الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.سامي نصار *يكتب :الموقعون عن الله !!!

د.سامي نصار *يكتب :الموقعون عن الله !!!

 

شاهدت حلقة تليفزيونية مؤخرا، أبطالها ثلاثة أزهريين يتنازعون فيما بينهم ما أسموه حق “التوقيع عن الله“. وحتى لا تذهب بك الظنون بعيدا فإنهم يقصدون حق الفتيا، وهم يستخدمون هذا المصطلح بيانا لخطورة الدور الذي يقومون به، وعظيم تأثيره على الفرد والمجتمع، ولإضفاء الحق والصدق على ما يقولونه، وما ينتجونه من معرفة في صورة رأي أو فتوى. وبالطبع ليسوا هم أول من صك هذا المصطلح فهناك لابن القيم كتاب بعنوان “إعلام الموقعين عن رب العالمين”.

وما يهمنا هنا طريقتهم في الحوار التي دفعت مقدم الحلقة إلى إلغاء فقرتهم، والتحول إلى موضوع آخر. لقد كانت المنازعة بينهم أشبه بمسرحية كوميديا سوداء، فمن أزهري ارتقى سلم السلطة والتشريع، فيسعى إلى استصدار قانون يرى أنه ينظم عملية الفتوى بقصرها على إدارات وهيئات وفئات معينة، وآخران أحدهما يريد أن يستأثر بالكعكة كاملة والثاني يتمسك بنصيبه منها، والمعنيون بالأمر –أي الناس-خارج هذا النزاع، بل أصبحوا من كثرة همومهم لاهين، لا يعنيهم في حجر من ستسقط الثمرة، ولا من سيخول له القانون حق التوقيع عن الله.

لقد ترك هؤلاء المتنازعون على السلطة الدينية في مصر مهمتهم الرئيسية، فبدلا من أن يواجهوا الإرهاب والتطرف، أخذوا بتلابيب بعضهم البعض أيهم أحق بفرض كلمته على المجتمع وإرهابه بسيف الفتوى وبحقهم في التوقيع عن الله. وبدلا من أن يركز خطابهم (الديني) على بناء الشخصية الإيجابية التي تتحمل مسئولية قرارها وأفعالها، ها هم يتنازعون حول أي فئة أحق باتخاذ القرار بدلا من الفرد، ومن يتولى منهم منحه صكا ممهورا بتوقيعهم نيابة عن الله سبحانه وتعالى. إنهم يتنازعون فيما بينهم على من يمسك برقاب الناس فيسوقونهم إما إلى النعيم وإما إلى الجحيم، وكأنهم يوم الحساب سيتحملون عن الفرد نتائج أفعاله، متناسين أن للناس عقولا وقلوبا وضمائر وإرادة، وأن الله حملهم المسئولية فحملوها، وأن إليه إيابهم ثم إن عليه حسابهم.

إن المتنازعين، وهم يقارعون بعضهم الحجة بالحجة ويسردون بالتفصيل المسوغات العلمية والقانونية الداعمة لحق كل منهم في الاستئثار بالفتيا، يتناسون ما قاله الرسول الكريم “استفت قلبك وإن أفتوك” أي أنه جعل المسئولية فردية، تخضع لعقل الفرد وضميره وإرادته الحرة واختياره. لقد ولى بغير رجعة عصر الكهانة، فالمعرفة أصبحت متاحة للجميع ورقيا ورقميا، ولم تعد حكرا على مجموعة من الكهنة يتداولونها فيما بينهم، وصار في وسع كل إنسان الوصول إليها. ولم يعد الإنسان الذي يعيش في مجتمع المعرفة في حاجة إلى من يحلل له أو يحرم عليه، فهو يستطيع “بكبسة زر” أن يعرف، إن أراد، الحكم الشرعي فيما هو مقدم عليه، ويتبقى عليه أن يختار بعقله وضميره وإرادته أي نهج ينهج.

وقد يكون هناك من يرى حاجة إلى الإفتاء على المستوى الرسمي في أمر من الأمور العامة أو التشريع، هنا يجب أن تعود وظيفة الإفتاء إلى سابق عهدها إدارة من إدارات وزارة العدل. ولكن هؤلاء في سعيهم إلى امتلاك السلطة لا يتورعون عن القفز على سلطات الدولة المدنية وتقليصها، في مقابل تمدد السلطة الدينية، والتضييق على حريات المواطنين بالتأثيم والتحريم، وفرض وصايتهم على المجتمع والعودة به إلى ظلمات العصور الوسطى، عندما كان رجال الدين يخدعون الناس بالتفويض الإلهي، وهاهم يلوحون الان في وجوهنا بالتوقيع عن الله.

أن ما يختلف حوله المتنازعون هي السلطة الدينية التي يريدون أن يوجهونها لتحقيق مصالحهم، سواء من خلال المؤسسات الرسمية التقليدية كالأزهر ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف، أو من خلال مؤسسات الإعلام، أو القنوات الدينية بنجومها من جهابذة الإفتاء الذين فاقوا نجوم الفن ثراء وشهرة. ولكننا لم نعد في حاجة إلى وصايتكم، ولسنا في حاجة لمن يمنحنا صكا يبين لنا موقعنا من الجنة والنار.

 

 **************

*عميد كلية الدراسات التربوية الأسبق -جامعة القاهرة

شاهد أيضاً

نعمان الحاج حسين*يكتب :هل هناك ربيع اوروبي قادم ؟

تظاهرات السترات الصفراء في فرنسا .. هل هناك ربيع اوروبي قادم ؟   ” لا يمكن القيام بدراسة ...