الرئيسية / أخبار ثقافيه / عمارة الناصر *يقدم قراءة لكتاب “نقد العقل الثقافي” للمفكر محمد شوقي الزين

عمارة الناصر *يقدم قراءة لكتاب “نقد العقل الثقافي” للمفكر محمد شوقي الزين

مقدّمة لقراءة نقدية لكتاب “نقد العقل الثقافي” لمحمد شوقي الزين

 

قاعدة النقد: ” مَن علّمني حرفاً صرتُ له حُرّاً “

كلمةُ “نقد” كلمةٌ سيّئةُ السمعة في الثقافة العربية، لأنّ مدارها هو “الشخص” وليس النصوص، كما ارتبطت دلالاتها الشائعة بالهجوم الشرس والقدْح الجارح، فيُقال غالباً “نقدٌ لاذع”، كما ارتبطت بالتعصّب والحَمِيَّة إذْ ما إنْ يتمّ انتقاد مفكّرٍ أو كاتبٍ في بعض آرائه وفرضياته وأطروحاته حتّى “يتجنّد” مؤيّدوه فيسارعوا في الردّ والدفاع عنه حدّ الاستماتة، بمنطق “الشيخ ومُريديه”، “الأب الروحي وأبنائه”، “القائد وجنوده”، “الزعيم ورجاله”..، فأصبح أغلب المفكّرين يجعلون أنفسهم فوق النقد بوصفه نقيصة خسيسة أو هو أمرٌ دُبِّر بليْل، وكأن النقد مرادفٌ للحقد والكراهية والحسد والغلّ، حتّى تشكّلَتْ حصانةٌ ذاتية ضد النقد في مخيالٍ اجتماعي وسياسي وثقافي بدءاً بالنخبة الفكرية مروراً بالمشرف على رسائل التخرّج الذي يشعر بالحنق ويستشيط غضباً ويُبدي امتعاضاً عندما يوجّه المناقش انتقاداتٍ “موضوعية” و”علمية” لـ “عمل” الطالب، فينتفض المشرف إذْ يحسّ خطأً أنه المقصود بالملاحظات النقدية وأنه “متّهمٌ” بالتقصير والغفلة..، وهكذا تخرّجت أجيالٌ تخشى النقد وتنفر منه فلا تقبله على نفسها ولا تمارسه على غيرها، وفي أحسن الأحوال تعمل بقاعدة مفادها “أنه يمكنني أن أنتقد غيري لكن لا أحد ينتقدني”، فإن “حدَثَت” طفرةُ النقد فهو الاسترشاد بقول المتنبي “وإذا أتتك مذمّتي من ناقصٍ   فهي الشهادة لي بأني كاملُ”، فالمنتقدُ هو شخصٌ سيّء بذيء وَقِح يتجرّأ على “المفكّر” و”الأستاذ” و”المُربّي” و”الأب”… بالاستناد إلى قاعدةٍ شائعة تختزنُ شحنةُ من الإحباط عالية التركيز: “مَن علّمني حرفاً صرتُ له عبداً”، فإذا كانت نتيجةُ التعليم والتعلّم هي “تكوين” العبيد وإشاعة ثقافة الاستعباد فتلك لَعَمْري هي الخيبة والانحطاط..

لكن ما مصدر كُرهنا الشديد للنقد؟ وكيف انقلب النقدُ من فضيلةٍ إلى خطيئة؟ لأنّ ما يهمّنا هو “صورة” الفكر لا مادّته؛ يعتبرُ بعض الكتّاب والمفكّرين أنَّ تراجعهم عن بعض أفكارهم وآرائهم وفق نقدٍ وُجِّه لهم هو محضُ إهانة لهم فهو بمثابة انهيار “لصورتهم” لدى قُرّائهم ومُريديهم في الفكر والاتجاه والإيديولوجيا..، وهكذا يستمرُّ متعصّباً في توجّهه ورأيه لا يلتفت خلفه، شعاره بيت عمرو بن كلثوم: “إذا عضَّ الثِّقافُ بها اشمأزّتْ.. ووَلّتهم عَشزونةً زَبونا / عَشَوْزَنَةً إِذَا انْقَلَبَتْ أَرَنَّتْ.. تَشُجُّ قَفَا الْمُثَقِّفِ وَالْجَبينا”[1]، فالنقدُ مسكونٌ في لاوعيه بالهجاء المستمدّ من تراثنا الشعري (الذاكرةُ البعيدة لتصوّراتنا عن ذواتنا وعن العالم) وهو التراث المرتبط بشَخصنة المقدوح والمذموم من الصفات.

لقد نبّهني الأستاذ محمد شوقي الزين إلى ضرورة أن تكون قراءتي لكتابه “نقد العقل الثقافي” قراءةً نقدية، تعجّبتُ في البداية ثم زال عجبي سريعاً لأني تذكّرتُ أنه تكوّن معرفياً في بيئة تَعتبرُ النقدَ ثقافةً ومطلباً علمياً ذا أولوية..

اسمُ الفيلسوف في “أحسن تقويم”:     

المشكلة: هل شوقي الزين فيلسوف؟ الحل: إنه “شوقي الزين”. الدليل: هل يَعيبُ دريدا ألاّ تسبق اسمه كلمةُ “فيلسوف”؟! ومثلها كلمة عالم (التي اختفت في الثقافة الغربية) إذْ متى سمعنا قائلاً يقول “العالم” أينشتاين؟ فالاسمُ الشخصي كلّما كان حضوره كثيفاً في الفكر والكتابة فإنه يحجب الألقاب والرُتب تدريجياً إلى أن يصبح اسم الشخص مرادفاً لنشاط فكره، بل يصبح في حالات قصوى مرادفاً لطريقة معيّنة في التفكير؛ فقد وَردتْ في معجمٍ خُصّص لمصطلحات فكر هيدغر، مادّة: الهدْغرة (من الاسم هيدغر) (Heideggeraniser)، كتجربة خاصّة في التفكير، وقد ذكرَ مُحرّر هذه المادّة طُرفة للفيلسوف الألماني غيورغ بيشت (Georg Picht) عندما قاطعَ طالبة أثناء المحاضرة تقرأ نصّاً بأسلوب هيدغر، قائلاً: “نحن هنا لا نهيدغر! دعونا نمرّ مباشرة إلى الشيء نفسه”[2] (Ici on ne Heideggerianise pas! Passons directement à la chose même)  ، وفي هذه الدرجة من التفكير يصبح أسلوب الكتابة قادراً على امتصاص الثنائية المنطقية (الصواب والخطأ) وإذابتها في محلول الأسلوب ذاته.

فليَسمحْ لي الأستاذ محمد شوقي الزين أن أدعوه بـ “المايستر” شوقي من باب “الأفضلية” في العلم ومن جهة شاعرية الكلمة وقوّتها الروحية.

البيلدونغ: مَوضَعة وذَوتَنة.

يظهر على الغلاف، العنوان الكبير والجذّاب “نقد العقل الثقافي” عنواناً “حيّادياً” لأن المايستر شوقي يقول أن (الهم الذي يراودني هو همّ فكري قبل كل شيء، والهموم الأخرى (قومية، حضارية، ريادية..) تتبعه وليس العكس) (ص7) لكن سرعان ما تقع أعيننا على مصطلح “البيلدونغ” في العنوان الفرعي: (فلسفة التكوين وفكرة الثقافة، أساسيات نظرية البيلدونغ)، فما الضرورة والوجهة اللتان يحيل إليهما هذا المصطلح؟ وهل تُعادل البيلدونغ هنا الثقافة في مفهومها العام والكوني؟ أم نحن بصدد الحديث عن “العقل” الثقافي الألماني؟ فالبيلدونغ- كما يقول- (هي أكثر من كونها كلمة، إنها مصطلح ومفهوم وذاكرة وتاريخ ومؤسسة في سياق التاريخ الفكري الألماني، تستقطب في ماديتها الحرفية مجموعة من الذخائر النظرية والعملية، وتتقاطع مع معارف عديدة كالتربية والتعليم والثقافة) (ص23)، أو عندما يقول (عندما أتحدث عن البيلدونغ أقصد بطبيعة الحال الموطن الذي ظهرت فيه وهو الثقافة الألمانية) (ص23) لكننا نُفاجأ بتحوّل البيلدونغ إلى (قيمة كونية وتكوينية في الاسم كما في الرسم) (ص24) دون مبررات منطقية لكَوْنَنَة (من الكونية) مصطلح البيلدونغ، ولكن المايستر شوقي، ولكي يتفادى هذا المطلب الحاسم في خياراته المنهجية ويتملّص من وضع ادّعائه على المحكّ، فإنه يقرّر بدهاء شديد ومن البداية أنه يعالج البيلدونغ كفكرة وليس كمفهوم قائلاً (أتحدّث بالتالي عن “فكرة” لا عن “مفهوم”) (ص22).

لكن ومع أنه أسقط عن كاهله عبء الحمولة النظرية الصارمة لبلورة مفهوم البيلدونغ وتشكيله، حتّى يكون أكثر تحرّراً في إعادة تصوّره كفكرة كونية، إلاّ أنه يبرّر اختياره (لمصطلح البيلدونغ وليس مصطلحات أخرى مثل “البايديا” أو “التهذيب”، فلأن هذا المصطلح الألماني هو أفضل مؤسسة فكرية وصلت إلى الاكتمال النظري… فهذا المصطلح هو مفهوم-عمدة ينطبق على المفاهيم الأخرى..) (ص24)، وحتّى إذا تجاوزنا هذا التعارض فإن المسألة تحتاج إلى توضيح: إذا كان الحديث عن البيلدونغ بما هي تشكيل وتثقيف وتصوير.. فإنه أمكن له يقول (أوسّع ذلك نحو ما قبل تاريخ البيلدونغ وهو “البايديا” (التربية) الإغريقية؛ وأيضاً “التهذيب” في الثقافة العربية الإسلامية الذي يدخل في النطاق نفسه والذي يمكن اعتباره “البيلدونغ” العربية الإسلامية) (ص ص23، 24)، أمّا إذا كان الحديث عن العقل الثقافي أي عن التكوين الإبستيمولوجي للثقافة استناداً إلى تحديد جياني فاتيمو (Gianni Vattimo) للفكرة التي (تعتبر أن البيلدونغ هي مبدأ مكوّن، والمبدأ هو الأساس الذي تنبني عليه التصوّرات والممارسات؛ ليس فقط الأساس كقاعدة تنطلق منها الأبنية السلوكية والتصوّرية، ولكن الأساس المكوّن أو المشكّل للطبيعة البشرية وللثقافة الإنسانية على حدّ سواء) (ص ص 25، 26)، فإننا بصدد الحديث عن ما يمكن تسميته بـ “الثاقفة البشرية” (قياساً على صياغة الترجمة العربية لعنوان كتاب دافيد هيوم (الفاهمة البشرية) أو ما ذكره الأستاذ شوقي عن (أدوار الفاهمة) (ص346)، أي تلك الثاقفة الكونية التي يتحرّك كلّ شيء داخلها بفعل جاذبية الشكل والصورة وقدرتهما على الثقف الكلّي نحو (الإنسان المتركّز).

لماذا يستسلم المايستر شوقي بسهولة للتفريق “الألماني” بين البيلدونغ والثقافة؟ ألا يمكن أن نعثر تحت الطابع الأنطولوجي والإبستيمولوجي للبيلدونغ على مشروع إيديولوجي- إثنولوجي؟ ولعلّ هذا المشروع هو الأساس في التفريق والتمييز بين البيلدونغ والثقافة وإلاّ فما المسوّغات الفلسفية لتمديد الصلاحية الدلالية لبيلدونغ القرن السابع عشر؟ حتّى مع إضعاف حساسية الثقافة للذوق والحكم والاستبطان. وهنا أمكنني الاستئناس بأطروحة (لوسي كينيل Lucie Kaennel)[3] حيث ترى أنه على امتداد القرن التاسع عشر لعبت فكرة البيلدونغ دورَ الوسيط في إدماج اليهود في الثقافة والمجتمع الألمانيين حيث تمّت إعادة تأويل فكرة البيلدونغ بما يسمح بفكّ التحالف بين الثقافة وعملية الجَرمنَة (Germanisation) والنزعة القومية وهو ما يعني في النهاية وضع البيلدونغ في خدمة الهوية كتشكيل مستمرّ ومتواصل في الزمن، يؤدّي إلى نقل وضع الهوية وقيمتها إلى دائرة الحداثة دون مخاطر حقيقية. أمّا رهان البيلدونغ في القرن العشرين فهو تهذيب النزعة القومية داخل فعل الكلّيانية (Universalisation) وبهذا المعنى فإن البيلدونغ- بحكم وظيفتها- ليست إلاّ اختراقاً مخادعاً لمفهوم الثقافة بالالتفاف على المعطى الثابت فيها أي الانتماء (الذي منحه هيدغر طاقته الأنطولوجية القصوى) والمرور إلى مَلَكة التصوير والتشكيل التي تُعطي إمكانية الوصول إلى الاكتمال الخُلقي دون الحاجة إلى خلفية ثقافية محدّدة، لأن الثقافة لا ذاكرة لها بينما البيلدونغ هي “مكان الذاكرة” كما تصفه لوسي.

إذا كانت البيلدونغ (أنطولوجيا أكثر منها إبستيمولوجيا) (ص30) فإن مَدارها، إذا اتّبعنا إرث هيدغر، ليس (تكوين الإنسان) (ص31) بل تكوين الكائن والذي هو تكوين ذاتي فردي في مواجهة “الحشد” و”الجمهور” الذي يعكس الفوضى التي يختفي فيها كلّ ملمح أو “شكل” للأنا ويذوب في “لاشكل” (informe) الجماعة أو ما يسمّيه نيتشه منذ مؤلّفه “ميلاد التراجيديا” بـ “البربرية”، ولذلك فإن البيلدونغ لا تكوّن الشكل فقط بل “تُخضع” الإنسان للشكل، لكن هذا الإخضاع لا يخلو من ميتافيزيقا، إذ يتحتّم على البيلدونغ الالتزام بـ “المَوْضَعة” (Objectivation) أي وضع الذات على مسافة من شكلها، لأنه إذا كانت (البيلدونغ هي التثقيف والتكوين عبر قنوات التربية والحسّ السليم حيث تتدخّل اعتبارات أخرى غير المعرفة، مثل الذوق والحكم والاستبطان وغيرها من التقنيات الفنية والجمالية في تكوين الإنسان) (ص31) فمن أين يأتي الذوق والحكم والاستبطان؟ أليس لهذه التقنيات قبليات معرفية؟ وهذا ما يدفعنا إلى الحديث عن البيلدونغ كتقنية وليس مجرّد فكرة فقط، فمَهمَّة هذه التقنية قائمة في “تنظيم الفوضى”[4] بإضفاء الشكل عليها.

يعتمد المايستر شوقي على فكرة البيلدونغ بالمعنى الطاغي على الثقافة الألمانية والمستمدّ كليّاً من البايديا الأفلاطونية والذي يهدف إلى تثبيت الصورة-المثال في جسد اللغة بالخصوص، ولكن وبدءاً من لحظة هيدغر سنشهد إعادة الاعتبار للنقد السفسطائي لهذا التصور، إذ في الخطابة تنفصل اللغة عن صُوَرِها لتصبح مادّة قابلة “للتشكيل” في الممارسة (praxis) التي تحدّد وجهة القيمة دون مثال مسبق والذي يعبّر عنه المايستر شوقي بـ “الشرط الداخلي لكل اكتمال ثقافي للذات” (ص32) وعليه فإن البيلدونغ ترتبط بالإنجاز (accomplissement) أكثر من الاكتمال (مع ارتباط الكلمتين بمعنى الكلمة الفرنسية نفسها).

توجد البيلدونغ، في مقابل الثقافة، في سياق معرفي يطرح معضلة تصوّرية ليس من السهل تجاوزها، على الأقل في مجال تراث فلسفي يمتدّ من شيلر في لحظة إضفاء القيمة الروحية على الفينومينولوجيا مروراً بهوسرل الذي قدّم الحلول لأعطاب تصوّر ذاتيِّ الموضوعي (le subjectif de l’objectif) وصولاً إلى هيدغر الذي أعاد فتح الفينومينولوجيا على شكل التجربة نفسه بالبحث عن استعادة المسافة الذاتية في “الواقعة الخام” (factum brutum)؛ وعليه فإذا كانت البيلدونغ (حامل قيم الروح والذوق التي تجعل من الحياة دائرة الانتماء والاستغراق وليس موضوع القراءة بالمسافة النقدية المنوطة. فهي تُجنّد قنوات الإدراك الحسي في الاضطلاع بالحقيقة الإنسانية وليس فقط الإدراك العقلي الذي هو أداة المعرفة) (ص33)؛ فكيف تتغلّب البيلدونغ على المسافة المعرفية؟ فحتّى مع إعطائنا قيم الروح والذوق تلك الحمولة المثالية والباطنية (الصوفية) فإنه لا يمكننا أن تجاوز بسهولة عتبة الثقافة كمَوضَعة في تصوّرنا للبيلدونغ كعملية تطوّرية للحياة سواء بالمعنى الذي قدّمه دلتاي (الثقافة كتعبير عن الحياة) أو أسوالد شبنغلر بدعوته إلى (الاستقرار في مركز الحياة) (ونحن هنا نفتقد بشكل لافت ومفاجئ مؤلّف شبنغلر “انحطاط الغرب” (le déclin de l’occident) حيث تشكّل “المورفولوجيا” حجر الزاوية في الفهم، أو بالمعنى الذي قدّمه برغسون عن الحياة الخلاّقة والثقافة بوصفها وحدتها العضوية؛ لأنه وإذا كانت الثقافة فعلاً للمَوضَعة، موضعة الحياة بالخصوص، على الأقل في الحدّ الذي عبّر عنه هيدغر بالمعادلة (الثقافة=العبارة)، فإنه مع اعتبارنا للبيلدونغ كفعل لذوتنة (Subjectivation) الحياة إلى أن تصبح هي نفسها (شكل الحياة) كما ينقل المايستر شوقي عن كارل ياسبرس (ص31)، فكيف يمكن لشكل الحياة أن ينفلت من قبضة العبارة؟ العبارة بوصفها المَوضَعة المحتومة للغة واللغة بوصفها المَوضَعة المحتومة للحياة، إذ بدونها ينتفي شرط الفهم نفسه، فاللغة، كما يقول جون هيبوليت (Jean Hyppolite)، “لا تحيل إلاّ إلى ذاتها ولا تُتَجاوز إلاّ في اللغة، وبهذا المعنى يمكننا القول أنها طبيعية”[5] كما أن اللغة هي الشكل الأكثر فعالية في عملية تشكيل وتنظيم وتصوير البيلدونغ للذات، حتّى داخل اللغة نفسها (في مثال انتقال الطفل من اللغة الأم في البيت إلى اللغة المدرسية بوصفها تربية وتهذيباً وتنظيماً لفوضى لغة ما قبل المدرسة بإضفاء شكل القواعد والمعايير والأساليب).

وبالمحصّلة فإنه لا يمكن اعتبار البيلدونغ شكل “الـ – حياة” بل شكل حياة لأن فرقاً جوهرياً يبقى قائماً بين عيش تجربة الحياة والتفكير في تجربة الحياة، والفرق الأكثر وضوحاً قائمٌ في اللغة، بما يعني أن البيلدونغ هي تجربة حياة وفق القيم المعطاة، بشكل توقّعي، للحياة في مادّتها الخام، ممّا يعني أننا أمام إعادة تشكيل وتصوير مستمرّة ولسنا أمام تشكيل أصليّ وأصيل، وفي النهاية ينبغي علينا الحسم بين البيلدونغ والناخبيلدونغ (Nachbildung) أي بين التشكيل و”إعادة إنتاج” الشكل والذي ليس إلاّ الشرط الأنطولوجي لتناغم العيش مع الفهم والمتضمّن في التناهي الإنساني نفسه متجلّياً في مفارقة كيف يمكن التفكير في تشكيل الحياة ونحن جزء من هذا التشكيل نفسه؟

في مشروعية إيجاد المقابل العربي لمصطلح البيلدونغ:

لقد اختار الأستاذ شوقي كلمة التبرية (ص34) كمقابل عربي لكلمة البيلدونغ ثمّ أحاطها بالمسوّغات اللغوية المعقولة وأجرى عملية اشتقاق في جسد كلمة التبرية فأخرج منها ما يشمل الجهات الدلالية لاستخدام مصطلح البيلدونغ. وقد بذل جهده لإخراج المقابل العربي في صورته المثلى؛ لكن ومن وجهة نظري وبناء على الدرس الإبستيمولوجي لمثل هذه العمليات اللغوية في تاريخ الفلسفة، فإنّ لي موقفاً خاصّاً من إيجاد المقابلات العربية للمفاهيم الفلسفية الغربية لأن الأمر لا يتوقّف على مقابلة الألفاظ بالألفاظ بل يتجاوزه إلى مقابلة تاريخٍ بتاريخ، بمخزونٍ من التراث بمخزونٍ آخر..، وما الألفاظ والمفاهيم إلاّ علاماتٍ نهائية على تاريخٍ (معرفي، سياسي، ديني، ثقافي..) يسكن داخلها، وهذا ما أعتبره مصدر الاعتراض لديّ؛ وربّما خادعنا أنفسنا للحظة حين نعتقد أن المفهوم الفلسفي عندما يصبح مُشاعاً في النصوص سواء بالترجمة أو إعادة “تدويره” واستخدامه، فإنه يصبح خاوياً من كلّ تاريخ أو ثقافة، أو قابلاً للمرور إلى ثقافاتٍ ولغات مختلفة دون تأشيرة رمزية. وما يضيرنا إنْ نحن أبقيناه على هيأته في لغته الأصلية! وقد أبقينا على مفاهيم كثيرة على حالتها اللغوية كأن كتبنا: ميتافيزيقا، أنطولوجيا..، وقبل ذلك كلمة الفلسفة نفسها حتّى ظننا مع الوقت أنها كلمة عربية أصلية لكثرة ما ألفنا استخدامها نطقاً وكتابة وتوظيفاً، وما أفسدَ ذلك شيئاً من فهمنا لها وفهمنا بها.

إذا كان مصطلح “التبرية” صحيحاً من حيث المبنى والمعنى فهل يستطيع أن يعبّر عن تاريخٍ “خاص” تشكّلَ داخل “البيلدونغ” بما جعلها تختلف عن الثقافة وتنزاح دلالياً عنها؟ ألم يقل المايستر شوقي (البيلدونغ هي أكثر من كلمة. إنها مفهوم وذاكرة وتاريخ ومؤسسة في سياق التاريخ الألماني… تتوسّع نحو استعمالات أخرى قد تكون سياسية أو دينية أو إيديولوجية نظراً لكثافتها المفهومية وثقلها التاريخي) (ص23) فكيف أمكن التخلّص من تلك الكثافة المفهومية وإفراغ ذاك الثقل التاريخي في مصطلح “التبرية”؟ إضافةً إلى أن كلمة “التبرية” إذْ تفي بغرض النحت الذي فيه التشكيل والتصوير إلاّ أنها لا تفي بغرض آخر أكثر عمقاً للبيلدونغ وهو إضفاء القيمة والروح، فكأن التبرية تشكّل جسداً وتنحته ولكنّها لا تستطيع نفخ الروح فيه (ربّما بتأثيرٍ من بايديا أفلاطون “الوثنية”! (بالمعنى الفلسفي لا التيولوجي). وفي سياق طرح البدائل الممكنة لكلمة البيلدونغ كما طرحها المايستر شوقي (ص ص 33-34) وعلى سبيل النقاش، وليس “خيانةً لموقفي”، ربّما آثرنا منهجياً كلمةً دلّت على بعض أبعاد البيلدونغ وهي كلمة “التقويم”، أو بصيغة الأستاذ شوقي (“الثقاف” المقوّم) (ص471)، ولو أنّه جعلها محدودة المعنى عندما أشار إلى أنه (يفترض التقويم أن يكون طبع الإنسان معوجّاً) (ص471)؛ فكلمة تقويم تجمع بين القوام (الذي منه الشكل والصورة والهيئة) والقيمة (التي منها الأخلاق والروح والذوق) ودمجهما في عملية التقويم من الفعل قوّم (في قاموس المعاني: قوّمت المعوجّ: عدّله وأزاح عوجه؛ قوّم الأخلاق: هذّبها، أصلحها؛ قوّم الخطأ: صحّحه؛ تقويم النقود: فحصها ونقدها ومعرفة قيمتها؛ والتقويم: حساب الزمن بالسنين والشهور والأيام؛ والطب النفسي التقويمي: الدراسة المتعلقة بالوقاية والمعالجة النفسية للمشاكل العاطفية والسلوكية..وهكذا). فتضمّنت كلمة التقويم على تشكيل الذات بتعديل القوام وتهذيب الأخلاق، وتصحيح الخطأ، وفحص قيمتها ونقدها، وتقويم سيرورتها في الزمن[6] وعلاجها النفسي والسلوكي..

ثم لننظر إلى كلمة “تقويم” في الآية الرابعة من سورة التين، قوله تعالى “لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِيْ أَحْسَنِ تَقْويْم”، فالتقويم درجةٌ عليا في حسن الخَلق والخُلق؛ قال القرطبي في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن): (“في أحسن تقويم” وهو اعتداله واستواء شبابه، وهو أحسن ما يكون، لأنه خلق كل شيء منكبّاً على وجهه، وخلَقه هو مستوياً، وله لسان ذَلق، ويدٌ وأصابع يقبض بها، وقال أبو بكر بن طاهر: مزيّناً بالعقل، مؤدّياً للأمر، مهدياً بالتمييز مديد القامة؛ يتناول مأكوله بيده. ابن العربي: ليس لله تعالى خلقٌ أحسنُ من الإنسان، فإن الله خلقه حيّاً عالماً، قادراً مريداً متكلّماً، سميعاً بصيراً، مدبّراً حكيماً، وهذه صفاتُ الربّ سبحانه، وعنها عبّر بعض العلماء، ووقع البيان بقوله: “إن الله خلق آدم على صورته” يعني على صفاته التي قدّمنا ذكرها. وفي رواية: “على صورة الرحمن” ومن أين يكون للرحمن صورة مُشخّصة؟ فلم يبق إلاّ أن تكون معاني” (..) فهذا يدلّك على أن الإنسان أحسن خلق الله باطناً وظاهراً، جمال هيئة وبديع تركيب (..) ولذلك قالت الفلاسفة: إنه العالمُ الأصغر؛ إذ كلّ ما في المخلوقات جُمع فيه”[7] وبهذا يتضمّن التقويم أيضاً على الاكتمال الذي يصل إلى التشبّه بصفات الله، فلعلّها كلمة جامعة لما تدلّ عليه البيلدونغ من الجانب النظري أمّا من الجانب التاريخي فالمعادلة بينهما هي محضُ مغالطة.

يراهن المايستر شوقي، في بناء القوّة المحرّكة لهذا الكتاب، على الطاقة الناتجة عن انشطار الثنائية (صورة/شكل)، وقدّمَ لفرضيته حول الصراع الضمني بين مفهومي “الصورة” و”الشكل” في طريقة تعيين الأشياء (ص44) مادةً ثريّة تستهدف الوضوح في العقل والقدرة على التمييز بمعناه الأنطولوجي والإبستيمولوجي، لكن الالتباس جزءٌ من البناء الروحي للوجود، فأحياناً نحن لا نعرف إلاّ بالالتباس وفيه، وخصوصاً عندما يتعلّق الأمر بتصوّرنا للقيم والانتقال إلى الكوني في استدلالنا عليها؛ وعليه فإنه إذا تخطّت هذه الثنائية العتبة الميتافيزيقية منذ أن طُرحت الثنائية الكانطية (الشكل والمادة) في سياق تمييزٍ مبنيٍّ على مبدأ “الصلاحية الترنسندنتالية” ثمّ تخطّت العتبة المعرفية والمنطقية منذ أن قدّم كاسيرر مفهوم الرمز الذي سمح لنا بفهم تمظهرات النشاط الروحي الإنساني في محاضرته الشهيرة (مشكل الرمز ووضعه في النسق الفلسفي) (1927)، فإن تلك الثنائية تتعثّر عند العتبة الأنطولوجية عندما نطرح السؤال: ما جوهر الوجود المتولّد من مفهوم الصورة أو مفهوم الشكل؟

إذا كان الهدف من البيلدونغ هو إعطاء شكل الاكتمال للذات، فإن ذلك لا يُفهَم إلاّ في إطار الصورة وهذا يعني أن السيرورة الوحيدة التي يجب أن نفهم فيها ثنائية الصورة والشكل هي السيرورة الديالكتيكية لأنه بدون “وحدة” الصورة “لتعدّد” الشكل فإننا نكون قبالة نخرٍ أنطولوجي هو “المتعذّر وصفه” (l’ineffable) وهذا يعني أيضاً تلاشي القيمة والمعيار إذْ لا حياة دون معايير، كما ان الشكل هو المادة التي تُحاك منها الحياة أو ما يسمّيه هيدغر بتنجيد أو فرْش الحياة (teppich des lebens)، فالشكل هو ما يعطي الكفاية الذاتية للحياة وتعبيرها الأصلي ولهذا خاض هيدغر معركته الشرسة ضدّ عبارة “شيءٌ ما على العموم” (etwas überhaupt) الناتجة عن اللاّتعيّن غير الدّال للمنطق الصوري الذي نترجمه عن العبارة (logique formelle) مع أن كلمة forme حاضرة في الكلمة، ذلك أنه في المنطق الصوري الموروث عن أرسطو تهيمن الصورة على الشكل (الأشكال) وتفرض عليه سلطتها (وحدة التصوّر على تعدّد الرأي) ولهذا نشهد التحوّل إلى المنطق اللاصوري (logique informelle) الذي يعتني بالأداء الحجاجي للغة الطبيعية بوصفه استدلالاً بالشكل لا بالصورة، “الشكل مَسكَن الحياة” إذن. لكن الإشكال الكبير هو كيف نقبض على الشكل دون تصوّر؟ هذا ما تجيب عنه الممارسة الفينومينولوجية للمايستر شوقي في ثنايا هذا الكتاب، كما تدفعنا قراءته التأويلية لقطع رابطة الانتماء في ثنائية الصورة والشكل لجَعْلها دالّة أكثر.

هذا الكتاب هو عمل غنيٌّ بالمادّة المعرفية التي تضبط التصوّرات وتوجّهها وهو جدير بأن يُقرأ بانتباه شديد، فهو يرصد ويسجّل باقتدار فلسفي واحدةً من اللحظات المعرفية المهمّة التي تشهد على انهيار العالم القديم وبروز “الصورة” الجديدة لإنسانٍ عالي التركيز بفضل التشكيل المرئي واللاّمرئي للبيلدونغ.

*************

[1] –  إذا أرادوا تقويمها بالثقاف (الحديدة التي يُقوّم بها الرمح) امتنعت وصارت قناة صلبة عصيّة على التقويم بل تنقلب على المقوّم فتشجُّ قفاه وجبينه. (وهذه إشارة إلى علاقة لفظ الثقافة بالتقويم).

[2] – Le dictionnaire Martin Heidegger, Vocabulaire polyphonique de sa pensée, édit. CERF, Paris, 2013, pp: 588, 589.

[3] – Lucie Kaennel, “Les juifs et l’idée de Bildung  dans l’Allemagne de culture protestante, Chronique d’un mésamour à travers le long XIXe siècle”. (Thèse de doctorat, Paris, 2013).

[4] – يُنظر بهذا الشأن:

Barbara Stiegler, “Nietzche et la critique de la Bildung. 1870-72: les enjeux métaphysiques de la question de la formation de l’homme”, in: revue Noesis, N°10, 2006, pp: 215-233.

[5] – Jean Hyppolite, “Logique et existence”, PUF, Paris, 1961, p38.

[6] – وقد وضّح الأستاذ شوقي هذا الشرط في تعليقه على فكر هردر (ليست هذه الحركة فورية تنتهي بصوغ الأشكال البشرية في ظرف قصير، بل تقتضي الزمن للاختمار والديمومة للنضج “ينبغي لتربية الإنسان أن تكون طويلة، لأن له الكثير من الأمور أن يتعلّمها…) (ص270).

[7] – القرطبي، “الجامع لأحكام القرآن”، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 2006، ج22، ص ص 368-370.

*******************

* أستاذ الفلسفة بجامعة مستغانم (الجزائر).

شاهد أيضاً

صفاء عبد السلام *:الرجال من المريخ والنساء من الزهرة

  بعد ظهور العديد من البرامج التليفزيونية التي تقوم بإدلاء النصائح للنساء أو الرجال في ...