الرئيسية / أخبار ثقافيه / محمد عرفات حجازي*يكتب:مؤسسات المجتمع المدني والمنظومة الأخلاقية

محمد عرفات حجازي*يكتب:مؤسسات المجتمع المدني والمنظومة الأخلاقية

فاعلية مؤسسات المجتمع المدني في المنظومة الأخلاقية

يعبّر مفهوم المجتمع المدني عمومًا عن هموم وظواهر مختلفة هي تاريخ تطور الفكر السياسي، بحيث ترتبط الدلالات بالمدلولات في سياق تاريخي معين. وقد قصد به توماس هوبز في منتصف القرن السابع عشر: المجتمع المنظم سياسيًا عن طريق الدولة القائمة على فكرة التعاقد. وبالنسبة إلى جان جاك روسو في القرن الثامن عشر، فإن المجتمع المدني هو المجتمع صاحب السيادة. أما مونتسكو فقد عبر عن المجتمع المدني في سياق بحثه عن البنى الأرستقراطية الوسيطة الشرعية، والمعترف بها من السلطة، والقائمة بين الحاكمين والمحكومين. وجاء دو تو كفيل ليشدّد على دور المنظمات المدنية الفاعلة في نطاق الدولة بالمعنى الضيق. بينما حاول غرامشي القفز على التعريف الماركسي للمجتمع المدني كمجتمع برجوازي وجعله النطاق الذي تتم فيه الهيمنة الثقافية، خلافًا لعملية السيطرة التي تميز المجال السياسي.
لقد لجأ الباحثون لتعريف منظمات المجتمع المدني بأنها: مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة، التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة، لتحقيق مصالح أفرادها، ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح، والإدارة السليمة للتنوع والاختلاف.
ومن خصائص العمل التطوعي أن يقوم على تعاون الأفراد في سبيل تلبية احتياجات مجتمعهم، ما يعني أنه يأتي بناءً على فهم احتياجات المجتمع. ويهدف إلى تخفيف معاناة الناس المتباينة، وبذلك فهو تجسيد عملي لفكرة التكافل الاجتماعي بوصفه يمثل مجموعة من الأعمال الخيرية التي يقوم بها بعض الأشخاص الذين يتحسسون آلام الناس وحاجاتهم، الأمر الذي يدفعهم لتقديم التبرع بالجهد والوقت والمال لخدمة هؤلاء الناس بهدف تحقيق الخير والمنفعة لهم.
وتتكون منظمات المجتمع المدني من الهيئات التي تسمى المؤسسات الثانوية مثل: الجمعيات الأهلية، والنقابات المهنية والعمالية، والمؤسسات الخيرية، وجمعيات حقوق الإنسان، وجمعيات حقوق المرأة، والنوادي الرياضية، وجمعيات حماية المستهلك، وما شابهها من المؤسسات التطوعية.
وبرغم اختلاف منظمات المجتمع المدني في تسمياتها وأشكالها، إلا أنها تتقاسم مجموعة من الخصائص الأساسية مثل كونها منظمات خاصة، وغير ربحية، ومستقلة، وتطوعية بحيث يملك الأفراد الحرية بالانضمام إليها أو دعمها.
تتجلى مساهمة مؤسسات المجتمع المدني في تنمية المجتمع من خلال ثلاثة جوانب هي الجانب الاجتماعي، والجانب الاقتصادي، وجانب تنموي متنوع..
فعلى صعيد الجانب الاجتماعي، تعمل مؤسسات المجتمع المدني على حرية التجمع مما يتيح حرية التعبير، والتي يمكن من خلالها تحقيق مطالب الجماهير. كما أنها تتيح التجمع للأفراد رغم تباين الفوارق القائمة بينهم، وهذا بدوره يدعم التسامح ويساند التعددية سواء داخل المجتمع نفسه أو بين المجتمعات في حالة المؤسسات الدولية. أيضًا وجود تلك المؤسسات يعدّ من خصائص المجتمعات المسالمة والمستقرة التي يسود فيها الاحترام الراسخ لسيادة القانون. أخيرًا، فإن تقديم الدعم المالي لتلك المؤسسات يعني زيادة التواصل بين مختلف طبقات المجتمع، وتفهمًا وإيثارًا من قبل الأغنياء لاحتياجات الفقراء، وهذا بدوره يعمل على توحيد صفوف المجتمع ونشر التلاحم والتآزر فيما بينهم.
وفيما يخص الجانب الاقتصادي، فتتجلى مساهمة مؤسسات المجتمع المدني من خلال عدة أبعاد، أبرزها: أنها تسهم في مكافحة ظاهرة الفقر من خلال تقديم المساعدات المباشرة أو التنمية والخدمات، وبذلك تقضي على أحد أبرز أسباب الجريمة، كما أن تلك الخطوة تساعد على تخفيف الفجوة بين الطبقات. أيضًا فإن إعادة توزيع الدخل بين الفقراء والأغنياء يزيد من رفاهية المجتمع ككل. كذلك فإن المصروفات السنوية لهذه المؤسسات تؤدي إلى إنعاش الاقتصاد وزيادة فرص العمل. أضف إلى ذلك أن الانخراط في العمل التطوعي يعد بمثابة استثمار لأوقات الفراغ مما يحد من الانحراف وراء الأهواء.
ومن جانب ثالث، تتمحور مساهمة مؤسسات المجتمع المدني في العديد من المجالات التنموية الأخرى، والتي من بينها: توعية المواطنين بأهمية المحافظة على البيئة وحمايتها من التلوث، وتثقيف أفراد المجتمع من خلال تنظيم الندوات وورش العمل والندوات، ناهيك عن كون العمل الاجتماعي يمثل فضاءً رحبًا ليمارس أفراد المجتمع من خلاله ولاءهم وانتماءهم لمجتمعاتهم، كما يمثل أيضًا مجالًا مهمًا لصقل مهارات الأفراد وبناء قدراتهم. أضف إلى ما سبق أن العمل التطوعي يؤدي إلى راحة النفس والضمير، وينمي الشعور بالاعتزاز والفخر بالثقة بالنفس عند من يتطوع؛ إذ أن التطوع يقوي الرغبة بالحياة عند الأفراد ويفعمهم بالأمل والثقة بالمستقبل حتى أنه يمكن استخدام العمل التطوعي لمعالجة الأفراد المصابين بالاكتئاب والضيق النفسي والملل.
لاحظنا مما سبق أثر تلك المؤسسات الناجع في المنظومة الأخلاقية الفردية والاجتماعية على حد سواء، ومدى قدرتها على الرقي بسلوكيات الأفراد، سواء على المستوى الفردي والنفسي أو الاجتماعي والوطني. ولتفعيل دور تلك المؤسسات، نقترح جملة من التوصيات للوصول بمستوى تلك المؤسسات إلى مستوى الطموح، وهي: الاعتماد على المرجعية الإسلامية بدلًا من الاعتماد على الخطاب الغربي وحده (الديمقراطية/ المواطنة/ الحزبية…). اختيار الشخصيات الإدارية المؤهلة لقيادة تلك المؤسسات سيقوي من أدائها. وضع خطط تنموية شاملة تعكس مدى النشاط والأهداف التي يمكن تحقيقها أو تحقيق تطوير نوعي في نشاطاتها. تمركز برامج تلك المؤسسات على المفهوم التنموي بدلًا من أنه الأقرب إلى الإحسان. الفصل بين تلك المؤسسات والأحزاب؛ إذ تفقد مؤسسات المجتمع المدني مساحة واسعة من استقلالية القرار الإداري والمالي، وتبقى أسيرة في رسالتها لرؤية الحزب. تعزيز ثقافة التطوع من خلال وسائل الإعلام والمناهج الدراسية والمؤسسات الدينية. ومنح هذه المؤسسات حاجتها من الأراضي لإقامة المشروعات الخيرية عليها، وشمولها بالإعانة الحكومية، وتقديم إعفاءات فواتير المياه والكهرباء والضرائب ودعمها في مجال الكتب والمعدات وغيرها..
إن تلك المؤسسات إذا تلقت الدعم الكافي وحققت وظائفها وأهدافها يكون المجتمع قد حصل على قناة جديدة وهامة في التكوين الثقافي إلى جانب القنوات التقليدية المعروفة، شريطة أن يكون البعد الوطني والأخلاقي الإنساني خلفية مهمة لما تقدمه تلك المؤسسات للمواطنين.
أهم المراجع
حميد محمد القطامي، تجربة العمل التطوعي في دولة الإمارات العربية المتحدة، ورقة عمل مقدمة إلى المؤتمر الدولي السابع: إدارة المؤسسات الأهلية والتطوعية في المجتمعات المعاصرة، 17- 18 ديسمبر 2002م، الشارقة، الإمارات العربية المتحدة.
عزمي بشارة، المجتمع المدني، دراسة نقدية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط6، 2012م.
مصطفى محمود عبد السلام، دور العمل التطوعي في تنمية المجتمع: مقترحات لتطويره في المعالجة النفسية والصحية والسلوكية، المجلة العربية، ع325، أبريل 2004م.

********************

* باحث أكاديمي مصري

شاهد أيضاً

محمد ناجى المنشاوى*يكتب: المسكوت عنه عند الغزالى وابن رشد 

 الكشف عن المسكوت عند الغزالى وابن رشد من كهنوت -عن الهيئة المصرية العامة للكتاب صدرت الطبعة ...