وهى أن الزوج عليه ان يضبط نفسه باستمرار ويعيش حالة من الامتناع في حين يتمتع المسلم بحقه في المتعة بلا قيود وتستشهد المرنيسي بكتابات تؤكد على أن الزواج المسيحي قد يؤدي الى اخصاء حقيقي للرجل….
وبذلك تكون المرنيسي قد أكدت من مراجع تاريخية وعلمية على كون فكرة الحريم ليست عربية . ..
لقد كانت فاطمة المرنيسي تدافع عن الإسلام في متن كتاباتها وتمارس النقد المزدوج على المجتمعات الغربية والعربية في آن مثلها في ذلك مثل الجزائري محمد أركون الذي أبدى اعجابه بها في حديث خاص معي بمعية زوجي د.سعيد اللاوندي ذات يوم باريسي ،يبقى لدي تساؤل هو لماذا لم تصل أفكار المرنيسي في دفاعها هذا إلى العالم العربي كما ينبغي ،ولماذا لم يصل الى مصر بصفة خاصة ؟

***********

*كاتبة من مصر

شاهد أيضاً

محمد عرفات حجازي*يكتب:مؤسسات المجتمع المدني والمنظومة الأخلاقية

فاعلية مؤسسات المجتمع المدني في المنظومة الأخلاقية يعبّر مفهوم المجتمع المدني عمومًا عن هموم وظواهر ...

تعليق واحد

  1. ابراهيم عنان

    مقال جميل منك دكتورة فاطمة الحصي والموضوع – الذي تطرحه المرنسيي – اوسع من ذلك لكنه مجهول في الوعي العربي المعاصر فكل ماهو موجود هو ان الشرق متخلف والمراة مقموعة جسديا ومعنويا وان الغرب متقدم ومتحرر والمراة متحررة جسديا وفكريا وانه لا مشكلة فالامور بالابيض والاسود ولكن قلة من المثقفين العرب يبحثون في ان صورة الحريم روج لها الغرب من خلال ادب الرحلات الذي يفترض انه كان ادبا وثائقيا لكن الكاتب الفرنسي / الن اغروريشارد / درس بعمق مقدار التخيل والفانتازيا في صورة جناح الحريم باعتباره هوسا غربيا لا شرقيا وذلك في كتابه / بلاط السلطان / ومن المؤسف اني لم اجد ترجمة عربية للكتاب ومازلت ابحث عن النص الانكليزي – لاني لا اتقن الفرنسية – وربما تستطيعون بجهودكم من خلال هذا الموقع الاقتراح بترجمة الكتاب – اقول هذا بعد اهتمامي لعدة سنوات بالبحث عن نص عربي او انكليزي للكتاب دون ان اجده وكنت قد عرفته من خلال مقابلة عربية مع المؤلف اجراها جاك ناصيف في عدد من قديم من مجلة / الفكر العربي المعاصر /