الرئيسية / أخبار ثقافيه / محمد عرفات حجازي*يكتب :الدعاية الفضائية والقيم الأخلاقية

محمد عرفات حجازي*يكتب :الدعاية الفضائية والقيم الأخلاقية

فيما مضى كان بوسع أفراد الأسرة الالتفاف حول وسائل الإعلام بمحتوياتها وبرامجها ومتابعتها دون أدنى تحفّظ، وتدريجيًا مع بعض التطورات الدخيلة، أصبح على الأسرة أن تختار أوقات مناسبة لتلافي مواجهة مشاهد أو محتويات تخدش الحياء بجرأتها، والإعلانات وما فيها من أساليب الإثارة والجذب عبر الإيحاءات الجنسية.. وبدورنا تتساءل هل من سبيل لمواجهتها حتى لا يصبح الإعلام سلاح ذو حدًّ واحد؟!..

إن الإعلانات فن، ويجب أن يراعي أسلوبها القاعدة المشتركة للشريحة الكبرى في المجتمع. وفي الوقت الذي بدأت فيه مدرسة الإثارة تتراجع في أمريكا على سبيل المثال لتحلّ مكانها مدرسة الفكاهة، نجد أن العكس قد حصل لدينا، وأصبحت بعض الحملات الدعائية تلجأ إلى هذا الأسلوب المرفوض والذي لا نراه انفتاحًا أو تطورًا كونه يتعارض مع ديننا وقيمنا.

وتتنوع الدعايات التجارية بين أنواع المياه الصحية عالية الجودة للشرب، وأشهى الوجبات والمقبلات في المطاعم، مرورًا بألعاب الأطفال، والمنشطات الجنسية، والفوط الصحية، والملابس الداخية، إلى جانب الدعايات الترويجية للأفلام السينمائية والمسلسلات والأغاني بشتى صورها..

وفي الوقت الذي يرى فيه الألسني الأمريكي “نعوم تشومسكي” أن (وظيفة المنظومة الإعلامية الأمريكية هي أن تسلّي وتُلهِي وتعلّم.. وكذلك أن ترسّخ لدى الأفراد القيم والمعتقدات، وقوانين السلوك، التي تجعلهم يندمجون في بنى المؤسسات داخل المجتمع الموسّع. وحتى يكون بالمستطاع القيام بهذا الدور، في عالم تتمركز فيه الثروات، وتشتدّ وتقوى فيه النزاعات بين مصالح الطبقات يجب القيام بدعاية منظمة). يبيّن المفكر الفرنسي “روجيه غارودي” في بداية التسعينات من القرن المنصرم أن فلسفة الإعلام في الغرب تنطوي على تحريض دائم وحاسم، من أجل تجنيد المشاهدين بالإغراء، ودعوة إلى الغوغائية، وإلى الخمول الدائر تجاه رأي عام تتلاعب به الدعاية والإعلانات. ووفقًا لرأي غارودي، فإن ما تسعي له القنوات الفضائية العربية والأجنبية، من خلال دعاياتها، هو تكوين جيل من الشباب لا يدرك ولا يشعر بما يقوم به من سلوكيات في حياته اليومية، وكأنه مخدر بما يصله يوميًا من ومضات مسموعة ومرئية.

إن هدف الإعلانات جذب الانتباه لشيء ما قد يكون رأيًا أو فكرة أو شخصية كما في الانتخابات، ولكن الغرض الأكثر شيوعًا من الإعلانات التجارية هو الترويج للسلعة، وجذب الانتباه بأي وسيلة كانت، وكأنها تطبق المبدأ الميكافيلي: الغاية تبرر الوسيلة، وقد تفننت شركات الإعلان في تبني هذا المبدأ متجاوزة المعقول والمقبول إلى خانة الخطوط الحمراء، وقد ساعدتها على ذلك وسائل الإعلام المختلفة، والتي تهتم فقط بالعائد الإعلاني الذي تحصل عليه نظير مساحات زمانية أو مكانية تشغلها تلك الإعلانات.

إن تكرار بعض الدعايات سالفة الذكر ستنزع شعرة الحياء المتبقية لنا، كما أن لهذه الدعايات أثر كبير في زعزعة الثوابت الدينية في نفوس الشباب والأطفال، وكذلك في الترويج لصور مرفوضة، وذلك من خلال امرأة متبرجة مثلًا في الترويج للعطور، أضف إلى ذلك، كونها تأجج مشاعر الشباب، فلو قمنا بتشريح خلايا مخ المراهقين لوجدنا أن أغلبها منشغلة بالعلاقات العاطفية والجنسية وهي نتيجة طبيعية لتكريس هذه الأفكار في أذهانهم من خلال الإعلانات.

وإذا كانت الصورة ـ كما يقول الكاتب الفرنسي الشهير ريجيس دوبريه: تتضمن قدرة هائلة على الاستحواذ على وعي الناس وانتباههم وأذهانهم، وتنفذ إلى زمانيتنا الخاصة، وأنها اجتياح لحميميتنا الفردية، فهذا يعني أن الإعلان المرئي مثلًا، رسالة اتصالية إقناعية مؤثرة، تكون في بعض الأحيان ذات طبيعة مزدوجة، إحداها متعلقة بالسلعة، والأخرى متعلقة بالقيم والسلوك.. فمثلًا إذا اقتنع المشاهد بشراء السلعة أو لم يقتنع، فإنه يتأثر بشخصيات الإعلان (مظهرها، طريقة حديثها، حركاتها…) وذلك بصورة مستقلة عن المنتج أو الخدمة المعلن عنها، ومع تكرار العرض يترسخ هذا التأثير، مما يجعل من تلك الدعايات واحدًا من أقوى وسائل الإقناع والتأثير والتغيير الاجتماعي، وذلك بصورة موازية لوظيفته الاقتصادية الأصلية.

إن ما يشاهده الشباب العربي من ومضات إعلانية متنوعة، عبر الفضائيات خصوصًا، والتي يغلب عليها طابع الترفيه والتسلية المبالغ فيهما، والإغراء والإغواء من خلال إظهار مفاتن النساء، وظهور النساء مع الرجال في أفلام إعلانية خليعة تروج للمارسات الجنسية، وفي ظل تزايد بث هذا النوع من الومضات والبرامج المغرية قد يكون لذلك انعكاس خطير على حياة الشباب، يدفع بالكثير منهم إلى الانفصال التدريجي عن الواقع الذي يعيش فيه؛ إذ قد يعتقد الشباب أن الحياة تجري على أساس النمط المعروض أمامهم، وهذا في حقيقة الأمر عزل اصطناعي للشباب عن واقع الحياة كلها بكل ما فيها.

فضلًا عما سبق، فإن لتلك الإعلانات تأثير سلبي على الطفل في تنشئته على السلوك الاستهلاكي، إلى جانب زيادة تطلعاته بشكل يؤدي إلى رفضه لواقعه الأسري، مما يؤدي إلى أشكال مختلفة من الصراع داخل الأسرة، وداخل الطفل ذاته، وإصابته بالإحباط، أو لجوئه إلى ممارسة سلوكيات غير سوية للحصول على المال الذي يحقق له تلبية ما يشاهده ويسمع عنه من سلع ومنتجات، أيضًا تأثيرها على ثقافته وقيمه، ولغته، وتحديده أولويات احتياجاته، وتشكيل ذوقه.

وفي ظل تزايد الفترات الإعلانية في الفضائيات العربية، وخصوصًا الإعلانات المستوردة من الدول الأجنبية، أصبح شبابنا تائهًا قد يقلد كل ما يشاهده عبر هذه الومضات، والتي على الرغم من قصر مدتها الزمنية فإن أثرها قد يكون عميقًا، خاصةً عندما يتكرر عرضها، حيث تصبح مطبوعة في ذهن المتلقي، وهذا ما يؤكده المفكر الجزائري “عزي عبد الرحمن” قائلًا: “إن التأثير يكون إيجابيًا إذا كانت محتويات الرسالة الإعلانية وثيقة الصلة بالقيم، وكلما كانت الوثائق أشد كان التأثير إيجابيًا، وبالمقابل يكون التأثير سلبيًا إذا كانت المحتويات لا تتقيد بأي قيم، أو تتناقض مع القيم، وكلما كان الابتعاد عن القيم أكبر، كان التأثير السلبي أكثر”. وقد يكتسب الشباب، نتيجة تلك المشاهدات، العديد من السلوكيات والعادات الغربية، سواء أكانت مفيدة أو ضارة، وذلك تحت شعار الموضة، ومواكبة تطورات العصر، وواقعنا الحاضر خير دليل على تلك التغيرات السلوكية والقيمية.

ومن هنا يأتي سؤالنا الرئيس: كيف هو السبيل لمواجهة تلك الدعايات حتى لا يصبح الإعلام سلاح ذو حد واحد؟!.. ومن يحمي المواطن من الدعاية التجارية المضللة؟، وهل الأجهزة الرقابية كافية لتحقيق هذه الحماية؟!.

ينبغي على شركات الدعاية والإعلان أن تراعي المكان والزمان الذي تبث فيه نوعية الإعلانات الخادشة للحياء، والمثيرة لتساؤلات الأطفال وشهوات المراهقين، ومن جهتنا كمشاهدين، يجب أن نعلن رفضنا لهذه النوعية من الإعلانات وذلك عبر المقالات والندوات والمنتديات، ومقاطعة الشركات والمنتجات التي تعتمد على الخلاعة كأسلوب ترويجي، ولسنا مع ما ذهب إليه البعض من تشفير بعض القنوات، أو منع الفضائيات في المنزل؛ فمثل هذه الحلول تسبب نوعًا من الصدمة الحضارية للنشء بسماعهم عن الوسائل المحرمة عليهم عن طريق الأصدقاء، مما قد يدفعهم إلى اللجوء لأساليب خفية لمتابعتها بعيدًا عن الأهل، بل يجب أن نقابل الانفتاح الإعلامي بانفتاح فكري من الجميع، وهو ما يعني القدرة على التعامل مع جميع الأدوات والمهارة في استخدامها وتطويعها بما يتلاءم مع ثوابتنا عن طريق الحوار والإنصات والتفهم والصبر، إلى جانب ممارسة المؤسسات الحكومية المعنية الرقابة على الجهات المقدمة للخدمات والسلع المختلفة للمواطنين، وتطوير معايير قياسية لكل قطاع، وأخيرًا، فباعتقادي أنه لا بد من تشريعات تتضمن قواعد قانونية تُعنى بحماية المواطن من التضليل والخداع والتدليس، وإيجاد تكييف قانوني يجرم الدعايات الخادشة للحياء والمثيرة للفتن والجرائم، وذلك لحماية المواطن الذي هو رأسمالنا الحقيقي..

أهم المراجع

  • روجيه غارودي، ثقافة اللامعنى، فصل من كتابه الهدامون.
  • عزي عبد الرحمن، الثقافة وحتمية الاتصال، نظرة قيمية، مجلة المستقبل العربي، عدد 295، سبتمبر، 2003م.
  • محمد شطاح، التلفزيون والطفل، مجلة المعيار، قسنطينة، عدد 7، ديسمبر، 2003م.

 

****************

* (باحث أكاديمي مصري)

شاهد أيضاً

صفاء عبد السلام *:الرجال من المريخ والنساء من الزهرة

  بعد ظهور العديد من البرامج التليفزيونية التي تقوم بإدلاء النصائح للنساء أو الرجال في ...