الرئيسية / أخبار ثقافيه /  أ.د. عبدالله محمود سليمان*يكتب :الوجد: لهيب الحب
د.عبد الله سليمان

 أ.د. عبدالله محمود سليمان*يكتب :الوجد: لهيب الحب

 

        سمير شاب في التاسعة عشرة من عمره، نشأ في قرية نائية في جنوب الوادي، التحق بإحدى الجامعات الخاصة في ضاحية من ضواحي القاهرة، في قريته كان يعيش في عالم من التقاليد والقيود والمحرمات، وفي القاهرة وجد نفسه في عالم مختلف، الناس هنا يلبسون أشكالا مختلفة من الملابس، ويتصرفون بأساليب مختلفة لم يألفها، ويمارسون وسائل ترفيه غريبة، كان في تصرفاته يبدو كالتائه في محيط واسع ومعقد، كان التفاعل مع الفتيات من المشكلات التي عاناها؛ إذ كان الاقتراب منهن والحديث معهن من الأمور التي يضع مجتمعه عليها قيودا عدة، وللمرة الأولى يجد نفسه في وسط منفتح في التعامل مع الآخرين من كل الأعمار ومن الجنسين، وكان التعامل مع الفتيات مشكلته الكبرى.

سارت حياة سمير في الشهور الأولى في تحفظ وانعزال، حتى كان ذلك اليوم الذي شاهد فيه فتاة تجلس في الصف الأمامي في قاعة المحاضرات، شدت الفتاة انتباهه بقوة، كان جمالها أخاذا في صورة لم يألفها، لم يستطع أن يسمع كلمة واحدة مما يقوله الأستاذ، وظل مشدودا إلى النظر إلى هذه الفتاة، وفشلت محاولاته في الاقتراب منها والتحدث إليها، لكن صورتها لم تكن تغادر خياله، وكان التفكير فيها يقتحم أفكاره ومشاعره، وحينما كرر محاولات الاقتراب منها كانت تنظر إليه بإنكار وتبتعد بسرعة، ولاحظ زملاؤها ذلك، ولقي سمير نظرات استنكار منهم، وظل سمير في محاولات يائسة لمحاولة التحدث إلى فتاته، وأهمل حضور المحاضرات إلا  التي كانت تحضرها، وأهمل استذكار دروسه، وفي نهاية عامه الأول كان نصيبه الرسوب في عدد من المواد الدراسية.

الوجد

        الوجد هو العنصر الثاني من عناصر الحب في نظرية الحب الثلاثية لروبرت سترنبرج، وهو مع العنصرين الآخرين الحميمية والالتزام يكونون ما يسمى بالحب الكامل إذا توافروا في العلاقة بين شخصين: زوج وزوجة، خطيب وخطيبة، والد وابن أو ابنة، والدة وابن أو ابنة، أو إنسان وموضوع أو قضية، إلى غير ذلك من العلاقات الثنائية التي يمكن أن تتحقق فيها هذه العناصر مجتمعة ومتكاملة.

غير أنه من الممكن أن يغمر الوجد علاقة شخص بآخر دون الحميمية والالتزام، حيث يكون التوق (الرغبة الشديدة) للاقتراب من الآخر والاتحاد معه شديدا، نجد هذا أوضح ما يمكن في العلاقات الرومانسية بين الجنسين، ويسميه سترنبرج: الافتتان أو الحب من أول نظرة، حين تلتقي نظرة المحب الوجدي بمن سيصير محبوبا؛ ليصبح المحبوب هاجس تفكير المحب يستغرق كل تفكيره وكيانه.

ومثال على الوجد بين المحب وموضوع ما: التقيت مع زميلين من جامعة منيسوتا في ساعة اجتماعية لشرب القهوة والحديث في أمور مختلفة، وحين عدت إلى المنزل وجدت رسالة إلكترونية من أحد الصديقين تقول: يؤثر فيّ جدا شعورك بالوجد نحو مهنتنا وتخصصنا: علم النفس الإرشادي.

الوجد هو التوق الشديد للاقتراب من الآخر والاتحاد معه، وهو رغبة حارة، وعن حرارة الوجد تقول هلين فيشر عالمة الأنثروبولوجيا في جامعة رنجرز: هناك حرارة الحب، فيض من التوق المتدفق، همس المحب الذي لا يقاوم، السحر الذي يجعل أعقل الرجال يفقد عقله، هذا السحر الذي جعل هوميروس يتغنى به في الإلياذة، بدأ حروبا، أوجد سلالات حاكمة، وأطاح بممالك، أنتج بعضا من أكثر الآداب عذوبة في العالم، فالناس يغنون للحب، ويعملون من أجله، يقتتلون ويعيشون ويموتون من أجله.

ما هذا السحر الذي يخلق من الحياة جنة وردية اللون، أريجه الهواء، عبقه الرائحة مملوءة بالعمل والإنتاج والرعاية؟ أو قد يخلق جحيما يدفع من أصابهم ممن لا يجدون استجابة إلى اليأس والانتحار.

في لغة علم النفس، يمثل الوجد الدافعية في العلاقات مع الآخر، الذي يمكن أن يكون إنسانا أو موضوعا، وينشأ الوجد نتيجة إثارة وجدانية أو فسيولوجية يثيرها عدد من الرغبات والحاجات مثل تقدير الذات، والانتماء، والسيطرة والخضوع، والحاجة للاكتمال الجنسي التي يمكن أن تكون قوية في العلاقات الرومانسية، ولكنها لا تكون كذلك في علاقات الأبوة أو الأمومة أو البنوة، كذلك لا تكون واردة في العلاقات بين الأفراد من نفس الجنس أو من الجنسين في السياقات الاجتماعية أو المهنية، حين لا يكون الاكتمال الجنسي من الحاجات المثارة.

ويميل الوجد في علاقات الحب إلى أن يمتزج مع الحميمية؛ ذلك أن الوجد يعمل على جذب الأفراد في العلاقة، بينما تعمل الحميمية على استمرار العلاقة والمحافظة عليها.

وفي العلاقات الوثيقة بين الجنسين يمكن أن يسبق تكوين الحميمية الوجد، فقد تتكون علاقة صداقة وتقارب بين شاب وفتاة، وفي أثناء ذلك قد يكتشف أحدهما في الآخر خصائص يمكن أن تؤدي إلى إثارة الوجد لديه نحو الآخر، والعكس صحيح، فقد يثار الوجد فجأة، وبعد فترة يقترب المرء نحو الآخر الذي أثار الوجد لديه، وتبدأ الحميمية في التكوين حين يجد الفرد الذي ثار الوجد لديه استجابة من الطرف الآخر، والأمثلة على كل حالة متعددة، فقد تتكون علاقة حميمية بين زوجين يحبان بعضهما وصديق أو صديقة، وإذا حدث وتوفى أحد الزوجين، نجد أن الصديق أو الصديقة الذي هو من نفس جنس المتوفى مؤهلا لأن يتلقى مشاعر الوجد من الزوج الحي الذي قد يكتشف في الصديق أو الصديقة خصائص وصفات وجدانية أو فسيولوجية تثير مشاعر الوجد عنده نحو الآخر، وإذا حدث ولقي استجابة من الصديق أو الصديقة، أي أن الآخر أيضا قد ثارت لديه مشاعر الوجد؛ فقد يؤدي ذلك إلى زواج الفرد الحي من الصديق أو الصديقة.

وترتبط إثارة الوجد بحاجات الفرد، وقد يعتقد البعض أن الحاجات الجنسية هي الأساس في إثارة الوجد، وهذا ليس بصحيح دائما، فقد يكون لدى فرد حاجة قوية للتواد. وفي علاقاته يمكن أن يجد شخصا من نفس جنسه أو الجنس الآخر يشبع لديه حاجته إلى التواد، فتثور لديه مشاعر الوجد نحو من يشبع حاجته القوية للتواد.

هذه الأنماط من العلاقات والاستجابات الوجدية تتكون على مدى زمني طويل دون أن يكون من الممكن إلغاؤها في وقت قصير، ما دامت تجد من الظروف ما يعمل على استمرارها، وتأتي هذه الظروف من نظرية التعلم، فيما يسمى بالتدعيم أو التعزيز المتقطع، فاستمرار استجابتي الوجدية نحو شخص ما أو موضوع يتوقف على عاملين هما: 1- قوة الحاجات التي يشبعها الوجد، 2- استجابة المحبوب (إنسان أم موضوع) لمشاعري بالوجد نحوه.

وتخضع استجابة المحبوب (موضوع الوجد) لنظام المكافأة التي تسمى في نظرية التعلم نظام التدعيم، وقد أوضحت الدراسات والتجارب أن نظام التدعيم المتقطع (المكافأة المتقطعة) أجدى في العمل على استمرار السلوك من نظام التدعيم المستمر، فحين يتلقى الشخص المكافأة ممن يشعر نحوه بالوجد أحيانا، ولا يتلقاها أحيانا أخرى، نجد أن هذا الشخص لا يكف عن الشعور بالوجد نحو محبوبه، ففي المرات التي لا يستجيب فيها المحبوب، نجد أن المحب لا يفقد الأمل في استجابة المحبوب في المستقبل، ويستمر في السعي للحصول على المحبوب؛ أما في حالة التدعيم المستمر حين يتلقى المحب المكافأة من المحبوب كلما سعى إلى الاقتراب منه؛ فإنه بمضي الوقت يمكن أن يشعر المحب بالملل، وربما تصبح العلاقة مع الآخر شيئا ثانويا.

وتفسر نظريات التدعيم تعلق الطفل بأمه، فالطفل لا يحصل على الأم كل الوقت، في أحيان تكون موجودة ترعاه وتعمل على إشباع حاجاته، وفي أحيان أخرى لا تكون موجودة، ولهذا فإنه يكون دائم السعي (شديد الوجد) للحصول على أمه والتعلق بها، غير أنه بمضي الوقت قد لا يستمر الوجد قويا نحو الوالد أو الوالدة، بل يصير مضمرا حتى سنوات متأخرة حين يلتقي الطفل الولد بامرأة أخرى فيها من الشبه بوالدته (وفي حالة الأنثى بالوالد الذكر)، فتثور خبرة الوجد من جديد.

ويتطور الوجد بشكل مختلف عن تطور الحميمية، فالحميمية تنشأ ببطء، وتنمو ببطء، حتى تستقر وتستمر مدة طويلة؛ أما الوجد فإنه ينشأ فجأة، ثم لا يلبث أن يزول أو يضعف تحت ظروف معينة، نجد هذا في حالات الزواج السريع حين يدفع الوجد الشابين إلى إتمام الزواج بسرعة، وهما يعيشان شهر عسل لا يستمر، حتى يكتشفا خمود توهج حياتهما معا، ومهما حاولا فلن يستطيعا إعادة إشعال لهيب الحب، ويفسر سترنبرج هذه الظاهرة بأن مكون الوجد يكون دالا لعمليتين متعارضتين، الأولى: عملية إيجابية تنمو بسرعة، وتخبو بسرعة، والثانية: عملية سلبية معارضة للعملية الأولى تنمو ببطء، وتخبو ببطء، وتكون النتيجة حالة من الدافعية تحدد مسار الوجد، فبمجرد أن يلتقي المحب بالشخص الذي ينجذب إليه جسميا أو نفسيا يخبر فيضا من الوجد، ويزداد الوجد بسرعة ويصل إلى قمته، وعند الوصول إلى القمة تبدأ القوى السلبية المعارضة للوجد في العمل.

وربما كانت هذه القوى الأخيرة مهمة لإحداث التوازن لدى المحبين، وتحول بينهم وبين أن يصبحوا مدمنين في علاقاتهم مع البشر أو غير ذلك من الموضوعات، ففي قمة الاستثارة يبدأ الوجد في الانخفاض، ويصل الفرد إلى حالة من التوازن والاعتياد، وتصير الحياة حبا.

********************

 

*أستاذ علم النفس الإرشادي، جامعة القاهرة.

شاهد أيضاً

محمد عرفات حجازي*يكتب:مؤسسات المجتمع المدني والمنظومة الأخلاقية

فاعلية مؤسسات المجتمع المدني في المنظومة الأخلاقية يعبّر مفهوم المجتمع المدني عمومًا عن هموم وظواهر ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *