الرئيسية / أخبار ثقافيه / فاطمة السردي *تكتب :الترياق من السم

فاطمة السردي *تكتب :الترياق من السم

ميز الدكتور محمد عابد الجابري العقل العربي بين مشرقي و مغاربي، إلا أن العقل عموما واحد، و مدخل المقارنة ربما يكون الثقافة و ليس العقل و أساسها اللغة، فالمغرب العربي يعترف بسياقه الاجتماعي و اللغوي التعددي و في المجمل مزدوج اللغة على الأقل، هذا الازدواج خاصة العربية و الفرنسية صنع حالة من الجدل و الحيوية للمجال الثقافي المغاربي على مستوى اللغة العربية باتصاله باللغة الفرنسية و يظهر هذا جليا في مجال الترجمة و الدراسات اللغوية و النقدية، نحن في المشرق نقابل مشكلة صعوبة مصطلحات و ترجمات الكتب المغاربية فهي واضحة لهم في حين أن غالبية مرجعية المشرق انجليزية، و رغم التعويل على الترجمة إلا أن الترجمة حرفيا خائنة و يزيد الأمر تعقيدا أن الترجمة العربية خاصة العلمية تدخل في باب الطلاسم، ليس في المصطلح الذي تتعدد ترجماته و لا يتفق عليها و إنما المصطلح نفسه الذي يتداخل في سياقه الثقافي و الاجتماعي التاريخي التراكمي مما يجعل من الترجمة عملية شاقة أشق منها التلقي فتكون هناك فجوات معرفية فوضوية يصعب تراكمها و يخلق وعيا مشوها يوهم بالعلم الزائف علاجه أصعب من الجهل ذاته و يباعد بيننا و بين المعرفة في زمن المعرفة الموسوعية و التداخل بين العلوم المختلفة .

تاريخيا ازدهرت علوم اللغة العربية في ظل تنوع ثقافي جدلي بين هندي و فارسي و سرياني و عبري و يوناني بسياقات مختلفة هناك نقص كبير في دراسات هذا السياق، فحيوية اللغة مرهونة بالتنوع و التعدد أو على الأقل الازدواج في جدلية خلاقة…

في مصر ازدواجية لغوية معطلة حيث تعاني الفصحى و العامية تدهورا شديدا، أعتقد أن العامية أشد تضررا باعتبارها لغة الحياة اليومية و نحن بحاجة إلى دراسات تبين العلاقة بين تدهور العامية و الفصحى، هل هناك رابط بينهما؟  العلاقة القوية بينهما لافتة و من الغريب أنها لم تدرس على النحو الكافي، فغالبية مفردات العامية أصلها فصيح بشكل مذهل فكيف تلاقت اللغتان؟ تطوع العامية الفصحى بقواعد نحوية و صرفية تختلف عن الفصحى و هذه القواعد تاريخية من قبل وجود العرب بمصر و نتوقف هنا قليلا…

عرفت مصر عدة لغات و خطوط قبل العربية و بالعودة لمصر القديمة لو بحثنا في الخطوط سنجد أقدمها الخط الهيروغليفي كخط مقدس للنصوص المقدسة و جدران المعابد و كانت لغة صعبة لها كتاب متخصصون و صعبة على العوام بالطبع، ظهر فيما بعد الخط الديموطيقي و يعني كتابة الشعب و من المفارقة أن العلاقة بين الهيروغليفية ( الكتابة المقدسة) و الديموطيقية ( كتابة الشعب) ، فالفصحى لغة القرآن الكتاب المقدس و الخطأ فيها يعد من الخطايا بينما العامية لغة الشعب.

و لما كانت الازدواجية اللغوية بين العامية و الفصحى حقيقة واقعة و لكنها ساكنة غير مفعلة كيف نحولها إلى جدلية خلاقة و بدلا من أن تكونا ضحية لوحش العولمة كيف نروضه ؟ كيف نأكل الوحش بدلا أن يأكلنا؟

كيف نتصل بالعالم و الزمن و نحيي لغتنا و نحل كثير من المعضلات الثقافية و الاجتماعية التي تتكلس بمرور الوقت بلا حل؟

الحل للمفارقة ليس جديدا بل تم طرحه في النصف الأول من القرن الماضي و لكن قوبل بالرفض و أسباب الرفض معقولة إذ كيف يقبل المصريون و غالبيتهم يعتزون بعروبتهم بتحويل الحروف العربية إلى اللاتينية ؟!

إلا أن أسباب الرفض تنتفي إذا ما أبقينا على الفصحى كلغة رسمية مع الاعتراف بالعامية كلغة ثانية و تحويل حروفها إلى اللاتينية ( حدث على السوشيال ميديا)  و بذلك نخلق الجدلية الفعالة للغة و الهوية و نلحق بالعلم و المستقبل ، فالعربية متضمنة في بنية العامية التي ستشكل قاطرة لتطوير الفصحى…

******************************

*اعلامية -مصر

شاهد أيضاً

المفكر الجزائري محمد أركون بمعرض القاهرة للكتاب 2019

المفكر الجزاري محمد أركون الذي توفى في عام 2010 سيكون حاضرا بقوة في معرض القاهره ...

تعليق واحد

  1. محمد عادل زكي

    مقال هايل
    تحياتي