الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.أحمد عبد الحليم عطية*:مي زيـادة والفلسفة(1)

د.أحمد عبد الحليم عطية*:مي زيـادة والفلسفة(1)

 

[1]

تنفرد مي زيادة في تاريخنا الأدبي المعاصر بسمات عديدة تجعل لها مكانا مميزا في تاريخ الأدب العربي الحديث. ولا تنحصر تلك السمات في كونها فتاة اقتحمت عالما، كان قاصرا حتى تلك اللحظة على الرجال، وبرزت في عالم الصحافة والأدب. وكان لها صالونها الذي ارتاده غالبية أدباء وكتاب عصرها بل وبعض علماء العرب في العشرينات والثلاثينات من هذا القرن، ذلك الملتقى الذي صور وكأنه جزيرة حضارية في صحراء مجدبة تارة، أو باعتباره قصر فخم في قرية كبيرة بائسة في مصر، بينما كان في حقيقته صورة أخرى لما نجده لدى مدرسة لطفي السيد والتي أقامها في فصول جريدة السياسة، والتي أخرجت لنا طه حسين ومحمد حسين هيكل ومصطفى عبد الرازق ومي نفسها، أو ما نجده في الجامعة الأهلية الوليدة والتي كانت مي أيضا من طلابها النابهين.

لقد ارتبطت مي زيادة التي قدمت من لبنان مع والدها إلى القاهرة وقد كان للمثقفين الشوام بالقاهرة في مطلع القرن دور ما في الثقافة والصحافة المصرية، ويختلف إسهام كل منهم حسب طبيعة وميول الصحيفة التي يعمل بها. أو قل حسب القوى التي تعبر عنها تلك الصحيفة. أقول ارتبطت مي ووالدها صاحب جريدة «المحروسة» وللاسم مصريته الصميمة بقوى البرجوازية المصرية الناهضة وجناحها الليبرالي الذي قاد الثورة الوطنية في 1919م والذي قام بحركة تنوير عامة تمثلت في إقامة الجامعة المصرية وإشاعة نوع من الثقافة العقلانية الجديدة عن طريق كثير من الصحف الحرة(1).

وهنا وهناك كانت مي زيادة…..، يرتقي اسمها في ازدهار في كل المواقع: تكتب في «المحروسة»، وفي «المقتطف». تخطب في الجامعة وقاعة «وست هول»، تجوب المنتديات الثقافية والفكرية تتحدث عن الإخاء والمساواة، تدعو للتمدن وتشيد باللغة العربية، وفضلها في صالونها الأدبي المميز، وفي حوارها ونقاشها في كل لقاء، في ظل الحركة الوطنية التي تشمل مصر كلها والتي كانت مي تعترف دواما بفضل هذه النهضة الوطنية العامة عليها وعلى أدبها. تقول في حديثها إلى طاهر الطناحي كما يقص علينا في «أطياف من حياة مي»: «وفي خلال الحرب العالمية الأولى التحقت بالجامعة المصرية القديمة فكنت أدرس بها تاريخ الفلسفة العامة، وتاريخ الفلسفة العربية وعلم الأخلاق على المستشرق السياسي الكونت دي جلارزا(2) وتاريخ الآداب العربية على الشيخ محمد المهدي، وتاريخ الدول الإسلامية للشيخ محمد الخضري… وهنا كانت يقظتي الأدبية الصحيحة والخلق الجديد الذي أمدتني تلك الحركة بروحه».

وتؤكد على هذا التأثير مرة ثانية بقولها: «أستطيع أن أقول أن أهم ما أثر في مجرى حياتي ككاتبة ثلاثة أشياء: أولا: النظر إلى جمال الطبيعة، ثانيا: القرآن الكريم بفصاحته وبلاغته الرائعة(3) ثالثا: الحركة الوطنية التي لولاها ما بلغت هذه السرعة في التطور الفكري»(4)… كانت كاتبة أدبية وشاعرة إلى حد ما(5) كما يعلم كثير من المطلعين على كتاباتها وآثارها. وكانت فيلسوفة وتلك ناحية هامة في حياة مي ناحية مجهولة نميط عنها اللثام في بحثنا هذا.

[2]

وكانت مي من أبرز طالبات الجامعة المصرية القديمة ولا يذكر لنا التاريخ القريب أسماء من درس منهن في الجامعة، وقد كن بالطبع قلة في ذلك العهد. لكن مي كانت من هؤلاء اللاتي تركت عليهن الجامعة بصمات وبصمات. لقد كانت طالبة مميزة كما يقص علينا واحد من أبرز طلاب هذه الجامعة وهو الدكتور زكي مبارك، الذي كان واحدا من سبعة نالوا درجة الدكتوراه من الجامعة القديمة في الفلسفة وكانت مي منافسة قوية له، كما يخبرنا هو في مجلة «صوت المرأة» في عدد خاص «بمي» بعنوان عروس الأدب يقول: «ثم تجي عروس الأدب النسائي في هذا الجيل. وهي فتاة أعرفها جيدا فقد كانت رفيقتي في الدرس، وزميلتي في طلب الأدب، والفلسفة بالجامعة المصرية…» لقد كانت مي منافسة خطرة كما يظهر من نفس المقال الذي يكرر فيه عنها «وكان لي بالجامعة المصرية زميلة تنافسني منافسة عنيفة»(6).

ونتوقف قليلا داخل الجامعة مع «مي» التي تدرس الفلسفة، والتي تعطي لنا وصفا لفتيات الجامعة في هذا العهد كما كانت معهن فتقول: «كنا نجتمع هناك كمؤتمر دولي التأم لعقد الهدنة وتقرير شروط الصلح أو كمؤتمر نسائي غرضه المطالبة بحقوقه والمجاهرة بمبادئه، على أن الأحاديث الدائرة بيننا لم تكن لتدل على شيء من ذلك لأنها كانت مقتصرة على أخبار الكونسرتات والسينما والأزياء وأشكال البرانيط الحديثة. وكان يتخلل هذه الثرثرة النسائية المحضة ضحك طويل “يدب دبيبه”… في كل موضوع تجاذبت أطرافه فتاتان. فكيف إذا صار ضجة فتيات كثيرات… ومن عجائب الحديث النسائي أن السيدات إما يصغين جميعا ولا تتكلم منهن واحدة، وهذا أندر من النادر، وإما يتكلمن جميعا في آن واحد ولا تصغي منهن واحدة»(7).

لقد كانت تختلف هي عن هؤلاء، وكان لها تميزها داخل الجامعة ولها دورها كما أشارت إلى ذلك السيدة هدى شعرواي رائدة النهضة النسائية الحديثة في مصر التي تذكر في حفل تأبين مي أنه: «في شهر أبريل سنة 1914 نظمنا سلسلة محاضرات للسيدات في الجامعة القديمة وبينما كنت أغادر القاعة، عقب إلقاء المحاضرة ألفيت فتاة لفتت نظري برشاقة حركتها.. استوقفتني تلك الفتاة قائلة.. سيدتي هدى: أنا معجبة بمشروعك، مقدرة لمجهودك لذلك أضع نفسي تحت تصرفك، لا تظني صغيرة لا أستطيع معاونتك أنا كاتبة وشاعرة وأنا أكتب في الصحف والمجلات أنا “مي” لا بد أنك قرأت شيئا لي ألا تعرفينني؟»(8).

لقد كان يعرفها كل زملائها في الجامعة يقول أشهر طالب ومدرس وعميد للجامعة وللأدب العربي: «لقد عرفت مي سنة قبل الحرب الكبرى وعرفتها في الجامعة المصرية القديمة في حفل كان يقام لصديقنا الأستاذ خليل مطران، وكانت تتحدث فيه إلى الجامعات لأول مرة فيما أظن وسمعنا نحن طلاب الجامعة لأول مرة في تاريخنا أيضا صوت فتاة تتحدث إلى الجماهير وكان صوتا عذبا لا يكاد يبلغ الأذن حتى يصل إلى القلب وتعلقت النفس بهذا الصوت وامتلأت القلوب بصاحبته في أحاديث أولئك الشبان عندما كانوا يتحدثون بعد أن انصرفنا عن المحفل. وأعتذر لصديقنا الأستاذ مطران فأقول لعل هؤلاء الشبان من طلاب الجامعة قد تحدثوا بعد الحفل عن مي بأكثر مما تحدثوا عنه هو»(9).

ويؤكد طه حسين على صورة “مي” طالبة الجامعة الجادة يقول: «وأعود إلى مصر فأراها طالبة في الجامعة المصرية تختلف إلى الدروس مهما يكن أصحابها ومهما تكن موضوعاتها ومنذ ذلك الحين لم أراها إلا مشتغلة بالعلم طالبة له في بيتها، وفي الجامعة وفي كل المظان التي كان العلم يطلب فيها، ثم مسافرة إلى أوروبا إذا سمحت لها الفرصة لتسمع العلم في سويسرا أو فرنسا أو إيطاليا وغيرها»(10).

والسمة الهامة في تكوين شخصية “مي” والتي يؤكد عليها طه حسين بالإضافة لتأسيسها لأول مرة في تاريخنا المعاصر الصالون الذي استؤنفت فيه الحياة الأدبية المشتركة بين الرجال والنساء بعد أن انقضت عصور بغداد والأندلس هي التفلسف والتفكير العقلاني يقول: «والشيء الثاني الذي أسجله هو أن “مي” قد تأثرت كما تأثرنا نحن في شبابنا بحادث بسيط في نفسه كل البساطة ولكنه بعيد الأثر في حياة كثير من جيلنا هذا الحادث هو محاضرة ألقاها أستاذنا أحمد لطفي السيد في نادي المدارس العليا عن أبي العلاء، وما أكثر الذين سمعوا هذه المحاضرة وما أكثر الذين فكروا فيها ولكن هناك قوما سمعوها وسمعوا الحديث عنها فلم ينفض تفكيرهم فيها حتى أخذوا أبا العلاء على أنه موضوع يصح أن يفكروا فيه، من هؤلاء (مي). فقد أخذت أبا العلاء الذي أظهره لطفي باشا لجيلنا على أنه شيء يجب أن يفكر فيه، فكرت فيه عملت على تتبع ما كان يكتب عن أبي العلاء، وما لقيتها إلا تتحدث في فلسفته وتشاؤمه في عزلته»(11).

وبالطبع يمكن تفسير قول طه حسين هذا بأنه تأكيد على فعل التفكير نفسه وليس مجرد موضوع التفكير (الظاهري) ألا وهو أبو العلاء.. ولكن ذلك الاتجاه العقلاني الذي بدأ بأستاذ الجيل ثم ظهر في دراسات عميد الأدب العربي الأدبية وتبلور في كتابات مي الفلسفية تلك الكتابات التي تمثل جانبا هاما في حياة وتفكير “نابغة الشرق”. إن هذا الجانب الذي مسه برفق طه حسين هو الذي أبصره عن كثب واحد من أهم العقول الجادة وصاحب النظرة العلمية الثاقبة وهو سلامة موسى محرر المجلة الجديدة، وصاحب المؤلفات التي شكلت عقلية جيل من المثقفين المصريين في هذه الفترة، التي [في الأصل: هذه الفقرة الذي يصفها] يصفها “بالأدبية الحرة” يقول: «كنت أقعد إلى “مي” ونأخذ في الحديث عن الآداب أو الاجتماع أتعجب من قوة تفكيرها وإبرازها للمعاني الدقيقة والآراء الجريئة التي لم يكن أحد من قرائها يدري أنها تؤمن بها أو تفكر فيها. فقد كانت في جميع مؤلفاتها تبدو (ظاهريا) وديعة يقطر الحنان من قلمها تتجنب الزوايا الحادة وتسلك الطريق المستقيم ولا تحرف عن القواعد السنية في الأدب والاجتماع»(12).

وقد كانت اهتمامات مي الفلسفية العلمية واضحة لدى معاصريها يتبينها المثقف الواعي، فبالإضافة لشهادة كل من طه حسين وسلامة، يبين الأستاذ محمود يوسف أنها «كانت تتفرد بأسلوب يجمع إلى الرشاقة دقة البحث والاستقراء وصحة التعليل والتدليل والاستنتاج. وكان أسلوبها يمت بصلة وثيقة إلى الرصانة والهدوء العلمي شأن أولئك الذين انقطعوا للدرس ووهبوا أنفسهم للعلم، وكانت مي في كثير من أبحاثها تنحو منحى الفلاسفة في كتابتها وتفكيرها بتأثير تعمقها في دراساتها الفلسفية والأدبية والاجتماعية. ولها كلمات وآراء تعد أفكارا حديثة وتصلح أن تكون رؤوسا لنواح من التفكير جعلتها بحق من أعلام الثقافة ومن قادة الرأي في العالم العربي»(13).

***

*أستاذ الفلسفة المعاصرة بكلية الآداب -جامعة القاهرة

 

شاهد أيضاً

صفاء عبد السلام *:الرجال من المريخ والنساء من الزهرة

  بعد ظهور العديد من البرامج التليفزيونية التي تقوم بإدلاء النصائح للنساء أو الرجال في ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *