الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.فاطمة الحصي *في ذكراه التاسعه :أحفاد حسن حنفي يهاجمون أركون
الباحثة /فاطمة الحصى

د.فاطمة الحصي *في ذكراه التاسعه :أحفاد حسن حنفي يهاجمون أركون

العالم العربي لا يقرأ والمثقفون العرب لا يقرأون لبعضهم البعض أيضا !

هذه حقيقة يؤكدها لي ما أشتمه من سوء تقدير البعض لفكر محمد أركون ، وبخاصة حينما يكون سوء التقدير هذا من قامة فكرية كبيرة ، فقد حضرت منذ مده مناقشة رسالة دكتوراه بجامعه القاهرة  وتحول الحديث حول كَون أركون كان يُنَظر فقط دون أن يصل الى شئ ،والحق أن هذه عبارة تحمل فيها تجريف لمشروع محمد أركون وتجني على شخص وفكر الرجل .

,لا أنسى أن أذكر أن الذي كان يسخر من فكر ومشروع أركون هو تلميذ نجيب للمفكر المصري حسن حنفي ،وأظن أن التلميذ على الرغم من كبر سنه ومقامه  الا أن ولاءه لأستاذه جعله يردد أفكاره  ضد أركون ويتبناها بلا تفكير!

وكنت قد قابلت المفكر المصري الكبير حسن حنفي منذ فترة ليست طويلة وتحدثت معه حول أركون ، وقد عبر لي عن رأيه وفيه تحامل على أركون وكان رأيه اقرب الى آراء تلامذته وفهمتُ أن التلامذة رغم ارتفاع مقامهم وكبر سنهم لايزالون في حالة انسياق تام خلف الأستاذ بلا تفكير أو مراجعة .

والأدهى من ذلك أن البعض منهم تأثر  بكتابات أركون ومنهم من ينسب بعض أفكاره  الى نفسه ، وأذكر هنا كاتب معروف بأنه تنويري ويقيمون له الدنيا ولا يقعدونها بأحدى الصحف المصرية الكبرى سمعته يردد جملة كما كتبها نصا محمد أركون في أحد كتبه دون أن ينسبها الى أركون !

إنني أجد من الواجب عليّ أن أفند -من وجهة نظري المتواضعه -ولو قليل مما أستنبطّه من مشروع محمد أركون وما خرج به هذا المشروع من أفكار ودلالات .ليس من باب  التأليه ففكر أركون له ما له وعليه ما عليه وليس من باب الدفاع لأن كتابات أركون سواء بالفرنسية أو الانجليزية و المترجم منها  بإشراف منه الى العربية على يد مفكر كبير وقامة تنويرية مهمة وتلميذ من تلامذة أركون المخلصين وهو هاشم صالح كل هذا كفيل بالدفاع عنه وهدفي هو إحقاق الحق .

في الحقيقة أن لدي قناعة خاصة تؤكد لي أن من يهاجم فكر أركون لم يقرأه جيدا ، لم يقرأ ما بين سطوره قراءة عميقة ، لم يحاول الخروج بما وراء كتاباته ، لذا فالرجل عليه خلاف كبير فتارة يصفونه بالمستشرق المتحيز للغرب ، وتارة يصفونه “بالسلفي”، والبعض ينصفه بكونه مسلم حقيقي ، بينما تصفه الغالبية العظمى بأنه  “ملحدا يدعو الى الكفر “!

ثم انهم يقولون لم يكن يتقن العربية ، في حين أنني رأيته بأم عيني وسمعته بأذني يتحدث اللغه العربية الفصحى بطلاقة وفيديوهات الندوات والمحاضرات على اليوتيوب تدحض هذه الافتراءات ، وهو يكتب العربية أيضا لأنني عثرت في احدى ملفات زوجى الدكتور سعيد اللاوندي على مقال مكتوب من أركون اليه يحمل عنوان لماذا أكتب .

يقولون كان بعيدا عن المجتمعات العربية والاسلامية فلم يفهم  الأزمات التي تمر بها  ولم يتعرف عليها بشكل حقيقي ، وأقول أن أركون كتب كتبا عديدة في السياسة والفكر تحمل تحليلا لوضع العرب والمسلمين السياسي وهو مانجده بشكل مباشر في كتبه  على سبيل المثال “الاسلام الأخلاق والسياسة “ وكذلك كتابه “من منهاتن الى بغداد “هذا بخلاف كتاباته حول كيفية انقاذ الفكر الاسلامي ومحاولته وضع يده على طرق اصلاح الفكر العربي الاسلامي والقفز به الى مرحلة الحداثة الفكرية ،وهو ما نجده في معظم كتاباته الفكرية .

وقد اعتبر حسن حنفي أثناء حواري معه أن وجود أركون بباريس بعد حصوله على الدكتوراه هروب من الحركة الثورية ومن  الانخراط في الدفاع عن وطنه ، في حين يتحدث أركون  عن رغبته في العودة الى الجزائر بعد الاستقلال ولكن  المصير الذي لاقاه مولود معمري من عزلة وظلم جعله يتراجع خاصة بعد أن أصبح معيدا في السوربون عام 1962.

والحكاية تبدأ منذ ولادة الرجل بمنطقة تيزي أوزو القبائلية المُهمشة بالجزائر آنذاك ، ليتحدث اللغه الشفهية بها ، ثم ينتقل لتعلم اللغه الفرنسية  وقليل من العربية ، ومن ثم تبدأ شخصيته في التبلور حينما يصر على دخول كلية الآداب قسم اللغه العربية بالجامعه بالجزائر كنوع من أنواع مقاومة الاحتلال آنذاك ، يعقب ذلك ممارسته لمهنة التدريس بأحدى المدارس الثانوية بالجزائر، وفي نفس الوقت حصل على درجة الماجستير من الجامعة الجزائرية والتي كان موضوع اطروحتها “الجانب الاصلاحي من أعمال طه حسين “ في عام 1953-1954  بعد ذلك وحينما لم يحقق ذاته بالجزائر نصحه أحد أساتذته بالسفر فسافر الى باريس ،خلال اعداده للدكتوراه حدث ما يغير وجهته بدراسة القبائل كما كان يحلم وهو اندلاع الحرب  واصبح من الصعب عليه العودة لاستكمال بحثه الاثنوجرافي بمنطقة القبائل ، فما كان من أحد الأساتذه بفرنسا الا أن نصحه بتغيير وجهته البحثية وكان توجهه الى دراسة النزعة الانسانية العربية في القرن الرابع الهجري وخص بالاهتمام مسكويه ،والحقيقة أن  الرجل لو أنه منعزلا حقاعن مجتمعه والبيئة التي خرج منها  كما يدعي البعض  ما كانت وجهته الى الفكر العربي أو الحفر في التاريخ الاسلامي بل كان من السهل عليه التوجه الى دراسة فولتير أو سارتر أو كانط أو غيرهم من المفكرين الأجانب وما أسهله من عمل وبخاصة لشخص يتقن الفرنسية والانجليزية كأركون ، ولكنه اختار الصعب وهو البحث في التراث العربي والاسلامي والتحقق منه ، والاندفاع للتأكيد على وجود أنسنة عربية سابقة على الأنسنة الغربية وكأنه يخرج للغرب لسانه قائلا لقد سبقناكم في كل شئ !

وقد اعتبر أركون الحداثة هى السبيل الوحيد لصناعة الحاضر والمستقبل للعرب والمسلمين في العصر الحالي ، والحداثة هى نقطة الانطلاق الأولى للفكر الاصلاحي لديه وهى ليست حدثا تاريخيا  مرتبطا بالغرب كما يعتقد البعض ولكنها موقف يوجد في كل عصر ولدى كل الشعوب ، واعتبر أن  أولى خطوات الاصلاح هى فهم معاني كلمات اللغه العربية في اللحظة الأولية من تشكل التراث الاسلامي لكي يتم فهم  لغة القرآن في وقتها ولتحاشي المغالطات التاريخية ، ومن ناحية  أخرى اعادة تجديد طريقة تدريس تاريخ الأديان للتلاميذ من الصغر ، هذا بالاضافة الى  تأكيده على أهمية الاستمرار في الترجمة من العربية الى اللغات الأخرى والعكس وذلك لمساعدة الباحثين على مواكبة المصطلحات العصرية الحديثة المتلاحقة ولتسهيل تواصلهم مع الباحثين في الغرب لاستكمال ما قد توصلوا اليه ولمواكبتهم واللحاق بهم ، كما أكد أركون على أهمية اعداد معاجم تأريخية للغة العربية .الاصلاح عند أركون  ثورة  فكرية  عميقة تذهب الى أعمق الأشياء وهو اصلاح شمولي ينبع من معرفته العميقة بمشكلات المجتمع العالم العربي الاسلامي .

كان أركون غاطسا حتى أذنيه فى مشكلات المجتمعات العربية الاسلامية ، وفي تاريخ الفكر متحدثا وكاتبا باللغة العربية الفصحى ، وقد حاول أن يدلنا على المخرج من الأزمات الفكرية التي يمر بها العالم العربي الاسلامي ولكن من يقرأ ومن يستمع .

أما عن ما يقوله البعض من كون أركون أخذ يُنّظر وينّظر دون أن يصل الى شئ فليس لدىّ قول غير أن لونجح  أركون في ايصال  فكرة أهمية عصرنة التراث  والبدء بتنفيذ نقد ضخم باستخدام المناهج العلمية الحديثة يتم من خلاله فهم التراث الديني فهما حقيقيا والفصل بين ماهو ديني حقا وبين ماهو ايديولجي مسيس من قبل الشيوخ والكشف عن المعنى الانساني  الحقيقي للأديان  فقط فهذا في حد ذاته نجاح ، كما أن وجود تلامذة لأركون بعد وفاته بسنوات يؤكد صدق ما سعى اليه الرجل وأهميته العلمية التي سيؤكدها الزمن .

لقد كان مدخلي الى دراسة أركون هى البوابة التربوية ، حيث وضعت يدي على دعوته الملحة الى ترسيخ منهج تاريخ الأديان المقارن منذ نعومة أظافر الأطفال وفيها يدعو أركون الى خط تعليمي وتربوي جديد هدفه القاء الضوء على الأديان المختلفة وتعرف التلاميذ منذ الصغر على هذه الأديان كتاريخ بحيث يصبح هناك ادماج لتاريخ الأديان كبعد انساني معرفي من أجل ترسيخ الفكر العلمي والفهم الفلسفي المعاصر ومن أجل نشر التسامح وقبول الآخر لدى الجميع ، ولكن مع الأسف الشديد  الغالبية العظمى في العالم العربي الاسمي ينقد دون قراءة واعية  !

أهم المراجع :

  • محمد أركون :التشكيل البشري للاسلام مقابلات ، ترجمة هاشم صالح ،المركز الثقافي العربي، بيروت ،2013.
  • عبد الرحمن اليعقوبي :الحداثة الفكرية في التأليف الفلسفي العربي المعاصر، مركز نماء للبحوث والدراسات ،بيروت ،2014.

**********************************

*دكتوراة في فلسفة التربية

جامعة القاهرة

شاهد أيضاً

محمد ناجى المنشاوى*يكتب: المسكوت عنه عند الغزالى وابن رشد 

 الكشف عن المسكوت عند الغزالى وابن رشد من كهنوت -عن الهيئة المصرية العامة للكتاب صدرت الطبعة ...

8 تعليقات

  1. د. خديجة زتيلي

    المقال ينم عن دراية بفكر أركون والدكتورة فاطمة الحصي صالت وجالت فيه وهي تعرف الكثير من تفاصيله، هي تنظر إلى فكره بعين الأكاديمي الناقد وليس بعين الإيديولوجي المتطرف والمنحاز إلى موقف ما .. وسواء كنا مع أركون أو ضده فهو مفكر كبير وصاحب أطروحات عميقة لم نعرف كيف نفعلها في مجتمعاتا ونستفيد منها فراح غيرنا ينهل منها.. هنيئا لك فاطمة بهذا المقال الذي ينتصر للحق ولا يخشى في قوله لومة لائم،، بالتوفيق دائما..

  2. يتعارض الحقد مع المعرفة ….و عندما الانسان العربي يفكر بحقد و يقترب من الذات و يبتعد عن العقل يحدث ما يسمي بالتجرد من الموضوعية و بالتالي يقع في الجهل و هي حالتنا في الوطن العربي نحن نتعلم ولكن بجهالة و ليس بعلم قصد المعرفة التي تاهل الشعوب إلي الارتقاء بالفكر حيث يوصل المجتمعات إلي ققمم الثقافات : التربية و الصحة و الاقتصاد و و و كل أنواع المعارف التي تجعل الانسان ينعم بالسلوك الحضاري ووو الانسانية العاقلة …….فعل من معرفة عاقلة في المجتمع العربي ؟

  3. شكرا أستاذة فاطمة.. مقال رائع