الرئيسية / أخبار ثقافيه / نعمان الحاج حسين*يكتب :الانتلجنسيا الرثة والأصولية

نعمان الحاج حسين*يكتب :الانتلجنسيا الرثة والأصولية

الانتلجنسيا الرثة والأصولية
فائض القيمة الرمزي

” استعادة الماضي هي استعادة مخاتلة للحاضر ” – هيجل –

 

في كل مكان ظهرت فيه الجماعات الأصولية رسمت قوسا اوسع من ان يكون حقيقيا أو ذا معنى اجتماعي، وانه لأمر اقرب للسخرية ان يتم تحليل أوضاع دول تختلف تاريخيا في نموها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، كما لو ان اوضاعها متطابقة ان كانت كلها دول مسلمة ، ولو كانت البنية الفوقية افتراضيا هي التي تحدد البنية التحتية – وهذا يتناقض بشكل صارخ مع التحليل الماركسي – لكنه ايضا يتناقض مع التحليل العلمي الموضوعي ومع الإحساس العقلي السليم فما هي طبيعة هذا النوع من التحليل ؟ ومثل كل المثقفين، يتحدث المثقفون العرب عن المناهج لكنهم لا يكتبون اي عمل منهجي حول صعود الاصولية المعاصرة .
وبينما لا يعاند باحث في القول باستحالة تطابق مجموعة من الافراد ضمن مجتمع واحد لمجرد ان هذا المجتمع ذا هوية ثقافية او دينية محددة ، إلا ان المحللين اليوم ينطلقون في دراسة البلدان العربية (والإسلامية) من مسلمة مفرطة في التبسيط : انطلاقا من هوية واحدة وشمولية هي الاسلام !.. وأنهم يستطيعون نقل تحليلهم من بلد إلى بلد ضمن الفضاء نفسه دون تغيير في المعطيات ، لكن هذا القوس الواسع للظاهرة لا يجعلها عصية على التفسير ، كما لو انها بسيطة جوهريا وغير قابلة للانقسام (الاسلام هو الاسلام – الظاهرة والجوهر) بل على العكس فانه يكشفها كظاهرة مركبة قابلة للتفكيك وللتفسير كظاهرة سطحية لا يمكن تتبعها في عمقها المحلي الاجتماعي والسياسي المتنوع انطلاقا من الأعلى الى الأسفل؛ بل من المحيط والأطراف عائدين بها الى مركز الظاهرة فمجتمعات الاطراف هذه متنوعة حد الاختلاف ، حيث الاسلام يضم عشرات القوميات والأعراق المتباينة ، بينما الظاهرة موحدة وهي خارجية أكثر مما هي داخلية في العمق ، ومن هناك أي من (المركز) او (الخارج) يمكن تتبعها الى المحيط ، أما الذين يقومون بتتبع عمقها الاجتماعي والسياسي المحلى فانهم يصطنعون عمقا ، ويزيفون الواقع ويستحيل عليهم تفسير الشبه بين افغانستان والجزائر ولبنان ، فلا يمكن ادراك هدف عقلاني للظاهرة بحسب خطاب هلامي لجماعات هلامية دون مستوى الإيديولوجيات ، كما انه من غير الممكن مطابقة الظاهرة للجوهر اوكما يقول (ماركس): “لو كان تجلي اشكال الاشياء وماهيتها متطابقين لكان العلم امرا نافلا.” والعلوم ، بما فيها علوم السياسة والإجتماع ، ليست من نافل القول كما نعلم .. وما تفعله الانتلجنسيا العربية الراهنة انها حتى حين تنظر بوعي في التاريخ تخرج بتساؤلات – ناهيك عن الاجابات – غير تاريخية وبالتالي فانها تصبح اقرب الى اللاوعي واللاعقلانية منها الى العقلانية او الوعي..وتصبح ارضا للأساطير السياسية اي انها تنتهي الى رأي رجل الشارع .. يقول (ياسين الحافظ ): ” وبما أن الواقع معطى نهائي، لذا يجهل الفكر الدوغمائي ويتجاهل فكرة الصيرورة ، فكرة التطور ، إنه فكر غير تاريخي. ولأنه كذلك فهو لا يراكم ، وبالتالي يفقد الأنتيليجنسيا العربية القدرة على وعي التجربة التاريخية العربية بخاصة والوعي التاريخي بعامة”.
وبدل ان يقوم المثقفون العلمانيون برتق الانفصال بينهم وبين الشعب ويخرجون المتطرفين خارجا ، يقومون بشق الاتصال مع الشعب بقبولهم نسبة السلوك الأصولي الى الدين وإدانتهما معا أي : الاصولية المعاصرة والدين التاريخي ، الذي هو دين الشعب – كما كان هيجل يقول عن المسيحية – فيتركون الشعب فريسة للأصوليين. وهكذا.. فخطاب المثقفين المستفيض حول الحركات الإسلامية الراهنة بحجة تفسيرها.. يتحول الى خطاب تبرير لها، وهو اكثر مما يحلم به الأصوليون، فخطابهم ركيك وأكثر فقرا من الايديولوجيا ، ويقوم المثقفون (العلمانيون) بتعميق الظاهرة الأصولية – نظريا – من خلال نقدها الذي يصبح بمثابة إيديولوجيا تملؤ فراغات الخطاب الأصولي ، مما يجعل المثقفين يلعبون دورا لاواعيا ضد واقع شعوبهم..
– المثقفون وحرب الخليج الثانية:
من المرات القليلة التي تبنى فيها المثقفون العرب ظاهرة سياسية على حساب الحقيقة الإجتماعية، وعلى حساب صمتهم الحيادي ، مرة واحدة كانت سابقة استثنائية..وكانت مؤشرا على ان العقل العربي الذي يفترض ان المثقفين يمثلونه لم يعد قادرا ان يحافظ طويلا على المعقولية، في مواجهة اللامعقولية السياسية السائدة، وانه من الممكن ان يدلي بدلوه في الجنون لان هذا اسهل من محافظته على المعقولية وهو خارج دائرة الفعل والتأثير: حين غزو العراق للكويت..فقد وقف مثقفون الى جانب نظام عربي لم يكونوا مؤيدين له مسبقا، لكنهم قالوا ما يقوله رجل الشارع البسيط والمخدوع من ان صدام حسين (بطل) ، وان الغرب يريد تدميره لانه يملك اسلحة نووية متطورة صنعها العلماء العراقيون..وتماهوا مع الاعلام العراقي بترويج الصورة النمطية السلبية لعرب الخليج، لتبرير احتلال العراق ” المتحضر” للكويت ” الغنية والمتخلفة “. وهذه الصورة النمطية جزء من الصورة السلبية عن العرب في الاعلام الاوروبي الامريكي، ولكن السياسات العربية قامت بتقسيم الصورة الى اقسام من اجل القاء تبعة الفشل في الدول العربية الكبيرة والفقيرة على انه ناتج من الدول العربية النفطية، الغنية والمتخلفة، أي ان الاعلام العراقي تبنى جزئيا ما يرفضه كليا أي الصورة النمطية السلبية ضد كل العرب. كما انه عكس ما يتداوله الشارع في دول الشمال العربي من اتهام ثراء الدول الخليجية على انه سبب بؤسها، وأعطى الجماهير كبش فداء، بل ان مظاهرات شعبية خرجت في الباكستان مؤيدة لغزو العراق للكويت. وبعد تحرير الكويت كتب – جان بودريارد – مقالة قال فيها ” ان حرب الخليج لم تقع “، قاصدا بانها حرب غير حقيقية. ثم بعد مرورعقد كامل من الحصار وقع غزو العراق، وعندما لم يجد الامريكيون اية اسلحة نووية ..قال المثقفون: ان هذا دليل على ان الغرب اراد تدمير صدام حسين بحجة الاسلحة النووية.. ونسوا ان اعلام صدام ساهم بالانطباع حول امتلاكه ذالك السلاح وانه كان يساهم في كذبة الغرب.. ولكن الحادي عشر من أيلول كان قد وقع في هذه الأثناء وولد كذبة جديدة ضد العراق – لم يشارك العراق بها – عن علاقته بتنظيم القاعدة ..!
يقول ماركس: “المشكلة انه يتم احلال السياسي مكان الاجتماعي “. أما (تيري ايغلتون) فيقول في كتابه (الثقافة): ”إستحالت السياسة وعلى نحوٍ متزايد مسألة صورة ، وشكل أيقونيّ ، ومشهديات مُصمّمة لإمتاع الجموع ..التجارة والإنتاج باتت تعتمد أكثر فأكثر على التغليف، والتصميم ، ومنح العلامات التجارية ذات الشهرة العالمية ، والإعلان والعلاقات العامة …”.ورغم الفارق الزمني بين (ماركس) و(ايغلتون)، فكأن ما يقوله الثاني عن الثقافة اليوم هو نفسه كان نبوءة الاول عن مستقبل الثقافة الرأسمالية المعاصرة ولكن.. من اين بدأ كل هذا ؟ وماذا كان الحادي عشر من أيلول حقا ؟

– ” كارلوس” و ” بن لادن” :

في أواسط التسعينات .. كان اعضاء في المخابرات الامريكية يتتبعون اثر الارهابي الشهير ” كارلوس” في السودان وهناك عرفوا بالصدفة مكان ” اسامة بن لادن “، فابلغوا قيادتهم بذلك لكنهم تلقوا اجابة ان يتجاهلوه ويواصلوا مهمتهم عن كارلوس. وقام الامريكيون بإبلاغ فرنسا، حيث كان كارلوس مطلوبا بجريمة قتل عناصر من الشرطة الفرنسية، وتم القبض عليه وأودع السجن . وتلك كانت لحظة افول نجم الارهاب اليساري ” كارلوس “، وصعود نجم الارهاب الديني ” اسامة بن لادن “، الذي انتقل من السودان وعاد الى افغانستان مع استلام حركة طالبان للحكم ، ولم يكن قد مضى سوى وقت قليل على ظهورها لكنها استطاعت هزيمة كل المنظمات الافغانية التي حاربت الجيش السوفييتي . وأخذت وسائل الاعلام تبث تقارير اخبارية عن (بن لادن) : معلومات  تملؤ الأجواء من أي نوع كان لخلق هالة .. من تقرير مصور يبين (بن لادن) في كهف جبلي في أفغانستان ، الى تقرير آخر يظهر فيه بن لادن يأخذ قسطا من الراحة في كهفه ، وفيديو مصور يمتطي فيه بن لادن حصانا أبيض، وهذا الشريط سوف يظهر فيما بعد عند الحديث عن القاعدة..والتقى مراسلون عديدون مع طواقم التصوير مع ” بن لادن ” واجروا احاديث صحفية وأذاعوها في وكالاتهم الإعلامية ومن بينهم الصحافي المشهور ” روبرت فيسك “، بالاضافة لتغطية قناة الجزيرة – الجديدة وقتها – لأخبار بن لادن ورسائله ” السرية “. في الوقت الذي كان المسؤولون الامريكيون يقولون انهم لا يعرفون مكانه. ومن يراجع ارشيف وسائل الاعلام العالمية بين اعوام 1996 و1998 يعثر كل يوم تقريبا على خبر يتعلق بابن لادن ، او منظمته، وكان الاعلام يتعمد ان يكون لدى الرأي العام معلومات عن الشخص الذي سيرتبط اسمه بأكبر حدث سياسي بالعالم في العقود الأخيرة، فمن غير المقبول ان يقع الحدث ولا يعرف الناس عن (صانعه) شيئا، ولكن متى الموعد ؟ في حوالي العام (2000)) الذي يمثل نهاية ألفية وبداية ألفية أو ما يسمى (الميلينيوم) وهو مفهوم هام في الأساطير المسيحية واليهودية وليس الإسلامية ) حيث للاسلام أساطيره، وليس من بينها اقتران الالفية بحدث عظيم..فليكن : (11/9/2001 ..(في الوقت الذي انتخب فيه ” جورج بوش الابن “، واستلم ” المحافظون الجدد ” مفاصل المؤسسات الامريكية.
ومن الغريب ان الجميع يختلفون حول الظاهرة الاسلامية المعاصرة بخلافات حول دلالاتها الاجتماعية او التاريخية، مما لا ينطبق على ظاهرة سياسية محضة تستخدم ” لإنتاج واقع ” بدل ان تكون ” ناتجة عن واقع “، دون ان ينتبه المتجادلون انهم يوفرون غطاء نظريا للتلاعب السياسي ..ويبحثون حول كل النقاط المتعلقة بالأصوليين ماعدا نقطة مفتاحية كاشفة ، هذه النقطة هي : سخف الظاهرة.. وكاريكاتورية شخصياتها، وخطابها الذي يشبه سيناريو الافلام السينمائية الدعائية المتحاملة على العرب والإسلام .في مقالة “رحلة «الجهاد» السهلة إلى سورية..في جريدة الحياة يقول (حازم الأمين) : ” لـ«داعش» وجه غير واقعي، أو ربما غير متصل بأكثر من خيال مراهقة. صحيح أنه حقيقي، وهنا تكمن المأساة، لكن الحقيقة حين تصبح غير واقعية، تحمل في هذه اللحظة احتمال الموت. فلنا هنا أن نلاحظ كماً هائلاً من الحقائق غير الواقعية. الذبح المصور والسبي واجتثاث الحاضر، كل هذه الحقائق الداعشية لا تحيلنا على الواقع، وهي إذ تفعل ذلك، يصبح «عالم ديزني» احتمالاً في وعي المراهقة الفرنسية.هو نوع من الشر الذي كنا نعتقد بأنه لم يعد موجوداً إلا في السينما. قَاطَعي الرؤوس كانوا قبل «داعش» كفوا عن استدراج اشمئزازنا. كانوا غير حقيقيين على الإطلاق. ما يجري الآن ليس خطوة للوراء في الواقع، هو خطوة إلى الوراء في الخيال، فها نحن نستأنف اشمئزازنا وخوفنا منهم، وعلينا أن نعيد الاعتبار لمكتبة سينمائية كانت كفت عن إدهاشنا ” .
ومنذ حقبة الاستعمار التقليدي، فان (فرانز فانون) منظر الثورة الجزائرية قد كتب: ” ان الاستعمار بحديثه عن الثقافات والديانات المحلية التي يحتل بلدانها فانه لا يقصد احترامها حين يدعو لانبعاثها وإنما يقدمها بصورة كاريكاتورية مهينة “. ورغم اننا نتحدث طوال الوقت عن عودة الدين والتعصب الديني، يفوتنا امر عميق وأساسي وممكن ملاحظته : كل هذه المظاهر الدينية المعاصرة لا تنطوي على تدين حقيقي ، ونستطيع ان نلمس ذلك ليس في خطاب الاصوليين او في سلوكهم وحسب ، ..بل حتى باحتكاكنا مع الناس الذين نعرفهم في الحياة اليومية..الذين عادوا للدين دون ان يكونوا متدينين ، والسبب..هو فقدان الاحساس بالاتجاه ، ولان الضعف يجعل الانسان قابلا للإيحاء .. فالتدين الانشائي الشكلي الفارغ للمتدينين ناتج عن انهم لا يستطيعون بلوغ الايمان الحقيقي الذي له ماض فقط ، فيرتكبون ابشع الاعمال باسم الدين دون ان يدركوا إساءتهم له، وهذا دليل على انهم اقرب للإلحاد من غير المتدينين.. وعلمانية العلمانيين هي تدين مقلوب وإلحادهم غير منجز، وتصورهم عن تدين المجتمعات تصور كاريكاتوري خال من الصيرورة ، فهم يحاكمون التاريخ كلما ارتكب الاصوليون عملا فظيعا..والأصوليون معاصرون لكنهم يزعمون تمثيلهم للتاريخ الديني، ومجرد العودة لمناقشة الدين والتاريخ بناء على كل حادث يرتكبونه ، هو اعتراف بصدق تمثيلهم المزعوم للتاريخ وللإسلام..واعتراف بأننا رغم علمانيتنا او حداثيتنا، لا نمثل الواقع ، بينما يمثلون هم الحاضر كتاريخ..ونترك لهم ملايين الناس من شبه الأميين الذين يعانون بسبب الحاضر وليس بسبب التاريخ..لكنهم لا يعون الحاضر الذي يعيشون فيه، أي انهم لا يحولونه الى وعي، ولذلك يتبعون راية التاريخ عندما ترفع لهم (كشعار) ، أما نحن فرغم زعمنا اننا نعي الحاضر لكننا نعتبر هذه الأصولية ظاهرة تاريخية فاعلة في الحاضر..لا مجرد ظاهرة معاصرة .. وكأن حملة الرايات الدينية ومن يتبعهم من المهمشين هم سكان تاريخيون في الحاضر… ويتخلى المثقفون عن مسؤولياتهم بحجة هيمنة التاريخ على الحاضر..مثل دون كيشوت الذي – بسبب انفصامه عن الحاضر- ..لم يكن يبارز سوى طواحين الهواء…ولا غرابة ان يتبادل الطرفان الاتهامات بالصيغة ذاتها..فالمتدينون يؤيدون اي شخص يرفع راية الدين حتى لو كان مزيفا، والملحدون يؤيدون اي شخص يحارب المتدينين حتى لو سحق الدولة المدنية.
والقول بان الاسلام هو المشكلة يشبه القول بان ” الاسلام هو الحل”..في الحالتين ينسب للإسلام حياة فوق حياة الواقع البشري ، وإذا كان رفع المؤمنين ذلك الشعار ليس غريبا لأنهم يعتقدون بان الدين هو دين الله المتعالي وليس البشر، فان غير المؤمنين يتخذون الموقف نفسه ولكن بالمقلوب فالمفترض من العلمانيين ان يعتقدوا بان الدين بشري، اي انه قابل بالتالي لحل مشكلاته بشريا – وهذه رؤية ماركس – لكن تصبح رؤيتهم بعكس ماركس كالتالي : انهم ليسوا قادرين على حل معضلات المجتمع بسبب تدينه ، فكأنهم يسلمون بإلوهيته وأنهم لولاه لأقاموا الدولة المدنية ولمشى قطار التاريخ على السكة الصحيحة بدون مشاكل تقريبا ؛ مما يعطي فكرة عن الرؤية غير التاريخية للتاريخ التي تسود المثقفين العرب، و(هيجل) يقول: ” لئن كان النصر المجيد الذي حاز عليه العقل المنير لعصر الأنوار بالنظر لتصوره الضيق للدين بوصفه ايمانا، على ماكان يعتبره كمعارض له، فانه لم يكن شيئا مختلفا، فإذا كان الدين الذي جعلت مكافحته واجبا كدين وضعي لم يعد ايمانا، فانه هو أيضا لم يعد عقلا لأن عصر الأنوار جعل العقل..معبودا ..” –
وبعض المثقفين لا يكتفون بتفسير ( حركات الاسلام المعاصرة) بالرجوع الى (الاسلام التاريخي) فقط ..حين يفسرون ما تفعله حركة اسلامية معاصرة ، بل حين يقوم اسلامي بريطاني بعمل ارهابي في انفاق لندن، فإنهم يقومون بالبحث عن ادلة في نصوص (ابن تيمية ) المكتوبة قبل الف عام..ويصلون الى استنتاج ان حركات الاسلام السياسي سببها الاسلام والذي يشمل المسلمين من اندونيسيا الى موريتانيا ضمن ما يسمى ” العالم الاسلامي “، وهو تعبير كان (جورج كلاوس) سوف يعتبره: (رمزا مركبا) لانه لا يحيل الى كيان سياسي في الواقع ، وذلك في كتابه (لغة السياسة ) ، الذي يتحدث فيه عن الرموز المركبة التي يظن الناس انها اسماء تحتوي مسميات لكنها لا تحتوي ما توحي به. مثل تعبير ” عالم مسيحي” فانه لا يعني شيئا لان اثيوبيا وبريطانيا دولتان مسيحيتان. وهو المأخذ ذاته الذي يأخذه (جيمس كورت) في نقده لهينتنجتون في ( صراع الحضارات ) فيقول : ” انه يمكن ان يكون هناك عالم اسلامي عندما تكون هناك مؤسسة تقوده ، وان آخر مؤسسة اسلامية كانت تقود العالم الاسلامي هي الامبراطورية العثمانية ، اما اليوم فليس ثمة عالم اسلامي لأنه ليست هناك مؤسسة اسلامية تمثله “. بالإضافة الى ان اسلام الناس ليس حتى الاسلام التاريخي، والإسلام التاريخي لا يشهد انبعاثا في الحاضر حقا، وان الحركات الاسلامية ليست نتاجا اتوماتيكيا للناس باعتبارهم مسلمين..الا وفق اسطورة اعلامية. وعلى المثقفين التنظير حول دخول الغرب في عملية اعادة انتاج تراث ديني ميت ..حتى انه ليس مميتا.. وما يحدث اليوم هو الصورة القصوى لما لا حظه ” فرانز فانون ” عن تشجيع الاستعمار للسكان المحليين على التمسك ” المضحك” بتراثهم التقليدي. لكن المميت اليوم تحويل الاسلام بيد الغرب المعاصر الى اداة قاتلة للمسلمين ثم الاخرين حيث تتستر السياسات الغربية الداخلية بالظاهرة الاصولية لانتزاع الكثير من الحقوق المدنية للمواطنين الغربيين. واليوم امريكا ربيبة أوروبا الحديثة التي صارت امها .. تتغلب على اعداء اضعف منها هربا من كل صراع اخر اكثر تكلفة منذ ان هزمتنا بدعمها لإسرائيل. فالغرب لم يكتف بإلحاق الهزيمة بنا، ولكنه امتنع عن اعلان الانتصار ليواصل ادارة صراع يتحكم به ، وقام بمحو حقيقة ان مجتمعاتنا ناضلت لتحقيق التنمية والحداثة..وليس للثأر من الحملات الصليبية ونشر الاسلام في العالم وتدمير الحضارة الغربية ، كما يقول خطاب الثقافة الشعبية في الغرب. يقول: ( ريموند ويليامز) في كتاب “المأساة الحديثة ” : ” التأكيد الشائع اليوم على الشر المطلق ماهو سوى خداع للنفس تمارسه حضارة تنقصها الشجاعة للإعتراف بكنه وضعها الخاص، وهو اعتراف جدير ليس فقط بان يكون لديها ممثلون يطفئون عيونهم – يقصد مسرحية اوديب – بل ومتفرجون يفعلون ذلك ..”
وعندما صرنا تحت تأثير الإيحاء نتحدث بمنطق العصور الوسطى، نجح الغرب بنقل خطابه الينا واسكات الاصوات الداخلية لديه، التي كانت مستعدة لتفهم مطالبنا بالتنمية والحداثة..واليوم، حين يظنون اننا نكره الحداثة الغربية فكيف يمكن ان يساعدوننا ؟ لقد استسلموا ( للواقع ) حين نجحت نخبهم السياسية في هذا التحوير الذي عزوناه لشعار (الصحوة الاسلامية) النابع من الاسلام وليس من الغرب..والغرب، من اجل عدم نشر الديمقراطية والحداثة من خلال القوى الاجتماعية، تبنى شعار حمل الديمقراطية والحداثة الى الشرق على فوهات البنادق طالما ان القوى المدنية على الضفتين الاسلامية والغربية سلمت بان الاسلام كاره لهما، وانه يتعارض مع الديمقراطية مع ان الكنيسة ايضا تتعارض مع الديمقراطية ..!.يقول غرامشي ” لقد فشل العلمانيون في مهمتهم التاريخية كمربين وفي صياغة شكل من الوعي الثقافي والاخلاقي من اجل الشعب. فهم لم بعرفوا ارضاء المتطلبات الثقافية للشعب لانهم لم يكونوا ممثلي ثقافة علمانية وهم ايضا لم يعرفوا صياغة نزعة انسانية جديدة تستطيع ان تنتشر بين الفئات الإجتماعية الاكثر جهلاً وحرماناً كما كان ذلك مطلوبا من وجهة نظر قومية، فهؤلاء العلمانيون ظلوا مرتبطين بعالم قديم جامد فردي ومغلق ” ..
واذا كان عارض (الهستيريا) هو الذي يسود الطبقات الدنيا والتي تعيش تحت مستوى التابو ولا تلتزم به، وتتغذى على الاساطير الخرافية، فان (لعصاب) هو عارض الطبقة المتوسطة..التي يسود افرادها النزوع، اما للاستيلاء على السلطة اذا كانوا عسكريين..او الانضمام الى الطبقة العليا ان كانوا مدنيين..اما الطبقة العليا فهي لاتؤمن إلا بنفسها ..ولكنها.. تؤمن ان افضل طريقة للسيطرة على الطبقتين الاخريين هي تشجيعهما على التمسك بالأساطير..فكما تعيش الطبقة العليا فوق التابوات وتنتج الاساطير دون ان تستهلكها، فان الطبقة الوسطى من اكثر الطبقات (حرمانا) لانها تقيد نفسها بالتابوات والمحرمات كوارثة للثقافة وللتقاليد ..وتجذبها الاساطير تحت الضغط.. وبينما يكون مثقف الطبقة الوسطى مؤمنا بالايديولوجيات الكبيرة، كالاشتراكية، او القومية الناصرية ، او الاسلامية التقليدية ، فانه يمكن ان يتحول في لحظة من لحظات التاريخ الفاصلة معاديا لكل ما كان يدافع عنه ، مستندا الى عصابه الشخصي وضغائنه الضيقة يقول كاتب – غسان عياش – ..في جريدة السفير: ” بدا مؤخراً أن حقيقة منطقتنا هي حقيقة مذهبية ، بل هي أيضاً عشائرية وقبلية وعائلية ومناطقية ، وفردية. ” مبررا كلامه بالأحداث الراهنة من الاصولية والإرهاب ، ان فكرا كهذا يقوم عادة على التشكيك بالحقائق المتعارف عليها ..من اجل حقيقة الواقع الراهن .. وهو بصفته الراهنة نفسها ليس شيئا ثابتا.. ولو أن كل راهن هو الحقيقة..فإننا امام حقيقات لانهائية …وبدل البحث المضني عن الحقائق..كما تعلمنا الفلسفة، يصبح العثور عليها أسهل ما يعمله الإنسان .. والذي يغدو عارفا للحقيقة لأنه يعرف الواقع فقط ، وجاهلا لكل شيء آخر..وكانت آخر حقيقة أشهروها بوجه القومية العربية : ان حقيقة المنطقة هي هوياتها الوطنية : المصرية والسورية واللبنانية..وان العروبة ليست حقيقة، واليوم يقدمون هذه الحقيقة المناقضة لاخر حقيقة دافعوا عنها: ليس لنا حتى هويات وطنية بل طائفية، وهم انفسهم كانوا متعصبين للقومية العربية حين كانت سائدة..اي حين كانت هي الحقيقة الراهنة في الستينات، وهم لم يتخلوا عنها الا لأنها هزمت وليس لانهم باحثين عن الحقائق، والمرض الذي يضرب مجتمعاتنا ليس العشائرية والطائفية والمناطقية..ففط، بل ابتذال الثقافة والتحليل السياسي على يد كتاب ينافسون الانسان العادي في جهله للموضوعات السياسية والفلسفية ولا عجب ان لهؤلاء الكتاب شعبية لأن الناس العاديين يشعرون بسببهم أن لديهم قدرة على فهم أشياء رغم عدم معرفتهم بها..وهكذا، تنشأ الخرافات والاساطير السياسية .

– المعنى والعمق كفائض للقيمة:

لقد كانت الثقافـة الأوروبية هي الثقافة الوحيدة في العالم التي انتجت ظاهرات عداء لكل العالم : لليهود والعرب والأتراك والإسلام والغجر..والصينيين والزنوج والهنود الحمر واليابانيين والسلاف والأرثوذكس ..وانشقت الكنيسة الاوروبية الى كاثوليك وبروتستانت وتبادلوا ارتكاب المذابح، واليوم …أوروبا هي المكان الوحيد الذي تجد فيه ملجأ سواء أكنت : يهوديا او عربيا او تركيا او غجريا او من المسلمين او الارثوذوكس ..الخ، أي انها صيرورة تاريخية ، وليس ثمة مقياس للهوية ولا تصنع الهوية بضرية واحدة مرة والى الأبد ولكنها ..ثابتة ومتغيرة على الدوام، وكما يؤكد ” ياسين الحافظ ” على مقولة (جورج لوكاش) : ” إن جدة العمل السياسي تظاهرة ماثلة لذا فإن كل حدث سياسي جديد بحاجة إلى تحليل جديد، والحال أن السياسة الدوغمائية بحكم فكرها التقريري عاجزة عن ذلك، فتستبدل التحليل بالمقارنة. وبالطبع، فإن ما يسم الدوغمائي بالدرجة الأولى هو الضعف الملحوظ للواقعي. ففي العقل الدوغمائي يُشجب الواقع وصولاً إلى غيابه ، حيث تسود الآيديولوجيا “.
فالتسامح لم يكن هوية اوروبا المسبقة بل..اصبح مستقبلها الانساني ، ولكن تتهم ثقافتنا اليوم بأنها غير مشابهة لـلثقافة الأوربية ، ولكننا نستطيع ان نشبه تلك الثقافة الاوروبية السابقة بجدارة ..فلدينا هامش للمناورة لكي نشبهها دون ان نكره كل مخلوقات الله.. ولكن لا احد يقارن الثقافات الشرقية بالثقافة الاوروبية السابقة بل المعاصرة ، والنتيجة هي: الصفر..مع اننا متزامنين مع اوروبا السابقة وليس أوروبا الحديثة لأننا لم نعد معاصرين للزمن الحديث ، ولم تعد ثمة حقيقة ما، ولكن ثمة اقتصاد للحقائق أي الاستخدام الامثل للمعلومات ووعي الوقائع ، ونحن لا نعلم اعماقنا ولا نعرف ما وراءنا ..نحن نعرف الظاهر الذي يقدمه الغرب عن ذاتنا ، والغرب هو الذي يعرف عمق الظواهر ولا يرغب بقوله ولا بتحويله الى لغة ولا الى وعي.. لكنه يكتفي بمعرفته ويقدم الظاهر الذي نتلقاه باعتباره عمقا مع انه ظاهر فقط.. لان كل مايقدمه الغرب بلغته نعتبره عميقا – هكذا – ندبج المقالات التحليلية النقدية عن انفسنا وكأنها تحليل لأعماقنا رغم انها ليست اكثر من مقولات سطحية عن ظاهرنا.. ونعتبر انفسنا نقديين وما نحن الا مقلدين لا نجرؤ على قول شيء حتى عن انفسنا اذا لم يسبقنا الغرب الى قوله..وكل ما يقوله الغرب من بعيد نقوله عن انفسنا وكأننا نتكلم من داخلنا ..لكننا في الحقيقة نتكلم من خارجنا ، وبالطريقة نفسها نظن اننا نعرف الغرب او غيره وأننا نعرف مستقبله.. لكننا لا نعرف إلا تقدمه التكنولوجي ونجهل أعماقه ، اي اننا نجهل مستقبله لأننا لا نعرفه إلا من خلال الظواهر ..هكذا ، نجهل حقيقتنا التي نحملها ويعرفها الغرب الذي يحتكرها لاستخدامها بحيث لا تتناقض مع الظواهر التي تم تعويمها في النظام العالمي الجديد.

 

**************

باحث من سوريا

شاهد أيضاً

د.عبد الله سليمان *يكتب:أنت وذاتك والحب

  فكرت أن يكون عنوان هذا المقال: “الطفل: الذات والحب”؛ لكني وجدت وأنا أصوغه أنه ...