الرئيسية / أخبار ثقافيه / لخضر شيخاوي *يكتب : نقد التأصّيل التّاريخي للمركزية الغربية

لخضر شيخاوي *يكتب : نقد التأصّيل التّاريخي للمركزية الغربية

مقدمة: اﻟﻤﺮﻛﺰﻳﺔ اﻟﻐﺮﺑﻴﺔ ﻫﻲ إﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺔ ﻏﺮﺑﻴﺔ ﺗﻘﻮم ﻫﻲ اﻟﺘﻤﺮﻛﺰ ﺣﻮل اﻟﺬات اﻟﻐﺮﺑﻴﺔ، ﻓﺘﺠﻌﻞ ﻣﻨﻬﺎ ﻣﺮﻛـﺰ ﻟﻠﻌـﺎﱂ ﰲ ﺣـﲔ ﳝﺜـﻞ اﻟﻌــﺎﱂ اﻟﻶﻏــﺮﰊ اﻷﻫــﺪاف أو اﳍــﻮاﻣﺶ[1]، كما تعتبر ظاهرة ثقافية تفترض وجود ثوابت ثقافية مميّزة تشكل المسارات التاريخية للشعوب المختلفة، ولذلك فإنّ المركزية معادية للكونيّة (العالمية) (Globalization) لأنها غير مهتمة بالسّعي إلى قوانين عامة محتملة للتطور الإنساني، ولكنّها تقدم نفسها ككونية، لأنها تزعم أن تقليد جميع الشعوب النموذج الغربي هو الحل الوحيد لتحديات عصرنا، وﻋﻠــﻰ ﻫــﺬا اﻟﻨﺤــﻮ ﻓــﺈن اﻟﻨﺰﻋــﺔ اﳌﺮﻛﺰﻳــﺔ ﻫــﻲ ﻧﺰﻋــﺔ ﻟﺼــﻴﻘﺔ ﺑــﺎﻟﻨﻤﻮذج اﳊﻀـﺎري اﻟﻐـﺮﰊ وﻫــﻲ ﻣﺮادﻓـﺔ ﳌﻔﻬــﻮم اﻟﻮاﺣﺪﻳـﺔ اﳊﻀــﺎرﻳﺔ، واﻟـﱵ ﺗـﺮى أن اﳊﻀــﺎرة اﻟﻐﺮﺑﻴـﺔ ﻫــﻲ وﺣـﺪﻫﺎ اﻟﻌﺎﳌﻴــﺔ واﻟﻜﻮﻧﻴــــﺔ واﻹﻧﺴــــﺎﻧﻴﺔ ﺑــــﻞ ﻫــــﻲ وﺣــــﺪﻫﺎ اﳊﻀــــﺎرة اﻟــــﱵ ﳚــــﺐ أن ﺗﻜــــﻮن اﻟﻨﻤــــﻮذج اﻟﻮﺣﻴــــﺪ ﻟﻠﺘﺤﻀــــﺮ واﻟﺘﻘــــﺪّم  وﻫــﻲ اﻟﺮؤﻳــﺔ اﻟــﱵ ﺟــﺎءت ﻋﻠــﻰ ﻟﺴــﺎن اﻟﻜﺜــﲑ ﻣــﻦ اﳌﻨﺼــﻔﲔ اﻟﻐــﺮﺑﻴﲔ ﻋﻠــﻰ ﻏــﺮار اﳌﺴﺘﺸــﺮق اﻟﻔﺮﻧﺴــﻲ “ﻣﻜﺴــﻴﻢ”، واﻟﺬي ﻗﺎل”إن ﺗﺸﺠﻴﻊ اﻟﺘﻤﺮﻛـﺰ ﺣـﻮل اﻟـﺬّات ﻫـﻲ ﻣـﻦ ﻃﺒﻴﻌـﺔ اﻷورﺑﻴـﻴﻦ، ﻛﺎﻧـﺖ ﻣﻮﺟـﻮدة داﺋﻤـﺎ ﻟﻜﻨﻬــﺎ إﺗﺨــﺬت اﻵن ﺻــﺒﻐﺔ ﺗﺘﺴــﻢ ﺑــﺎﻻزدراء اﻟﻮاﺿــﺢ ﻟﻸﺧــﺮﻳﻴﻦ…  وﺧﺼﻮﺻــﺎ ﻓــﻲ ﻇــﻞ اﻻﻣﺒﺮﻳﺎﻟﻴــﺔ ﻣﻨــﺬ منتصف اﻟﻘﺮن اﻟﺘﺎﺳﻊ ﻋﺸﺮ”[2].

ﻓﺎﳌﺮﺣﻠـﺔ اﳊﺎﻟﻴــﺔ ﻟﻠﺤﻀــﺎرة اﻟﻐﺮﺑﻴــﺔ ﲤﺜــﻞ ﻃــﻮر  اﻻﺟﺘﻴــﺎح اﻟــﺬي ﻳﻄﻤــﺢ ﰲ ﺻــﺐ اﻟﻌــﺎﱂ داﺧــﻞ اﻟﻘﺎﻟــﺐ اﻟﻐﺮﰊ ﻋﻠﻰ ﳐﺘﻠﻒ اﻷﺻﻌﺪة واﳌﻴﺎدﻳﻦ؛ اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ واﻟﺴﻴﺎﺳـﻴﺔ واﻟﻘﻴﻤﻴـﺔ واﻟﺜﻘﺎﻓﻴـﺔ واﻟﻌﺴـﻜﺮﻳﺔ واﻟﺘﺸـﺮﻳﻌﻴﺔ…اﱁ ومنه فالمركزية الغربية هي ﻣﺮﺣﻠـــﺔ اﻟﻄﻮﻓـــﺎن اﻟﻐـــﺮﰊ اﻟـــﺬي ﻳﻌـــﲏ اﻟـــﺪﻣﺞ اﳌﺨﻄـــﻂ واﻟﻘﺴـــﺮي ﰲ ﻗﺎﻟـــﺐ واﺣـــﺪ وﻧﻔـــﻲ اﻟﺘﻌـــﺪّد واﻟﺘﻨـــﻮع واﻟﺘﻤﺎﻳﺰ واﻻﺧﺘﻼف.

إذا كانت المركزية في عمومها تعني تلك الهيمنة والانغلاق الذاتي التي مارسه ويمارسه الغرب لمحو كل الثّقافات الأخرى، فإنّها تستّند في حد تشكلها على مجموعة من الرؤى ذات الطّابع الثّقافي، ولما كان الغرب ذا خبرة بصناعة المفاهيم وتسويقها فقد كان كفيل دائما ببث هذه المفاهيم في الواقع المعاصر، ثم إنّ تلك المقولة حول مفهوم النّواة والتي يعنى بها المركزية دُرست من عدة جوانب من أبرزها الجانب التّاريخي، حيث يرجع المفكر العربي “مالك بن نبي” (Malek-Bennabi) هيمنة النّزعة المركزية الى أنّ أوروبا ورثت التَّقاليد الرومانية من عصر النّهضة، وقد أصبحت رهينة ثقافة إمبراطورية تنحو إلى السّيطرة قادتها إلى الاستعمار والعنصرية، وقد تغذّى ضميرها في القرن التّاسع عشر على جملة من القضايا أهمها ازدهار فكرة “جوبينو” العنصرية؛ وهو الكاتب الذي طبق أفكار “دارون” عن أصل الأنواع على مجال الإنسان، فخلَّف في القرن العشرين تراثًا روحيًّا ضارًا ثقيلاً أنتج “هتلر” و”موسوليني” وغيرهم، وبإلقاء نظرة فاحصة على واقع المجتمع الأوروبي يتضح لكل ذي بصر وبصيرة أن العنصرية تطل برأسها الأخطبوطي في معظم البلدان الأوروبية..

إن الاستعمار بحسب “مالك بن نبي” سبب ونتيجة في الوقت نفسه، فهو من جهة نتيجة لثقافة الإمبراطورية المتأصلة في النَّفسية الأوروبية والتي يعبِّر عنها  “ثوسيديديس” ( Thucydide) عندما يقوم ببتر المفهوم التاريخي بإلغاء تاريخ الإنسانية كله حين صرّح إن حدثًا مهمًّا لم يقع في العالم من قبل عصره.

وهذه الأقوال هي التي خلقت ثقافة الإمبراطورية، تلك الثّقافة التّي تقوم على أساطير السّيادة والعنصرية والاستعمار، ومن جهة أخرى فإن هذه المركزية تكوّنت بسبب الكبرياء والتّعالي والنرجسية؛ فالغربي الذي يولد في جوّ استعماري يتعلّم النّظر إلى الإنسانيّة بتعالٍ وكبرياء، ويتعلّم ازدواجيّة النّظرة إلى الأشياء، فهو يرى بصورة طبيعية مشاكل الغرب، أمّا حين ينظر إلى مشاكل الشعوب الأخرى فإنّه يضع نظارة على عينيه ويرى الصورة بشكل مختلف.

فالحضارة الغربيّة على الرغم من عالميتها وشمولها متمركزة أساسًا حول ذاتها، وتتعامل مع الآخر على أنه هامش وأطراف، وذلك بسبب ماديتها وفعاليتها، فالفكر الغربي يجنح على ما يبدو أساسًا إلى الدوران حول مفهوم الوزن والكم، وهو عندما ينحرف نحو المغالاة يصل حتمًا إلى المادية في شكليها؛ الشكل البرجوازي للمجتمع الاستهلاكي، والشكل الجدلي للمجتمع السّوفياتي.

وقد أنتجت الحضارة الغربية المرتكزة على الآلة والتقنية عقلا غربيا آليا باردا، فصارت الحياة أرقامًا، بل إن أوروبا النّازعة إلى الكم وإلى النسبيّة، قد قتلت عددًا كبيرًا من المفاهيم الأخلاقية، حين جردتها من معانيها النّبيلة، وأحالتها ضروبًا من الكلمات المنبوذة في اللّغة طريدة الاستعمال من الضّمير، وبحسب مالك بن نبي والمؤرخ البريطاني أرنولد توينبي (Arnold joseph Toynbee)؛ فإن الحضارة التي لا تنمو فيها إلا النَّواحي الماديّة دون أن يواكب ذلك نمو متكافئ في ميدان الرُّوح هي أشبه ما يكون بسفينة اختلت قيادتها، ومضت بسرعة متزايدة نحو الكارثة التي ستقضي عليها.

وقد تشكّلت هذه الرؤيا الغربيَّة المركزية برؤيّة -ابن الدار أرنولد توينبي- من ذلك الموروث التّاريخي للحضارة الغربية، حيث لم يحد تفسير توينبي عن تفسير المفكر مالك بن نبي الذي هو من الجانب اللاغربي فالمركزية أو الانغلاق الذاتي كما رآه توينبي يمثّل ذلك المرض الوراثي الذي ورثه الغرب عن حضارته دون مشروعيّة موضوعية، ويعتبر أرنولد توينبي من أبرز الفلاسفة والمؤرخين الذين تناولوا تفسير التاريخ بأهمية بالغة، كما يعد توينبي من أهم فلاسفة التّاريخ في عصرنا الحالي، لأسباب عديدة من أهمها ذلك القدر الكبير الذي تمتع به دون غيره من الموضوعية والحياد في نظرته إلى الحضارات المختلفة، فقد قدم تصورا فلسفيا للدراسات الحضارية مبنيا على نظرة تاريخية مبرهنة بالأدلة والبراهين والشواهد التاريخية، كما تعد نظريته إحدى النظريات التي يعتمد ويقتدي بها الكثير من الباحثين، فقد عكف في دراسة حضارات العالم طوال نصف قرن تقريبا، وقد قيّم هذه الحضارات بعد دراسة طويلة تقييما موضوعيا، فقد ذهب إلى إحصائها ومقارنتها قصد معرفة خصائصها واستهداف مضامينها، لذا فقد اعتبر الكثيرون تفسير توينبي للتّاريخ تفسيرا موضوعيا إلى أبعد الحدود، وذلك لأن هذا التفسير قائم على شواهد وأسانيد تبين ذلك، ولعلّ كل ذلك ساعده على أن يستبعد وينتقد أغلب التفسيرات الأخرى للتاريخ التي تبنت في غالبها مشروع المركزية الغربية، ويردّ على أغلب ادعاءات مؤرخي الغرب بشأن الحضارات الأخرى، وقد تشكل موقف توينبي من النّظريات السابقة المفسرة للتاريخ بشكل أساسي بالموقف النقدي، فقد تعرض في نقده إلى أبرز النظريات التاريخية وهذا ما يجعلنا نستدعي اهم سؤال نطرحه هنا على الشكل التالي: ماهي ابرز النظريات المركزية التي تناولها توينبي بالنقد؟

أولا: القول بوحدة الحضارات:

لقد خالف وانتقد توينبي أحكاما كثيرا رأى فيها أنها تكاد أن تستقر في فكر المؤرخين خاصة منهم الغربيين، فالقول بوحدة الحضارات من أجل أن تكون الحضارة الغربية أعظمها قول ليس له قيمة، بل رآه توينبي وهم اصطنعه الغرب لبسط الهيمنة وتأكيد التفوق الغربي الحديث في المجالين السياسي والاقتصادي،
أي أن استعمال مثل هذه الأفكار (وحدة الحضارة) يساعد الحضارة الغربية على بسط سيطرة وهيمنة
أكبر، كما أن هذه الفكرة هي محاولة غربية لكتابة تاريخ جديد بأحرف غربية بحتة، وقد استند الغرب في ذلك على التفوق الواضح والجلي في المجالين السياسي والاقتصادي، كما يتبين من هذا أن الغرب جعل
من هذا التفوق ذريعة لتأكيد فكرة وحدة الحضارة، إلا أن هذا ضل في رأي توينبي شكلا من أشكال ممارسة الهيمنة والتسلط الغربي، وليس شكلا دالا على وحدة الحضارات، بل هو إنكار وإجحاف في حق الحضارات الأخرى، يقول توينبي : ”وما نظرية وحدة الحضارة هذه الا رأي خاطئ تردى فيه المؤرخون الغربيون المحدثون تحت تأثير محيطهم الاجتماعي.”[3] بمعنى أن نظرية وحدة الحضارات رأي خاطئ افتعله المؤرخون الغربيون المحدثون بفعل تأثرهم ببيئتهم الاجتماعية.

”ولهذا فقد عارض توينبي النظرية العرقية التي تقول بوجود حضارة واحدة مركزية وهي الحضارة الغربية وتدور حولها الحضارات الأخرى، وأن هذه الأخيرة لا تسهم في التقدم”[4]، أي ليس لها دور فاعل في التاريخ كما يرجع توينبي وهم وحدة الحضارة إلى محاولة جعل الحضارة الغربية حضارة رائدة، وليس هذا فحسب بل أن الحضارة الغربية هي النهر الأوحد الذي تصب منه كل الحضارات الأخرى، وقد لخص توينبي وأرجع القول بهذه الفكرة إلى عدة أسباب وصفها “بالأوهام” وهي:

1-وهم حب الذات: يرجع “توينبي” وهم حب الذات إلى طبيعة الإنسان الغربي الذي يتباهى بحب نفسه كما يعتبر أنه سبب موروث، وهو ما نلمس له تعبيرا في قوله :”وبالنسبة لوهم حب الذات: فهو أمر طبيعي الى حد ما، وجماع قولنا أن الغرب ليسوا ضحاياه الوحيدين إذ عان منه اليهود كثيرا، من أنهم ليسوا شعبا مختارا فحسب لكنهم الشعب المختار الأوحد بين الشعوب”.[5] فحب الذّات شيء موروث عند الغرب، وقد بدأ ذلك في العصر اليوناني وأخذ صورة واضحة عند اليهود بادعائهم أنّهم شعب الله المختار، وتجلى بوضوح أكثر مع الحضارة الغربية خصوصا ما حملته التفسيرات التاريخية.

2-وهم الشرق الراكد: وهو وهم قائم على دراسة غير جدّية في رأي توينبي، فقد كان يعني بالشرق أي البلد الواقع بين مصر والصين الذي كان في وقت من ما متقدما عن الغرب، إلا أنه الآن أصبح متخلّفا عنه بمراحل، يقول توينبي: أما الوهم القائل بشرق لا يتغير ولا يتبدل فهو وهم سوقي لا يقوم على أساس من البحث والتمحيص بحث لا يجدي درس أسبابه كبير أهمية أو فائدة”[6] وما يعنيه هذا الوهم هو أنّ الشرق في ركود في كل الجوانب وأنّ الغرب ثبّت في فكره بأن الشّرق راكد ولن تقوم له أية قائمة، وهو نوع من الاستحقار للجانب الشرفي الذي كان في يوم من الأيّام رائدا بل ومهدا للحضارات.

كما يذكر توينبي أن هذه النظرة فقط وهم، ويبرهن على ذلك من خلال أمثلة على أن ركود الشرق يمكن أن نرى مثله في الغرب، فهما معا (الشرق والغرب) يحتويان على مناطق غير متغيرة وثابتة ولا يستطيع أهلها سوى السعي وراء محاولة التكيف مع البيئة دون أدنى تفكير في التقدم، لأنهم منهمكون بتغلب الظروف الطبيعة عليهم يقول “توينبي”: ”وبالأحرى فإن ايراد مثل هذا القول للدلالة على الشرق الغير متغير تافه”[7]، أي أن توينبي يرى أن الغرب والشرق يتشاركان في فكرة الركود، بدليل أنهما يحتويان على مناطق ثابتة لم تستطع التقدّم، لأن الطبيعة منعتها من ذلك بسبب عدم تأقلم سكان هذه المناطق معها، ومنه فتوينبي يرجع هذا كله إلى محاولة احتقار الغرب للشرق وتأكيد الهيمنة كما أسلفنا الذكر.

3-وهم التقدم: وهي حركة تتبع خطا مستقيما، يقول توينبي:” أما عن وهم التقدم كشيء يتحرك في خط مستقيم، فإنما هو أنموذج لذلك الميل والمغالاة”[8] كما أنه وهم يرجع في أصوله إلى تقسيم التاريخ إلى أطوار (قديم، وسيط، حديث)، وهو في رأي ” توينبي ” تقسيم خاطئ لأنه لم يقسم هذا التاريخ على العالم كله، بل على جزء منه وهو الغرب، وقد شبه هذا التقسيم بالجغرافي الذي يألف كتابا في الجغرافيا ويسميه جغرافيا
العالم، بيد أننا بعد فحصه يتبين لنا أنه يختص فقط على حوض الأبيض المتوسط وأوروبا ولم يتناول بقية العالم
أي أن هذا التقسيم ليس تقسيما محتويا للعالم كله بل لأوروبا فقط، إذ أن هذا التقسيم قام على منظور تاريخي غربي موجه وأنهم هم من يتحكمون في التقدم، ويعرج حسن مؤنس على هذه النقطة في كتابه “الحضارة” بقوله: ”والحضارة إلى الإمام أو إلى الأحسن إنما هو وهم”.[9] وفي هذا القول دلالة واضحة على عدم قبول التقسيم الغربي، لأنه يحمل فكرة التقدم المغلوط، ومنه فهو تقسيم غربي لم يكترث بتاريخ الأمم الأخرى.

ثانيا: نقد نظرية الجنس:

يتساءل توينبي هنا عن إمكانية رجوع قيام الحضارات إلى جنس معين؟ أو هل من الممكن
أن ننسب بدء الحضارات إلى مزية جنس معين أو أجناس خاصة؟ أي أن “توينبي” يرى أنه هل يمكن للفوارق البيولوجية بين الأجناس أن تكون علامة فارقة في ميلاد وبناء الحضارة؟ أي هل تقوم الحضارات على جنس دون الأجناس الأخرى؟ بمعنى أنه هل هناك انسان بعينه تقوم على يده الحضارة بخلاف الأجناس الأخرى
من البشرية؟

يقول توينبي  عن الجنس: ”والجنس في الإصلاح يستخدم للتعبير عن توفر صفات مميزة وموروثة في جماعات معينة من البشرية، والصفات الافتراضية للجنس التي نبحث عنها هنا، إنما هي السجايا النفسية أو الصفات الروحية التي يفترض من وجودها بالفطرة في بعض المجتمعات”.[10] أي توينبي يبحث عن الصفات الروحية
التي تتوفر بالفطرة في بعض المجتمعات، والتي تسمح لها بالقيام بحضارة.

كما يوضّح لنا القاموس الفرنسي Larousse المقصود بالعرق على أنه ” تصنيف للكائن البشري إلى: أصفر، أسود، أو أبيض حسب معيار هو لون البشرة”.[11]  بمعنى أن لون البشرة هو الذي يحدد تصنيف البشر بحسب ما جاء في القاموس الفرنسي.

وتجدر بنا الإشارة إلى أن لفض الجنس لا يخلو من الالتباس لأنه يدل في اللغة على” الأصل والضرب، والصنف الجامع، والنوع فإذا كان الشيئين مشتركين في بعض الصفات العامة، كان من نوع واحد ولهما في اللغة اسم واحد”.[12] فمفهوم الجنس في اللغة مفهوم تشوبه الالتباسات ولا يكاد بلبث على معنى واحد.

إن القول بامتياز الأجناس على بعضها قول شائع عند معظم الأمم في العصور القديمة
والوسطى، كما لا زال الغرب وخاصة أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية إلى اليوم يرون أنفسهم أحسن الأمم وأذكاها وأشرفها، وأما بقية الخلق في نظرهم همج، فالرومان مثلا جعلوا من الفرد الروماني فوق غيره بحكم القانون، حتى أنهم إذا أرادوا أن يعلو من شأن إنسان أو جنس، أصدرت الدولة قرار بمنحه الجنسية الرومانية، كما أن أهل الصين آمنوا بأنهم أفضل الأجناس ولا وجود لأي حضارة أو فضيلة خارج جنسهم، كما أنهم رأوا أنهم في غنى عن الأجناس الأخرى فهم لا يحتاجون إلى غيرهم، ولعل أبرز مثال على قولنا هذا هو بناء الصين للصور العظيم، وذلك حتى لا تتدنس أرضهم بأقدام الأجناس الأخرى[13] إن ما نلاحظه من هذا هو أن رغم اختلاف الغرب من حيث المكان والزمان، بالإضافة إلى العنصر الصيني، إلا أنهم يتشاركون في فكرة التعصب لجنسهم، أي أن أغلب الأجناس الغربية ترى نفسها في طليعة الأجناس، وهو ما جعل توينبي ينظر إلى هذه النظرية نظرة أخرى، وهنا نتساءل عن موقف توينبي من هذه النظرية؟

لقد تناول توينبي دراسة القضية العرقية بتحفظ شديد، فهي بالنسبة إليه قضية تتسم بشدة الغموض، كما أن ما زعمه “الأثنولوجيون” بشأنها لا يصح الوثوق به، وهذا ما صرح به “توينبي” من خلال قوله: ”بيد أن علم النفس -وبصفة خاصة علم النفس الاجتماعي- دراسة لا تزال في المهد”.[14] إذ اعتقد توينبي أن علم النفس الاجتماعي لم يتجاوز بعد مرحلة الطفولة، ولذلك لا يصح الوثوق المطلق بنتائج أبحاثه.

يستعرض توينبي لنا بعد تحفظه عددا من النظريات العرقية، ويبين على ضوء ما قدمته الأجناس المختلفة من مشاركة في إنتاج الحضارات المختلفة اخفاق تلك النظريات الأنثولوجية في تقسيم عملية النشوء الحضاري، فالقول بتوفق الجنس الأبيض المكون من ثلاث فروع (النوردي- الايبيرى- والالبيني)، والادعاء
بأن أبناء هذا الجنس هم الذين أنشئوا الحضارات وأمدوها بالعبقريات في مختلف مناحي ومجالات
الإبداع، والقول بامتياز العنصر الجرماني على غيره من العناصر، كما والزعم (البريطاني –الإسرائيلي) القائل
بأن بريطانيا العظمى ذات أصل إسرائيلي، كما أنها تنحدر من القبائل الإسرائيلية العشر التائهة، هذه الأقوال وغيرها تتهاوى وتكف عن الوقوف في وجه “الدراسة الحضارية المقارنة” التي قام بها ” توينبي ” والتي تبين لنا جليا أن الجنس الأسود هو الوحيد الذي لم يساهم مساهمة إيجابية في إنشاء الحضارات، ولكن توينبي بين أيضا أن إلى جانب الجنس الأسود أيضا عددا من شعوب الجنس الأبيض لم تقدم هي الأخرى أية مساهمة في بناء الحضارات،[15] أي أن توينبي رأى أن هذه النظرية (نظرية الجنس) نظرية عنصرية بالدرجة الأولى، والقاعدة
التي ارتكزت عليها هذه النظرية هي قاعدة التفرقة بين الأجناس من خلال الصفات والمزايا البيولوجية خاصة
ما تعلق بلون البشرة، وما يؤكد هذا الكلام قول توينبي الصريح في هذه النظرية إذ يقول: ” فإن أكثر نظريات الحضارة العنصرية شيوعا، هي تلك النظرية التي تضع على منصة الشرف، السلالة ذات البشرة البيضاء والشعر الأصفر والعيون الشهباء والرأس الطويل التي يدعوها البعض بالإنسان النوردي ويدعوها نيتشه بالوحش الأشقر”.[16]ومنه فتوينبي يرفض ويعلن في نفس الوقت عدم صحة النظرية العرقية التي تربط التطور الحضاري بجنس معين، كما أكد في نفس الوقت أن هناك شعوب مختلفة شاركت وساهمت في نشوء الحضارات وتطورها، أي أن نشوء الحضارات في رأي توينبي لم يقتصر على جنس معين، بل كان سبب تكوّن الحضارات ونشوؤها في رأيه يرجع إلى ذلك التلاقح والتمازج والالتحام بين الأجناس المختلفة.

إن أبرز دليل اعتمده توينبي في تفنيده لنظرية الجنس –والذي كان بمثابة البرهان القاطع -هو رجوعه إلى علم أصول السلالة ونتائج تحليله، والذي وصل علمائه إلى أن أصول السلالات البشرية تقسم الرجال البيض حسب صفاتهم البدنية إلى ثلاثة أجناس “الجنس النوردي والجنس الآلي، والجنس الكائن في البحر الأبيض المتوسط، أي أن الجنس الأبيض ليس حكرا على الغرب، كما يوضح أن كل جنس من هذه الأجناس قد ساهم في بناء العديد من الحضارات أو على الأقل المشاركة فيها، ويذكر أن النورديون ساهموا في خمس حضارات وهي: الهندية والهيلينية والغربية والمسيحية، والأرثوذكسية الروسية، كما ساهم الألبيون في سبع وربما تسع حضارات وهي (السومرية، الحيثية، االهيلينية، الغربية، المسيحية، الأرثوذكسية الأصلية، والفرع
الروسي، والإيرانية، وربما المصرية والمانوية، كما ساهم سكان البحر الأبيض المتوسط في عشر حضارات
هي: المصرية والسومرية، والمينووية*، والصليبية والغربية والمسيحية الأرثوذكسية الأصلية والإيرانية، والعربية والبابلية.[17]

ويظهر لنا جليا مما سبق تناوله، أن مختلف الأجناس شاركت في بناء الحضارات ولم يقتصر ذلك
على أساس جنس بحاله، بل أن الحضارات في قيامها احتاجت إلى ذلك التمازج والتلاقح بين الأجناس المختلفة والتي ساهمت أيضا في تقدمها، كما أننا نجد صدى واسع لنظرة “توينبي” في نظرية الأجناس في الدين الإسلامي وبالتحديد في “القرآن الكريم” حيث يقول العليم الحكيم في سورة الحجرات وبالتحديد في الآية 13: ”يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم حكيم” كما نجد نفس المعنى أيضا في السنة النبوية الكريمة من خلال قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ” ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود وأسود على أحمر إلا بالتقوى”.[18] ومنه فقد كان الإسلام سباقا في دحض الفوارق بين البشر، وخاصة ما تعلق باللون والجنس والنسب، فالنّاس سواسية كلهم، بل إن التفضيل في الإسلام كان بالإيمان والعمل الصالح أي بالتقوى وليس بشيء آخر.

وصفوة القول هو أن  توينبي  وجه من خلال نقده لنظرية الجنس ضربة قوية لأنصار هذه النظرية المتعصبة القائلين بتفوق جنس معين، وبالخصوص أصحاب البشرة البيضاء (الجنس النوردي) بالأخص، ومع العلم أن ” توينبي ” بريطاني الأصل إلا أنه أبى أن يعطي رأيا موضوعيا، وأدلة تاريخية واضحة من خلال استقرائه للتاريخ، وذكر أن الهدف هو بناء الحضارة الإنسانية، كما أبدى إعجابه بالمسلمين الذين أرجعوا الفرق بين البشر إلى أمور روحية وليس بيولوجية وبالتحديد الى التقوى، وأن المسلمين كانوا متجاوزين لفكرة العرق حيث يقول: ”لقد أثبت المسلمون ترفعهم عن الأخذ بالعرق كعامل الاصطفاء والدليل الأكثر إقناعا على ذلك منحهم بناتهم للزواج من المسلمين من لون أسود”.[19] أي أن الفكر الإسلامي بنظر ” توينبي ” استطاع استيعاب واحتواء الفروقات بين الأجناس، وخاصة في الصفات البيولوجية.

وعلى النقيض من ذلك أبرز توينبي فكرة أن المسيحيين يقسمون العالم على أنه متكون
من طبقتين، الطبقة الأولى وهي طبقة الرومانيون النبلاء، والطبقة الثانية وهي أن البقية مجرد عبدة الأوثان وهمجيين لا يرقون لمصاف الطبقة الأولى.[20] وهو في نظر توينبي تقسيم طبقي قائم على العنصرية المفرطة للعنصر الروماني.

ولا يسعنا في الأخير سوى أن نقول أن توينبي لم يرفض دور الجنس في بناء الحضارة، بل ما يرفضه
هو أن يكون الجنس العامل الأوحد والفعال في بناء الحضارة، فقد اعترف بدور الجنس، ولكن ليس بالقدر الذي أعطاه له أصحاب نظرية الجنس، كما يرجع توينبي انتشار مثل هذه النظريات إلى أنانية بعض مؤرخي الغرب.

 

ثالثا: نقد نظرية البيئة

يعرف جميل صليبيا (1902_1976) في معجمه الفلسفي البيئة بقوله ”البيئة وهي Milieu بالفرنسية وبالإنجليزية “environnement”، والبيئة في اللغة هي المنزل والحالة، وتطلق
في الإصلاح على مجموعة الأشياء والظواهر المحيطة بالفرد والمؤثرة فيه”.[21] بمعنى أن البيئة تمثل مجموعة الأشياء والظواهر التي تحيط بالفرد والمؤثرة فيه.

كما أن للبيئة أقسام: البيئة الخارجية أو الطبيعية، والبيئة الداخلية أو العضوية، والبيئة الاجتماعية والبيئة الفكرية، وفي هذا يقول “كلود برنارد” Bernard Claude * (1813-1878): ”هناك بيئتان تؤثران في الكائن الحي الأولى هي البيئة الكونية أو الخارجية والثانية هي البيئة العضوية أو الداخلية”.[22] أي بنظرة “كلود بيرنارد” أن كل من البيئتين الداخلية والخارجية تؤثران تأثيرا بالغا في الإنسان.

يرى توينبي أن نظرية البيئة لا يمكن الأخذ بها، إلا إذا قامت حضارات مستقلة في بيئات مماثلة جغرافيا، أي بحسب توينبي يجب أن تتوفر نفس الظروف لقيام أكثر من حضارة، بحيث تتشابه هذه الحضارات في البيئات الناشئة فيها، كما لا ينكر توينبي وجود حضارتين أو ثلاثة حضارات على الأكثر (المصرية
القديمة، والسومرية وحضارة الهند) من مجموع إحدى وعشرين حضارة نشأة في بيئات متماثلة جغرافيا، إلا
أن هذه الفكرة في رأي توينبي مثال شاذ لا يقاس عليه، ولا يجب اتخاذه قاعدة يجب العمل بها، ويعطي بعض الأمثلة على أن عامل البيئة ليس عاملا أساسيا في نشوء الحضارات الأولى، فحوض “مرى ودارلنك” ( يقع
في استراليا) الذي يتشابه مع واد النيل ووادي دجلة ووادي الفرات جغرافيا لم تنشأ فيه أي حضارة[23]
وهنا يضرب توينبي مثال يبين فيه على أنه ليس بالضرورة أن تقوم الحضارات في بيئات متشابهة، وبدليل
“حوض مرى ودارلنك” الذي رغم تشابهه بالأنهار الأخرى التي قامت فيها حضارات إلا أنه لم يشهد قيام حضارة فيه، يقول” مصطفى النشار” في كتابه “فلاسفة أيقظوا العالم”: ” فإذا كانت بعض الحضارات كالحضارة المصرية وحضارة وادي دجلة والفرات قد نشأت في وديان الأنهار، فإن هناك الكثير ن مناطق العالم تتماثل في مناخها وفي ظروفها البيئية مع هاتين المنطقتين، ولكن لم نرى فيها حضارات، فوادي الأردن مثلا لم يكن يوما مركزا لأية حضارة وكذلك وادي السند”[24] كما نلمس هذا المعنى أيضا في قول “أحمد محمود صبحي” حين صرح بقوله: ”فإذا كان نهر النيل علة الحضارة المصرية، فإنه يجب أن تنشأ الحضارات في بيئات من الطراز النيلي، وإذا كانت حضارة ما بين النهرين تؤكد ذلك، فإن عدم قيام حضارة في وادي الأردن يدحضها ”.[25] وهنا نرى أن توينبي يضع قدمه على أمثلة واقعية دالة على عدم ميلاد حضارات في أماكن توفرت على نفس شروط لأماكن أخرى عرفت قيام حضارات فيها، ويضرب مثالا قويا بوادي الأردن الذي رغم التشابه الذي يجمعه بنسبة كبيرة بنهر النيل إلا أنه لم يعرف قيام حضارة على جوانبه.

إن ما استخلصه توينبي من هذا هو أن البيئة الجغرافية وحدها غير كافية لتفسير قيام
الحضارات، ومنه لا يمكن إعتبار البيئة هي العامل الايجابي والفعال والأوحد الذي من خلاله تولد الحضارات وتتأتى إلى الوجود، لأن بعد عملية الاستقراء التي قام بها توينبي لنظرية البيئة، رأى هذا الأخير
أن البيئة لا تصلح لتكون سببا رئيسا في إنبعاث الحضارات، وهو ما اعترف به بصريح العبارة في كتابه” مختصر دراسة للتاريخ” وبالتحديد في نهاية الفصل الرابع من الجزء الأول بقوله: ”وعلى أية حال فإنه لا الجنس
ولا البيئة كما تصورنا حتى الآن قد قدما أو يمكن –كما هو ظاهر- أن يقدما دليل عن سبب حدوث هذا التحول العظيم في التاريخ البشري لا في أماكن معينة فحسب، بل أيضا في تواريخ معينة ”.[26]  بمعنى أن توينبي لم يقتنع بكل الأدلة التي ترجع قيام الحضارات الى الجنس أو الى البيئة كما أن مراد توينبي من التحول العظيم الذي شهده التاريخ البشري هو قيام الحضارات وميلادها وانبعاثها الى الوجود.

رابعا: نقد التفسير المركزي الهيغلي والماركسي للتاريخ:

بعد نقد توينبي لكل من نظرية المركزية الحضارية أو وحدة الحضارة ونظرية الجنس والبيئة جاء الدور على نقد كل من نظريتي هيغل وماركس في تفسير التاريخ، فأين نلمس خيوط نقد توينبي لهاتين النظريتين؟

1-نقد تفسير هيغل:

انتقد توينبي  تفسير هيغل للتاريخ والذي ربط فيه بين الروح والتاريخ، يقول هيغل: ”فتاريخ العالم إذن مسار تكافح فيه الروح لكي تصل إلى وعي بذاتها أعني لكي تكون حرة”[27]. وقد ذهب هيغل في تفسيره إلى أن الروح هي التي تمثل مجرى التاريخ- واستند في تقديم نظريته إلى مسلمة وهي أنه ليس للفرد روح مستقلة، وإنما هي جزء من المجتمع، ولذلك كان التقديس للمجتمع والذي تمثل عند هيغل في الدولة، أي أن تقديس هيغل للروح والتي يتأتى من خلالها تقديس الدولة جعل الفرد من دون قيمة، حيث أصبح التقديس للمجتمع من دون إبراز الفرد فضاع الفرد وانصهر كله في الدولة.

كما أن هذه النظرة بالتحديد جعلت قادة الفكر في الحزب النازي يسعون إلى تقديس “ألمانيا” فقد استبدلوا عبادة الله بعبادة الدولة، وهذا في نظر توينبي كارثة أخلاقية كبرى،[28] أي أن الديكتاتوريات التي قامت خاصة في ألمانيا متمثلة في الحزب النازي تميزت بجعل أغلب الشعب يلتف حولها، وذلك بزعم حب الوطن وتقديسه، كل هذا جعل الناس ينسون تقديس الإله، ويهتمون بتقديس الدولة التي عملت على إعماء نظر الشعب في الجانب الروحي، واستبدلت المشاعر الروحية بالمشاعر الوطنية.

”والدولة لا تعني عند هيغل السلطة الملزمة التي تكون قانونا فوق كل الأفراد أو الجماعة، بحيث تكون جزءا من المجتمع، بل إنها الشكل الذي تتخذه الروح إذ تتجسد تجسدا كاملا ”[29] فهيغل هنا يرى أن الدولة لا تمثل السلطة الملزمة التي تسعى لأن تكون قانونا عاما فوق كل الأفراد، بل يعتبرها تتخذ شكل الروح التي تتجسد تجسدا كاملا.

كما أن ” التطور التاريخي عند هيغل يمثّل حركة حلزونية بينما هو عند توينبي حركة منطلقة
من مجالها الضيق في امتداد خط تكاملي صاعد”[30] أي أن نظرة هيغل للتاريخ تبلغ مقصدها إلى المطلق
من خلال “الجدل الهيغلي” بين الدول المتصارعة، أما عند توينبي فهي تبلغ الحركة التاريخية في تصاعدها
إلى ملكوت الله، والتي تتجسد في الديانات والدول العالمية القائمة على الدين والسلام، وقد جعل هيغل
من الدولة غاية وليست وسيلة، وهو ما رفضه توينبي رفضا قاطعا، حيث اعتبر أن رأي هيغل خاطئ بل وجرّ أوروبا في يوما من الأيام إلى التعصّب القومي أو ما يعرف بفكرة المركزية.

2-نقد التفسير المادي لدى ماركس

من المعلوم أن ماركس (1818-1888) يأخذ عن هيغل دينامية الحركة الحضارية المتولدة
من صراع النقائض، إلا أن ماركس إقتصرها بعكس هيغل على المادة ووسائل الإنتاج والظروف التي يعمل فيها، يقول ماركس: ”إن الديالكتيك عند هيغل يسير على رأسه، ويكفي إعادته على قدميه لكي نرى
له هيأة معقولة تماما”[31] كما ينظر أن هذا الثالوث (المادة وسائل الإنتاج والظروف) يمثل القاعدة التحتية الصلبة التي تتولد عنها سائر العمليات والمنجزات الحضارية الفوقية، فهي متأثرة ومتلونة بها حاملة لدمائها ومتلونة بخلاياها، ولو كانت ذو قيم خلقية أو دينية أو عاطفية أو جمالية[32] أي أن ماركس يرى في المثلث
الذي رسمه القاعدة الأساسية التي ترتكز عليها الحضارة بصفة عامة؛ فأي منجز حضاري لا يخلو في باطنه
من أحد هذه المرتكزات سواءً كان هذا المنجز مادي أو أخلاقي أو حتى جمالي، فهو لا يخلو من الثالوث الذي رسمه ماركس.

كما أن غاية التفسير الماركسي ليست هي تحليل الماضي بقدر ما تستهدف فهم الحاضر ومحاولة التنبؤ بالمستقبل، إذ أن هدف ماركس بالتحديد كان تبيان تناقض النظام الرأسمالي الذي ساد عصره، ومن ثم إثبات تفاهته وحتمية انهياره، ثم بعد ذلك التبشير بالشيوعية أو المجتمع اللاطبقي على حساب الرأسمالية.[33]
وباختصار فهدف ماركس كان واضحا وهو محاولة القضاء على الرأسمالية.

يرى توينبي في إحدى فصوله من كتاب دراسة التاريخ أن ماركس كمفسر كلاسيكي للحرب الطبقية لعالمنا الحاضر، قد قدم هذا الأخير صورة مذهلة لانفصال “البلوريتاريا” وما يتلوها من حرب
طبقية، ثم يرى أن الصبغة الماركسية تلائم الصورة المأخوذة عن الزرادشتية واليهودية والمسيحية كما سيحدث
من تميز بالهدوء بعد أزمة تبلغ أقصى درجات العنف.[34]

إن توينبي يرفض التفسير الماركسي بل ويعتبر فكر ماركس أو الصيغة الماركسية للحرب الطبقية مثالا واضحا على إحساس الغرب بمرحلة الانهيار، ويصرح ذلك قائلا: ”ومهما يكن من أمر اعتبار هذه الصبغة الماركسية للحرب الطبقية وأسلوبها، شاهدين على ما أصبح يحس به المجتمع الغربي فعلا من سيره في طريق الانحلال”.[35] بمعنى أن تفسير ماركس خاصة فيما يخص الحرب الطبقية تفسير يعبر عن الخوف الذي تملك المجتمع الغربي.

وما نصل إليه هو أن المادية التاريخية في نظر توينبي ”بدعة إلحادية إنجرّت إليها المسيحية على يد ماركس نبي الشيوعية الفاشل”.[36] كما أنها حركة ثورية هدّامة لا تصلح بمجموع قيمها لأن تكون فلسفة لحياة الإنسان الحر المتكامل في كيان المجتمعات الحرة المتكاملة، ومنه فقد أخرج ماركس المسيحيين من دينهم المسيحي إلى الإلحاد، وهو ما رفضه توينبي جذريا بل اعتبر فكر ماركس أو كما وصفه نبي الشيوعية، فكر هدام ليست له غاية سوى المادة، وذلك على حساب الجانب الروحي الذي لم يعره أية اعتبار.

ويرى  المفكر الجزائري مالك بن نبي أن النشاط الاجتماعي لا يكون فعالا إلا لوجود سبب معين أي غاية، وهو ما لم يكن عند ماركس، وافتقره تفسيره، يقول مالك بن نبي:” منص هذه العلاقة تبدو أفكار توينبي أدنى إلى الصواب من أفكار ماركس”.[37] بمعنى أن مالك بن نبي يعيب على ماركس كون النشاط الاجتماعي الذي نادى به لم يكن فعالا لافتقاده الى الغاية المطلوبة، بعكس توينبي الذي بنى افكاره على غاية وهدف. ومن خلال هذا نرى أن توينبي قام بنقد كل من هيغل وماركس على حد سواء، وأبرز عيوبهم وأن كلا منهما كانت نظريته خاصة به، ومن منظوره التعسفي الواضح للتاريخ.

وعلى ضوء ما سبق نصل الى أنّ مفهوم المركزية يعني اضفاء ما يسمى بالتغريب على كل المجالات الثقافية واهمها المسح التاريخ الذي قام به الغرب من خلال تأليه الحضارة الغربية، وجعل كل المنجزات التاريخية للحضارة الغربية بل ومحاول كتابة كل التاريخ بأحرف غربية على حساب الثقافات الأخرى، والمركزية التاريخية تبقى من المفاهيم التي ابتدعها الغرب الذي يحسن صياغة المفاهيم والترويج لها.

قائمة المصادر والمراجع:

[1]   ـ ﻋﺒـﺪ اﷲ إﺑـﺮاﻫﻴﻢ: اﳌﺮﻛﺰﻳـﺔ اﻟﻐﺮﺑﻴـﺔ، إﺷـﻜﺎﻟﻴﺔ اﻟﺘﻜـﻮﻳﻦ واﻟﺘﻤﺮﻛـﺰ ﺣـﻮل اﻟـﺬات، اﳌﺆﺳﺴـﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴـﺔ ﻟﻠﺪراﺳـﺎت واﻟﻨﺸـﺮ، ﺑـﲑوت، ط2، 3002، ص 15.

[2] ـ ﳏﻤﺪ ﻋﻤﺎرة: ﺑﲔ اﻟﻌﺎﳌﻴﺔ اﻹﺳﻼﻣﻴﺔ واﻟﻌﻮﳌﺔ اﻟﻐﺮﺑﻴﺔ، ﻣﻜﺘﺒﺔ اﻹﻣﺎم اﻟﺒﺨﺎري  ﻟﻠﻨﺸﺮ، اﻟﻘﺎﻫﺮة، ط1، 2009، ص 81.

[3] أرنولد توينبي: مختصر دراسة للتاريخ، ج1 ، ترجمة: فؤاد محمد شبل، المركز القومي للترجمة، القاهرة، دط، 2011.ص 59.

 [4] قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، دار العلم للملايين، بيروت، ط4، 1981.ص61.

 [5]أرنولد توينبي: مختصر دراسة للتاريخ، ج1، ص61.

 [6]أرنولد توينبي: بحث في التاريخ، ترجمة طه باقر، م1، شركة دار الوراق للنشر، بيروت، ط1، 2014، ص94.

[7] أرنولد توينبي: مختصر دراسة للتاريخ، ج1؊ن أي غاية، وهو ما لم يكن عند ماركس، وافتقره تفسيره، يقول مالك بن نبي:” منص هذه العلاقة تبدو أفكار توينبي أدنى إلى الصواب من أفكار ماركس”.[37] بمعنى أن مالك بن نبي يعيب على ماركس كون النشاط الاجتماعي الذي نادى به لم يكن فعالا لافتقاده الى الغاية المطلوبة، بعكس توينبي الذي بنى افكاره على غاية وهدف. ومن خلال هذا نرى أن توينبي قام بنقد كل من هيغل وماركس على حد سواء، وأبرز عيوبهم وأن كلا منهما كانت نظريته خاصة به، ومن منظوره التعسفي الواضح للتاريخ.

وعلى ضوء ما سبق نصل الى أنّ مفهوم المركزية يعني اضفاء ما يسمى بالتغريب على كل المجالات الثقافية واهمها المسح التاريخ الذي قام به الغرب من خلال تأليه الحضارة الغربية، وجعل كل المنجزات التاريخية للحضارة الغربية بل ومحاول كتابة كل التاريخ بأحرف غربية على حساب الثقافات الأخرى، والمركزية التاريخية تبقى من المفاهيم التي ابتدعها الغرب الذي يحسن صياغة المفاهيم والترويج لها.

قائمة المصادر والمراجع:

[1]   ـ ﻋﺒـﺪ اﷲ إﺑـﺮاﻫﻴﻢ: اﳌﺮﻛﺰﻳـﺔ اﻟﻐﺮﺑﻴـﺔ، إﺷـﻜﺎﻟﻴﺔ اﻟﺘﻜـﻮﻳﻦ واﻟﺘﻤﺮﻛـﺰ ﺣـﻮل اﻟـﺬات، اﳌﺆﺳﺴـﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴـﺔ ﻟﻠﺪراﺳـﺎت واﻟﻨﺸـﺮ، ﺑـﲑوت، ط2، 3002، ص 15.

[2] ـ ﳏﻤﺪ ﻋﻤﺎرة: ﺑﲔ اﻟﻌﺎﳌﻴﺔ اﻹﺳﻼﻣﻴﺔ واﻟﻌﻮﳌﺔ اﻟﻐﺮﺑﻴﺔ، ﻣﻜﺘﺒﺔ اﻹﻣﺎم اﻟﺒﺨﺎري  ﻟﻠﻨﺸﺮ، اﻟﻘﺎﻫﺮة، ط1، 2009، ص 81.

[3] أرنولد توينبي: مختصر دراسة للتاريخ، ج1 ، ترجمة: فؤاد محمد شبل، المركز القومي للترجمة، القاهرة، دط، 2011.ص 59.

 [4] قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، دار العلم للملايين، بيروت، ط4، 1981.ص61.

 [5]أرنولد توينبي: مختصر دراسة للتاريخ، ج1، ص61.

 [6]أرنولد توينبي: بحث في التاريخ، ترجمة طه باقر، م1، شركة دار الوراق للنشر، بيروت، ط1، 2014، ص94.

[7] أرنولد توينبي: مختصر دراسة للتاريخ، ج1، ص63.

 [8]نفسه، ص63.

 [9]حسن مؤنس: الحضارة، سلسلة المعرفة، الكويت، ط2، 1978، ص315.

 [10] أرنولد تونبي: مختصر دراسة للتاريخ، ج1، ص87.

 [11] Le petit Larousse، Paris، Larousse , 2007, P890.

 [12] جميل صلبيا: المعجم الفلسفي، ج1، دار الكتاب اللبناني، بيروت، لبنان، 1982. ص417.

 [13] أمنة تشيكو: الحضارة عند مالك بن نبي وأرنولد توينبي، ، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، دط، 1981، ص31-32.

 [14]أرنولد توينبي: مختصر دراسة للتاريخ، ج1، ص 87.

 [15]أمنة تشيكو: مفهوم الحضارة عند مالك بن نبي وأرنولد توينبي، ص 32.

 [16]أرنولد توينبي: مختصر دراسة للتاريخ، ج1، ص ص 87-88.

*هي حضارة قديمة لمجتمع تفتح في” كريت ” وانتشرت خلال القرن السابع قبل الميلاد عبر بحر ايجة. أنظر:( توينبي مختصر للدراسة التاريخ، ج1، ص39-46).

 [17]مصطفى النشار: فلسفة التاريخ، دار المسيرة للنشر والتوزيع و الطباعة، عمان، ط1، 2012، ص249-250.

 [18]رواه أحمد (22978)، صححه الألباني في الصحيحين، (199/6).

 [19]نقلا عن: هدى بوفضة: دور الدين في بناء الحضارة في فلسفة أرنولد توينبي المسيحية أنموذجا، ، (رسالة مقدمة لنيل شهادة مذكرة الماجيستير في الفلسفة منشورة)، جامعة قسنطينة، 2007-2008. ص 23.

 [20]أرنولد توينبي: تاريخ الحضارة الهيلينية، ترجمة رمزي جرجس، المكتبة الأنجلو مصرية، مصر، ط1، 1963، ص 271.

 [21]جميل صليبا: المعجم الفلسفي، ج1، ص 221.

*عالم وفيلسوف فرنسي ولد في سان جوليان، له دكتوراه بعنوان العصارة المعدية ودورها في التغذية، وصف بأنه رجل المختبر. أنظر(جورج طرابيشي: معجم الفلاسفة، ص166).

 [22]نقلا عن: جميل صلبيا: المعجم الفلسفي، ج1، ص 222.

 [23]أمنة تشيكو: الحضارة عند مالك بن نبي وأرنولد توينبي، ص 35.

 [24]مصطفى النشار: فلاسفة أيقظوا العالم، دار قباء للطباعة والنشر و التوزيع، القاهرة، ط3، 1998، ص365.

 [25]أحمد محمود صبحي: في فلسفة التاريخ، مؤسسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية، مصر، دط، 1975، ص 269.

 [26] أرنولد توينبي: مختصر دراسة للتاريخ، ج1، ص 100.

[27] فريديريتش هيغل: محاضرات في فلسفة التاريخ، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *في ذكراه التاسعه :أحفاد حسن حنفي يهاجمون أركون

العالم العربي لا يقرأ والمثقفون العرب لا يقرأون لبعضهم البعض أيضا ! هذه حقيقة يؤكدها ...