الرئيسية / أخبار ثقافيه / د. عمري صلاح محمد* يكتب:اللغة كائن تنويري

د. عمري صلاح محمد* يكتب:اللغة كائن تنويري

اتهمت اللغة العربية طوال عقود طويلة بالتخلف والرجعية، وكان الداعون إلى هذا محاولين إلصاق التهمة باللغة العربية وترك ما عداها، ونسوا أو تناسوا أن اللغة هي كائن حي – كما قال علماء اللغة – مثل بقية الكائنات الحية، تحتاج إلى اهتمام وعناية ورعاية وتقدم كي تصبح لها المكانة المرجوة.

ومكانتها هذه تأتي من كونها وسيلة الاتصال بين المتحدثين بها بل وهي وسيلة ثقافتهم وعالمهم الحضاري، وليس معنى قولنا هذا أن نهمل اللغات الحضارية الحديثة ونموت عشقاً في اللغة العربية، وإنما الأمر يحتاج منا إلى التوسط في الحكم على الأشياء خاصة إذا كانت هذه الأشياء هي أصلنا هي ثقافتنا هي ماضينا هي حاضرنا فأنى لنا أن نتنازل عنها فلا نستطيع ذلك شئنا أم أبينا؟

ولم لا؟! واللغة عامة ظاهرة إنسانية تنبع من سلوكيات الإنسان ويكتسبها من مجتمعه، وتصبح في قمة اللغات بما يقدمه أصحابها من فكر يساهم في رقي البشرية، ولهذا قال جبران خليل جبران: ” مستقبل اللغة العربيّة يتوقّف على مستقبل الفكر المبدع الكائن – أو غير الكائن – في مجموع الأمم التي تتكلّم اللغة العربيّة، فإنْ كان ذلك الفكر موجوداً، كان مستقبل اللغة عظيماً كماضيها، وإن كان غير موجود، فمستقبلها سيكون كحاضر شقيقتيها السريانيّة والعبرانيّة “. وبهذا نعلم أن اللغة العربية مثلها مثل الطفل فإن اهتم به كان غاية في الإبداع وإن ترك ضل مسعاه في الدنيا.

وقد أكد هذا عالم اللغة الأمريكي إدوارد سابير حيث قال معبراً عن دور المجتمع في رقي اللغة حيث إنها عاكسة لما فيه: ” اللغة بمفرادتها تعكس المواقف والأنشطة التي يقوم بها مجتمع معين في بيئة معينة”.

وانظلاقاً من كلام سابير هذا فإن اللغة العربية مثلها مثل كل لغات العالم تنهض وترتقي برقي شعبها، وتذل وتتخلف وتنزوي بتخلف أهلها، إذن لماذا العيب على اللغة العربية؟ وهنا يصدق علينا القول المنحوت نعيب لغتنا والعيب فينا، وهذا يدعونا أيضاً إلى تصحيح فكرنا حول مجالاتنا الثقافية، أو تجديد الخطاب الثقافي الذي يجعلنا نفهم الحقائق على أصولها.

ولا مانع عندي من تعلم لغات عدة ودراسة آدابها، والكتابة بها وإليها شريطة أن نجيد لغتنا الأم، ونفيدها مما نتوصل إليه في اللغات الأخرى؛ فاللغات تقترض من بعضها البعض حتى تواكب القفزات الثقافية المهولة المتسارعة في الحياة، وتستطيع إنجاز الألفاظ والتراكيب ما يتناسب مع الجديد وصدق حافظ إبراهيم حين ذكر في قصيدته الرائعة على لسان اللغة العربية:

وسِعتُ كِتابَ اللهِ لَفظاً وغاية ً
وما ضِقْتُ عن آيٍ به وعِظاتِ
 
فكيف أضِيقُ اليومَ عن وَصفِ آلة ٍ
وتَنْسِيقِ أسماءٍ لمُخْترَعاتِ

إننا بعد هذا يجمل بنا أن نعي الدرس، وأن نفهم أننا أمام أمر لا يحتمل التأخير، ويحتاج منا إلى مجهود كبير، نحاول به لم شتات فكرنا والعزم على تجديد ثقافنتا بما يتناسب مع مقدراتنا الثقافية، وما نستطيع ابتكاره من جديد يفيد لا يقضي على موروثنا، الذي منه اللغة، فلنبحث وللنخطط وندبر لنهضة ثقافية شاملة تتسع لكل جوانبنا الثقافية.

كما سبقنا بها السابقون من مثقفينا امثال: عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين الذي أثرى الأدب العربي بفكره المستنير وكان إتقانه للفرنسية خيراً وبركة على اللغة العربية، وهناك مثال آخر يشهد على قمة الانتماء للغة العربية مع المعاصرة وتعلم لغات أخرى، هذا المثال هو أمير الشعراء شوقي، الذي درس الحقوق في باريس، واطلع على الآداب الفرنسية وهضمها، وتأثر بالشعراء الفرنسيين وبالأخص راسين وموليير، ثم بعد ذلك أدرك أن لغته في حاجة إلى الجديد فأسس المسرح الشعري كما استمتع به في فرنسا، حتى عُد بعدها رائد النهضة الأدبية والفنية.

وبهذا يمكننا أن نبرز الجانب التنويري الكبير الذي تحتوي عليه اللغة العربية، وهذا ما اسعى إليه في المقالات التالية، ومقالاتي هذه ليست دفاعاً عن شيء لا يستحق وإنما هو شيء نبني عليه فكرنا الثقافي، ومن الممكن النهوض به من خلال الاهتمام بها وكذلك من خلال التجديد الثقافي لنا، ثم يكون عن طريق الاقتراض من اللغات الأخرى التي ندرسها ونعجب بها.

وللحديث بقية إن شاء الله

  *باحث لغوي مصري

شاهد أيضاً

د.فاطمة الحصي *في ذكراه التاسعه :أحفاد حسن حنفي يهاجمون أركون

العالم العربي لا يقرأ والمثقفون العرب لا يقرأون لبعضهم البعض أيضا ! هذه حقيقة يؤكدها ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *