الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.سامي نصار *يكتب:في مسألة دعم التعليم والظلم المزدوج

د.سامي نصار *يكتب:في مسألة دعم التعليم والظلم المزدوج

 

تداولت الصحف المصرية في الأسبوع الماضي خبرا مفاده أن ثمة نقاشا يدور في مجلس النواب المصري حول فرض رسوم دراسية على من يرسب من الطلاب. ومن المثير للدهشة أن يستعدي ممثلو الشعب الحكومة على الطلاب وأولياء أمورهم ويطالبها بمعاقبة من يرسب بسداد المصروفات الدراسية. وهذا – في رأيي-نوع من الظلم الاجتماعي. والظلم الذي سيتعرض له الطلاب، في حالة تطبيق هذا الاقتراح، سوف يكون ظلما مزدوجا، مرة عندما لم توفر لهم الدولة التعليم الجيد الذي يقيهم شر الرسوب والتسرب، والبطالة والضياع، ومرة ثانية عندما تصر الدولة على أن تجعلهم يدفعون ثمن تقصيرها في تعليمهم تعليما جيدا، وكذلك ثمن مخالفتها للمادة (19) من الدستور المصري التي تنص على أن ” التعليم حق لكل مواطن … وتلتزم الدولة بتوفيره وفقاً لمعايير الجودة العالمية.” وأن “التعليم إلزامي حتى نهاية المرحلة الثانوية أو ما يعادلها، وتكفل الدولة مجانيته بمراحله المختلفة في مؤسسات الدولة التعليمية.” ويجافي هذا الاتجاه أيضا التزام مصر بالاتفاقيات والمواثيق والبرامج الدولية والتي آخرها خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030 والذي ينص الهدف الرابع منها على توفير التعلم الجيد والمنصف للجميع دون تمييز مدى الحياة.

ويكشف هذا التوجه عن تمسك الدولة المصرية بمبدأ لوم الضحية، فكأن الرسوب مسؤولية شخصية يتحملها الطلاب وحدهم، متناسين أننا لو أحسنا تعليمهم لما رسبوا، ولو كانت الدولة قد حرصت على توفير التعليم الجيد بكافة مستلزماته ووفرت لهم برامج تعويضية وفرصا تعليمية بديلة تلبي احتياجاتهم لما تدهور مستواهم، ولما انصرفوا عن دروسهم إلى غيرها من مطالب الحياة ومشاغلها التي قد تفرضها عليهم ظروفهم الاجتماعية. وفي وثيقتها التي قدمتها للبنك الدولي طلبا لقرض لتمويل بعض المشروعات التعليمية، تعترف الدولة بفشل نظامها التعليمي فتقول إن: “هناك واحدا من كل خمسة تلاميذ في الصف الدراسي الثالث لا يمكنه قراءة حرف واحد أو كلمة واحدة من نص للقراءة… وأن نصف عدد الشباب الذين حصلوا على خمس سنوات من التعليم فقط يمكنهم القراءة أو الكتابة، وأن أقل قليلاً من الثلثين يمكنهم أداء عمليات الحساب الأساسية (الجمع أو الطرح) ومعدلات الرسوب وإعادة الصف الدراسي مرتفعة، إذ تبلغ 5.8% لتلاميذ المرحلة الابتدائية، و11.2% لطلاب المرحلة الثانوية على التوالي”

ومن هنا فإن الدولة مطالبة بعلاج ما قصرت فيه، فليس من العدل أن يدفع الفقراء في مصر ثمن التقصير وثمن الإصلاح. كما أن عليها توسيع نطاق فرص مواصلة التعليم والتعلم وتنويعها أمام الجميع دون تمييز على نحو يدفعهم لمواصلة التعلم، ويزيد من فرصهم في سوق العمل ومن إسهامهم في تحقيق التنمية على أرض مصر.  ولن يتحقق ذلك عن طريق سياسات الاصطفاء والإقصاء والاستبعاد، وتحميل الفقراء تكاليف فشل الدولة في إدارة التعليم وكذلك تحمل أعباء إصلاحه إلى جانب ما يتحملون من أعباء حياتهم المعيشية الأخرى. بل يكون عن طريق بناء مجتمع العدالة والإنصاف، وإعادة ترتيب الأجندة الاجتماعية، فالسياسات الاجتماعية التي تطبقها الدولة لها تداعياتها على النظام التعليمي، حيث تعكس انحياز الدولة إلى فئة أو فئات اجتماعية معينة، وبالتالي فإن برامج الإصلاح التربوي يبدو أنها تعكس هذا الانحياز، ويهيمن عليها الإقصاء والاستبعاد والظلم الاجتماعي بتحميل الطبقات الفقيرة تكاليف التقصير والإفساد الذي مارسته الحكومات المتعاقبة في شتى المجالات وفي مقدمتها التعليم، وأيضا تحميلها نفقات ما تتصور أنه إصلاح بأن يدفع الراسبون من الطلاب تكاليف تعليمهم. وكأن ما سيسدده الطلاب الراسبون من أموال سيؤدي إلى تحسين مستواهم التعليمي والارتفاع بجودة التعليم عموما.

والمشكلة المثيرة للقلق والشك هنا هي أن البعض ينظر إلى ما تنفقه الدولة على التعليم باعتباره نوعا من الدعم لا يختلف عن دعم المواد التموينية كالزيت والسكر والأرز ومساحيق الغسيل، وترتب على ذلك أن ما يدور حول نفقات التعليم من جدل ومساومات لا يختلف عما يدور حول المواد التموينية. ولست هنا أقلل من أهمية وضرورة أن تنفق الدولة على غذاء المواطنين في مجتمع يعيش أكثر من ربعه تحت خط الفقر، ويتعرضون لموجات متلاحقة من ارتفاع الأسعار، ولا يزيد دعم الدولة للغذاء فيه عن 2% من إجمالي الناتج القومي، في الوقت الذي يدفع فيه هؤلاء الفقراء ما يزيد عن 25 مليار جنيه دعما للتعليم المتهالك في صورة دروس خصوصية ومجموعات تقوية وغيرها من نفقات تعليم أبنائهم. ولكن ما أود أن الفت الانتباه إليه هنا هو سوء القصد القابع في أعماق خطاب الليبرالية المتوحشة وأعوانها من داخل الحكومة وخارجها، وأنصار أفكار البنك الدولي الداعية إلى تسليع الخدمات تحت شعار ترشيد الدعم واستعادة التكلفة. إن يدعون إليه هو خطوة على الطريق ليصبح التعليم سلعة لا يحصل عليها إلا القادرون على تحمل ثمنها، ولا يقتصر خطر ذلك على استبعاد فئات كثيرة من الحصول على فرص متكافئة لتعليم أبنائهم، بل الخطر-كل الخطر-يكمن في التآكل التدريجي لنظام التعليم القومي المصري في مواجهة تنامي نظم خاصة للتعليم بمختلف مستوياته وانتماءاته وانواعه التي تعكس مصلحة أصحابها وتوجهاتهم بالدرجة الأولى.

وكما لا يجوز الخلط بين الإنفاق على الدفاع وبين الإنفاق على غيره من المجالات، لا يجوز لنا أن نخلط بين التعليم والتموين، فالتعليم أيضا، ضرورة من ضرورات الأمن القومي أو الدفاع الوطني كما قال طه حسين في كتابه “مستقبل الثقافة في مصر” ويجب أن يكون أولوية الأولويات والمسئولية الأولى للدولة، تنفق عليه كما تنفق على متطلبات الدفاع. فلا سبيل إلى بناء جيش قوي دون تعليم جيد، ولا سبيل لبناء اقتصاد قوي دون تعليم جيد، ولا سبيل لبناء سياسة خارجية وقوة ناعمة قادرة على التأثير دون نظام تعليمي قومي مصري متميز يعبر عن طموحات مصر وثقافتها. ولن يتأتى ذلك بالتقتير على التعليم واعتبار ما ينفق عليه نوعا من الدعم Subsidy يقدم للفقراء وغير القادرين أو يمنع عنهم، بل بزيادة الإنفاق عليه على الأقل بالنسبة التي حددها الدستور، والبحث عن موارد إضافية لتتيح تعليما جيدا للجميع لا يتوقف فقط عند إتاحة فرص متكافئة للالتحاق، بل تحقيق المساواة بينهم في نتائج التعلم داخل المدرسة وخارجها من خلال التعليم النظامي أو غير النظامي في إطار مبدأ التعلم مدى الحياة باعتباره السبيل الوحيد لدخول مصر إلى مجتمع المعرفة.

 

*********************

*العميد الأسبق لكلية الدراسات التربوية -جامعة القاهرة

شاهد أيضاً

محمد عرفات حجازي*يكتب:مؤسسات المجتمع المدني والمنظومة الأخلاقية

فاعلية مؤسسات المجتمع المدني في المنظومة الأخلاقية يعبّر مفهوم المجتمع المدني عمومًا عن هموم وظواهر ...