الرئيسية / أخبار ثقافيه / محمد عرفات حجازي *:جدل الحضارة والأخلاق عند ابن خلدون

محمد عرفات حجازي *:جدل الحضارة والأخلاق عند ابن خلدون

يقول نيكلسون عن ابن خلدون: أنه لم يسبقه أحد إلى عرض الأسباب الخُلقية والروحية التي تكمن خلف سطح الوقائع، أو إلى اكتشاف قوانين التقدم والتدهور.(1) ومن أجل توضيح موقف ابن خلدون من أسباب قيام الحضارات وانهيارها، وموقع الأخلاق من هذا الجدل، تجدر الإشارة سريعًا إلى ظروف عصره، حتى يتسنى فهم فلسفته الحضارية الأخلاقية بصورة واضحة.
أطل القرن الثامن الهجري، أي عصر ابن خلدون، والبلاد العربية في انهيار ثقافي وسياسي من جراء ما توالى عليها من محن؛ فقد استولى الأسبان على معظم بلاد الأندلس، وغادرها عدد كبير من العرب ملتجئين إلى تونس ومراكش. وكان بنو الأحمر في غرناطة يسوسون ما تبقى من الأندلس في تنافس على الحكم، وفي نزاع تستعر نيرانه فيما بينهم وبين سلاطين المغرب..
أما المغرب فقد كان حافلًا بالثورات والفتن، تتعاقب فيه الدول تعاقبًا سريعًا، وتتنازع فيه السلطان أسر بعد أسر، ويستقل أمراء بحكم القواعد والثغور من مثل قسنطينة، وبجاية، وتلمسان، وغيرها.
بينما مصر، فكانت تحت حكم المماليك، وكان الحال فيها غيرها في المغرب والأندلس، وكانت بعيدة عن هذا التناحر الذي انتشر بين الأسر المختلفة، وبين السلاطين والوزراء والخارجين على السلطة.(2)
وهكذا كان عصر ابن خلدون حافلًا بالأحداث السياسية، يعمّقه القلق والاضطراب، وقد تزامن ذلك مع بدايات ظهور الحضارة الأوروبية، حين بدأت ملامحها تتجلى في الدعوة إلى الإنتاج الفكري، أو ما يعرف بالنهضة الأوروبية..
لقد ربط ابن خلدون تبدّل الأحوال في العمران بتبدّل الأعصار، من خلال علاقة ديالكتيكية، وقال بأنّ الدول والحضارات تتعاقب عليها أطوارٌ ثلاثة وهي: طور البداوة، وطور التحضر، وطور التدهور. ولكل طور من هذه الأطوار سماته الأخلاقية التي تميزه عن غيره.

أولاً: طور البداوة:

اعتبره ابن خلدون مرحلة سابقة على مرحلة التحضر؛ لأنّ اجتماع البدو من أجل الضروري من القوت، بينما يتعلق أهل الحضر بفنون الملاذ وعوائد الترف، ورأى أنّ أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر، وسبب ذلك “أنّ النفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت متهيئة لقبول ما يَرِدُ عليها وينطبع فيها من خير أو شرّ”، بينما “أهل الحضر لكثرة ما يعانون من فنون الملاذ وعوائد الترف والإقبال على الدنيا والعكوف على شهواتهم منها، قد تلوثت أنفسهم بكثير من مذمومات الخُلق والشرّ”، خلافًا لأهل البدو الذين “… وإنْ كانوا مُقبلين على الدنيا مثلهم إلا أنه في المقدار الضروري لا في الترف ولا في شيء من أسباب الشهوات واللذات ودواعيها”.(3)
ومن جهة أخرى، فإنّ أهل البدو أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر، وسبب ذلك أنهم “لتفردهم عن المجتمع… وانتباذهم عن الأسوار والأبواب قائمون بالمدافعة عن أنفسهم، لا يكلونها إلى سواهم”، بينما أهل الحضر “ألقوا جنوبهم على مهاد الراحة والدعة، وانغمسوا في النعيم والترف…”،(4) وعليه، فالإنسان ـ حسب ابن خلدون ـ ابن عوائده ومألوفه، لا ابن طبيعته ومزاجه، أي أنّ العادات أعظم أثرًا في النفس والخُلُق من أثر الطبيعة.
وهكذا، يشير ابن خلدون إلى أن حياة البدو تسبغ على أهلها أخلاقًا فاضلة كالدفاع عن النفس والنجدة، والشهامة والغيرة على الاستقلال، ومن هنا يتضح إعجابه بتلك المرحلة، والتي يعتبرها مجمعًا لعدد أكبر من الفضائل الإنسانية.

ثانياً: طور التحضر:

إن عامل قيام الحضارة هو العصبية، وهذه الأخيرة هي أساس قوة القبيلة، ولا تكون الرياسة إلا في أهل أقوى العصائب، وعندما تستقر الدولة، تسعى إلى تحسين وسائل العيش، وتلجأ إلى تشييد المدن، والاستكثار من الموالي والصنائع ـ والتي هي من لوازم الترف،(5) وانتشار الترف، على ما يصف ابن خلدون، يسبب انحلال الدول، وأنه إذا كان يزيد الدولة في أولها قوة إلى قوتها، وهو غاية الحضارة، فإنه العلة الأساسية لطروق الخلل في الدولة، ومؤذن بالفساد، وهو ما يعني أن الترف يلعب دورًا متناقضًا في قيام الحضارة وانهيارها.
ويحمل ابن خلدون في مقدمته على الحضارة، ويرى أنها تضعف من يملك أسبابها ويستسلم لنعيمها، حيث يقل حماسه للجهاد والصراع، وتفسد الحضارة طبعه ويستولي عليه الترف، وتتبدل أخلاقه. وهنا يتشابه ابن خلدون مع روسو في أن حياة المدن تفسد الأخلاق، كما أكد شبنجلر لاحقًا على أن حضارة الدولة تعني نهايتها وبداية تدهورها.

ثالثاً: طور التدهور:

رأى ابن خلدون أنّ عوامل تحضّر الدولة هي عوامل تدهورها؛ فالعصبية التي تتمّ بها الرياسة والملك، تدفع صاحب الرياسة إلى الانفراد بالمُلك والمجد، فيأْنَف عن أنْ يشاركه أهل عصبته، فيدفعهم عن مُلكه ويأخذهم بالقتل وسلب النعمة حتى يصبحوا أعداءه، ومن جهة أخرى، فإنّ العامل الحاسم في ضعف الدولة هو الترف؛ إذ أنه إذا كان قد زاد من قوة الدولة في أولها، فإنه أشد العوامل أثراً في ضعفها وانهيارها؛ وذلك لما يلزم عنه من فساد الخُلُق، والعكوف على الشهوات، فتذهب من أهل الحضر طباع الحشمة وخشونة البداوة، ويُضعف العصبية والبسالة.(6)
ولكن، هناك اعتراض بشأن كون الترف يؤدي إلى التدهور الحضاري نتيجة لإسراف الناس في الملذات، وبحثهم عن الراحة؛ لأن الترف في ذاته ليس ضررًا أو مفسدة، بل هو مطلب إنساني عام، وأنه ليس حالة من حالات الحضارة وإنما هو موقف منها.(7)
ومجمل القول: فقد أكد ابن خلدون على الدور الرائد والفعال للأخلاق في تاريخ الدول الحضاري؛ حيث أشاد بأخلاق البدو، وقربهم من الخير والشجاعة والدفاع عن النفس والنجدة، وأن هذه القيم الفاضلة هي التي تساعد القبيلة على الانتقال من طور البداوة لطور التحضر، ومن جهة أخرى، فإن انتقال المجتمع من طور حضاري لآخر يفقده بعضاً من أخلاقياته وقيمه؛ حيث تتبدل أخلاق صاحب الدولة إلى الأنانية والجشع والطمع، إلى جانب ارتكانه إلى النعيم والترف، وفي مقابل ذلك، تتبدل أخلاق الشعب، إلى الحقد والحسد والكراهية بسبب ممارسات صاحب الدولة وانتباذه لهم، ومن هنا ينشأ الصراع السلطوي، وهو ما يسبب أفول الحضارة وانهيار الدول. وعليه يمكن القول: أنه إذا كان انهيار الحضارة مرتبطاً بانهيار الأخلاق، فإنّ بداية الحضارة وتطورها تؤذن بتبدل الأخلاق وانهيارها.
وفي هذا السياق، يذكر غوستاف لوبون مثالاً على ذلك، بأنّ الرومان كانوا أيام سقوطهم ذوي عقول أرقى من عقول أجدادهم القاهرين، ولكنهم سقطوا لأنهم فقدوا صفاتهم الأخلاقية، فأضاعوا المثابرة والعزيمة، والجلد الذي لا يعرف الوهن، وهو ما يدل على عظم تأثير الأخلاق في حياة الأمم؛ عكس تأثير العقل، فهو ضعيف على تفاوتٍ فيه.(8)

وفي عصر الحداثة السائلة، إذ نرغب في النهوض بأمتنا، لا بد من الأخذ بعين الاعتبار ما خلص إليه ابن خلدون من آراء تخص الارتقاء والأفول الحضاري.. فلا مناص من الحوار الحضاري، ولكن لنحترس من التأثر السلبي بسلوكيات قد تدمر واقعنا الأخلاقي.. ينبغي التمسك بمبادئنا وقيمنا الأخلاقية كي لا ننحدر إلى هاوية الحضارة ونستقر في قاع التاريخ…
“إنما الأمم الأخلاق ما بقيت، فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا”.

أهم مراجع المقال

  1. ابن خلدون، المقدمة، تح/ أبي عبد الرحمن عادل بن سعد، الدار الذهبية، القاهرة، مصر،د ت.

  2. أحمد محمود صبحي، في فلسفة التاريخ، مؤسسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية، 1975م.

  3. حسين مؤنس، الحضارة – دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطورها، عالم المعرفة، ط2، 1998م.

  4. وحنا الفاخوري، وخليل الجر، تاريخ الفلسفة العربية، دار الجيل، بيروت، ط3، 1993م، ج2.

  5. زينب الخضيري، فلسفة التاريخ عند ابن خلدون، دار التنوير، لينان، ط2، 1985م.

  6. غوستاف لوبون، سر تطور الأمم، ت/ أحمد فتحي زغلول باشا، دار النفائس، بيروت، ط1، 1987م.

  7. Reynold Nickolson: A Literary history of the Arabs.

*********************

*(باحث أكاديمي مصري)

شاهد أيضاً

د.احمد عبد الحليم عطية يكتب : زكريا ابراهيم ..رائد الفكر الأخلاقي

ونحن نتذكر ما قدمه زكريا ابراهيم من جهوده فكرية متميزة‏,‏ نتذكر ملامح الابداع الفسلفي في ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *