الرئيسية / أخبار ثقافيه / د. سامي نصار*يكتب /د. لبيب ديميتري عطية:رجل الساعة

د. سامي نصار*يكتب /د. لبيب ديميتري عطية:رجل الساعة

 

 

كان استاذي بقسم الدراسات اليونانية واللاتينية بكلية الآداب جامعة القاهرة في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، وكان من أوائل من حصلوا على الدكتوراه في اللغة اللاتينية من جامعة ليفربول بالمملكة المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية. درست على يديه باللاتينية أعمال شيشيرون (الفيلسوف والسياسي والخطيب) وتاكيتوس (المؤرخ) وفيرجيليوس (الشاعر) وليفيوس (المؤرخ والفيلسوف) كما درس لي قواعد اللغة اللاتينية والترجمة من اللاتينية إلى الإنجليزية وبالعكس.

ولست هنا أحاول عرض قيمته كأستاذ للأدب اللاتيني، ولكنني أحاول أن أتذكر نمطا من أساتذة الجامعة. نمط تتجسد فيه القيم الجامعية بأسمى معانيها من التزام بالمنهج العلمي، والعقلانية، وحرية الفكر والرأي والحوار، والدقة، والنزاهة والالتزام

وكان يجسد هذه القيم في تدريسه وفي علاقته معنا، فكان يرسخ في نفوسنا قيم الشك والتساؤل، وأنه لا يقين في العلم، وأن ليس ثمة حقيقة مطلقة، وأن لا أحد يملك الحقيقة، فكان دائما يقول بالإنجليزية –وهي لغة محاضراته-قد أكون مصيبا وقد أكون مخطئا، كما كان يتوقف أحيانا ويعلق حكمه في قضية ما قائلا: انتظروا، سأعود إلى مراجعي أولا. وذات مرة اختلفت معه في ترجمة كلمة ما من اللاتينية إلى الإنجليزية وتمسكت برأيي، فكان أن قال لنحتكم سويا إلى القواميس والمعاجم المتخصصة، ولم يقل لي ارجع إلى القاموس وحدك. وفي المحاضرة التالية قال لي: ما رأيك؟ فقلت له أنا مخطئ فالكلمة بهذا المعنى لا يستخدمها إلا شيكسبير وحده.

وكانت للدكتور لبيب فلسفة خاصة في تدريس النصوص اللاتينية تقوم على أننا لن نعيد كتابة هذا التراث و من ثم فإن الهدف من دراسته إلى جانب  إجادة اللغة اللاتينية، والتعرف على أفكار الفلاسفة و المؤرخين والشعراء الأقدمين ومذاهبهم، أن نوثق الصلة بين اللغة اللاتينية القديمة و اللغات الأوربية الحديثة على نحو يمكننا من إجادة الأخيرة كتابة و تحدثا، ولا يعني هذا أنه كان يتساهل معنا عندما نترجم من اللاتينية وإليها، بل كان يطالبنا بنوعين من الترجمة : الأولى ترجمة حرفية تظهر تمكننا من قواعد النحو في اللغة اللاتينية  وإدراكنا لبنية النص والعلاقات بين أجزائه وفهمنا لمعانيه.  والثانية ترجمة أدبية حرة يحرص فيها على أن تكون لغتنا الإنجليزية صحيحة، معنى ومبنى، وأن تعكس الترجمة روح النص اللاتيني بقدر ما نستطيع.  وقد كان حريصا على تصحيح ما يكلفنا بترجمته من التراث اللاتيني بالحبر الأحمر وبيان اخطائنا والتعليق عليها كتابة، وأن نشترك جميعا في مناقشة نتاج أعمالنا وهو ما يعرف اليوم في التربية بتقويم النظراء. وقد ساعدنا هذا على اكتساب مهارات التفكير الناقد وكذلك ممارسة النقد الذاتي، وتقبل وجهات النظر المخالفة، فضلا إجادة أكثر من لغة أوربية حديثة وفهمها بدرجات متفاوتة.

وقد كانت طريقته في التدريس، القائمة على الحوار، سببا في توثيق علاقته بطلابه على نحو مكنه من معرفة قدراتهم وميولهم واهتماماتهم، ففي نهاية كل عام دراسي كان يقوم بجرد مكتبته الخاصة، ويوزع علينا ما لا يحتاجه من كتب وفقا لما أدركه من ميول كل فرد منا سواء في الفلسفة القديمة، أو الأساطير، أو التاريخ، أو الشعر أو المسرح.

وإذا كان الكاتب الساخر الراحل محمد عفيفي قد أطلق على الأديب الكبير نجيب محفوظ لقب رجل الساعة ليبين مدى التزامه بالوقت، فإنني أستطيع القول إن الدكتور لبيب ديمتري عطية قد تفوق على نجيب محفوظ في الالتزام بالوقت والمواعيد، وأنه يستحق عن جدارة لقب رجل الساعة. فهو على مدى ثلاث سنوات، درس لي فيها، لم يتغيب يوما ساعة واحدة، ولم يتأخر دقيقة عن موعد بدء محاضرته، بل كان يقف على باب حجرة الدراسة قبل موعد المحاضرة بربع ساعة. وأذكر أنه في يوم هطلت فيه على القاهرة أمطار غزيرة، وغرقت الشوارع، وتعطلت كافة أنواع المواصلات، فساورتنا الأفكار والتمنيات الخبيثة بأن الدكتور لبيب لن يحضر، أو أنه في أحسن الأحوال سوف يأتي متأخرا، لأنه كان يسكن في حي شبرا، ويأتي إلى الجامعة من ميدان التحرير ماشيا، كنوع من الرياضة، كما كان يفعل أيضا الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط والأديب الكبير نجيب محفوظ. ولكن لم نكد نشعر بمتعة أن نشهد لبيب غائبا (على غرار أوديب ملكا)، إلا ونراه قادما في آخر الممر يجري بأقصى سرعة، وقد تبللت أطراف بنطلونه بالماء، داعيا إيانا إلى دخول قاعة الدراسة.

كان الدكتور لبيب ديمتري عطية نمطا فريدا من الأساتذة يندر أن يتكرر، لم أصادف مثله منذ أن دخلت الحياة الجامعية منذ ما يقرب من نصف قرن وحتى الان مع تغير الظروف والأحوال. إنه نمط يندر أن تصادفه الآن في أروقة الجامعات اللهم إلا في أحاديث الذكريات.

**************************

*العميد الأسبق لكلية الدراسات التربوية -جامعة القاهرة

شاهد أيضاً

صفاء عبد السلام *:الرجال من المريخ والنساء من الزهرة

  بعد ظهور العديد من البرامج التليفزيونية التي تقوم بإدلاء النصائح للنساء أو الرجال في ...