الرئيسية / أخبار ثقافيه / محمد جابالله *يكتب :إحداثيّــــات التـــاريــــخ 

محمد جابالله *يكتب :إحداثيّــــات التـــاريــــخ 

 

يعرف التاريخ بأنّه تسجيل للوقائع والأحداث التي جرت في زمن الماضي على أسس عقلانيّة، ليكون كوسيلة تساهم في فهم الحاضر والتنبؤ بالمستقبل. فالتاريخ هو واقع ما في زمن معيّن وتسليط للضوء على فضاء واسع، بما يحيط بالفضاء من حيثيات وتفاصيل سواء كانت مهمة أو غير مهمّة بالنسبة لمن يعيش في زمن الحاضر.

لكن، مع مرور الزمن أصبح التاريخ كلمة تتسم بالجمود وتوحي بثبات الحدث وعدم حركيّته وكاّنّه خرج على الإنسان من عالم غريب أو وضع في الكتب بطريقة سحريّة أسطوريّة جاهزة غير قابلة للبحث والغوص فيه، ممّا جعلنا نتقبّل أيّ تسجيل للأحداث وأيّ رواية تختزل واقع ما كشيء مثالي غير قابل للنقد ولا إختلاف الرؤية فيه.

فهل يمكن أن نحيط بالتاريخ ونضعه في طريق واحد أم أنّ طرق التفكير وتطوّر مناهج العلم ووسائله تحتم علينا قرائته بنواحي متعددة بل ومتناقضة في بعض الأحيان ؟

 

إنّ دراسة التريخ تتطلب منا الكثير من التحقيق في الأحداث والواقائع من زوايا كثيرة قد تكون متناقضة فيما بينها لكنّها، تثبت مدى صحّة حدث ما ومدى واقعيّته وحّى قابليته للتصديق. يهدف من هذا بشكل أساسي عدم إختلاط التاريخ الذي صنعه الإنسان ككائن حيّ والأسطورة والخرافة.

فرغم أنّه يوحي دائما في الأذهان على فترة الماضي خاصّة منه بعيد الإمتداد في الزمن والحدث الذي عفت عنه الأيام وجرفته عن المشاهدة المباشرة إلاّ أنّ العصر الحديث وتطوّر وسائل التكنولوجيا بما فيها الوسائل المرتبطة بعلم الآثار والبحث في الروابط التي تحيط بتاريخ ما، أفرزت لنا عدم منطقيّة تلك الأفكار السالفة ، بحيث يظهر في كلّ مرّة إكتشاف أو معلومة جديدة تغيّر وجه التاريخ وتثير الدهشة في وجوه المتعصبين الذين يبنون أفكارهم عادة على الخير الذي لا ينازعهم فيه أحد.

فلا يمكن بحال من الأحوال أن نحكم على تاريخ من دون الإحاطة بما يجب من معلومات تخصّه وهذا ما أعتقد أنّ شرط لا يستطيع التاريخ أن يخضع له لأنّ هذا الآخير رهين زمنه.

فإذا حاولنا التجرّد من العاطفة التي تسبق قراءة الأمور، فإنّ التاريخ علم نزيه لا يحمل رؤية محدّدة، وهذا ما يجب أن يعمل في إطاره المؤرخون، وألاّ يصبغو صبغتهم الشخصية على المجرى الطبيعي للأحداث. لأنّ الإنسان في الحقيقة هو من يحمل الرؤية ويجعلها تجري في عجلة التاريخ. وهو أمر نادر التفريق فيه في عقول المجموعات البشريّة، إذا أنّ محاولات التقديس لأيّ تجربة تاريخيّة لأيّ عنصر بشري يكون في معظم الأحيان محاولة ركيكة للهروب من الواقع.

إنّ من البديهي أن يكون لكلّ تاريخ حدث ولكل حدث تاريخ. فعجلة الحاضر سبقت عجلة الماضي في البحث ما وراء السطور نظرا لتطور العقل البشري بفعل التجارب الإنسانيّة والفلسفة بصفة عامّة التي تعتبر أمّ العلوم بكافة أصنافها. فالعلم يبدأ بسؤال وينتهي بجواب والسؤال يمكن أن يفرز سؤالا آخر وهكذا …

فتطوّر العقل الإنساني وروح التفلسف في نشاط الإنسان ، جعله يحتكر ملكة التفكير، وينظر للعالم من حوله بشكل أوسع من ذي قبل وأنّ لكلّ رؤية مبرر لدى صاحبها، بإستثناء السفسطة وبعض الأقاويل إصطنعتها بعض الأقوام لبرير شيء ما في الحاضر. ففهم التاريخ من زوايا متعددة أمر مهمّ ويجعلنا نفقه جيّدا مدى تطابق الفكرة والمبدأ مع العقل سواء في ذلك الزمان أو تكيفها مع الحاضر. فالمفترض أنّ الإنسان يعيش لحظة الآن بفعلها الماضي والحاضر والمستقبل. إذن فكلّ هذا تاريخ يحتاج لقراءة عميقة ومرتبطة ببعضها البعض.

إنّ المحاولات المستمرة لإسقاط التاريخ رغم تشابه أحداثه مع العصور التي تلحقه هي محاولات غير منطقية . فقد تتكرّر الأحداث لكن بآليات مختلفة تماما. فالآليات  التي يستعملها الإنسان البدائي والقديم تختلف عن الآليات التحليلة التي يستعملها الإنسان المعاصر.

فللتاريخ بما يحمله من أفكار وأدوات كالتراث وغيره تأثير كبير على طرق التفكير وإستنباط الآراء. فمن يمتلك المقود فيه يستطيع أن يوجه الواقع وجهة معيّنة ويحقق الأهداف المرجوة. فهو مجال للصراع والتطاحن من أجل أن تثبت رؤية تفوقها على رؤية أخرى. لهذا تلعب الإشاعة والتحريف دورا خارقا للعادة في هذه الحلبة.

إنّ الرؤية الواحدة المتفردة لا تخقق مبتغى التاريخ في التأسيس للحاضر. فالإنسان الذي يمارس التفكير بإستمرار، منوط به الإستفادة من الأجيال السابقة ودراسة الأوضاع من الناحية السياسية ، الثقافية ، الإقتصادية ، الإجتماعيّة ، … حتّى يستطيع أن يفهم كلّ تجربة وملائمتها لواقعها . فإختلاف الوسائل كما تطرقنا إلى ذلك يجعل من التطابق في التجارب أمرا مثاليّا بطريقة ساذجة تحطّم في الإنسان رغبته الدفينة والطبيعية المتجذرة فيه ألا وهي ” صناعة التاريخ “.

كلّ تاريخ يجب أن يفهم في وقته وأن لا نحكم على مصداقية حدث بشكل مطلق . بل إنّ الأمر نسبيّ نظر لتغيّر الأفكار وتطوّر الآراء زمنا بعد آخر. فالتاريخ يحتاج لفترة زمنية كافية حتى يتم التدقيق فيه وتقديم صورة واسعة له. فإذا كان التاريخ منوط به تأسيس الواقع ، فكيف إذن يساعدنا في إستشراف المستقبل ؟

*************************

*باحث من تونس

شاهد أيضاً

د.عبد الله سليمان *يكتب:أنت وذاتك والحب

  فكرت أن يكون عنوان هذا المقال: “الطفل: الذات والحب”؛ لكني وجدت وأنا أصوغه أنه ...