الرئيسية / أخبار ثقافيه / محمد عرفات حجازي/ المنهج الجينالوجي عند نيتشه

محمد عرفات حجازي/ المنهج الجينالوجي عند نيتشه

 

 

التاريخ بالنسبة للفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (1844 ـ 1900م) ليس موضوعًا للقراءة، ودراسته لا تنحصر في جمع وثائق وحقائق عن أحداث الماضي وشخصياته، بل هو مشكلة فلسفية وجودية عينية، وقيمته تكمن في توظيفه للزمن القادم، وغايته الكبرى هي الوصول لنموذجه الأسمى. وبمعنى آخر، وبتعبير نيتشه نفسه “فنحن نحتاج التاريخ مِن أجل الحياة والفعل، لا لكي نُدير ظهورنا للحياة والفعل.. نحن نخدم التاريخ بالقدر الذي يخدم به الحياة”. وإذا كان أفلاطون قد وضع في محاورة الجمهورية أسس التاريخ الغربي، فإنّ نيتشه قد دمّر في هكذا تكلّم زرادشت ـ هذا التاريخ ـ الذي وِهَنَ وفَسَدَ بعد أنْ أضْنَتْه المسيحية. وإذا كان العديد مِن الفلاسفة قد اهتمّوا بطبيعة الحقيقة، فقد شكّ نيتشه في قِيمتها، واتّخذ مِن ذلك محورًا لفلسفته في إطار نقده لِلقِيَم.

ويُحدّد نيتشه ثلاثة أشكال رئيسية لدراسة التاريخ: الأول يُسمّيه التاريخ التذكاريّ، والثاني أطلق عليه اسم التاريخ العتيق، أما النوع الأخير فهو التاريخ النقديّ. وتتعلّق هذه الأشكال الثلاثة بحياة الكائن البشري؛ حيث يتعلق التاريخ التذكاري بالإنسان ككائن فاعل ومناضل، ويتعلق التاريخ العتيق بالإنسان ككائن محافظ ومنطوٍ، أما التاريخ النقدي، فيرتبط بالإنسان باعتباره كائنًا يعاني ويسعى إلى التحرر. وإذا كان الماضي قد لَعِب دورًا خطيرًا في إضعاف الجنس البشريّ، فقد حدّد نيتشه الوسيلة المثالية للتعامل مع هذا التاريخ: “إنّ أفضل ما نفعله هو مواجهة تراثنا وطبيعتنا الموروثة بمعرفتها، ومِن خلال طبيعة أخرى جديدة، نُفجّر الصراع المُنَظّم ضدّ ميراثنا الفطريّ أو الموروث، ونغرس في أنفسنا عادات جديدة، غريزة جديدة، طبيعة جديدة تطرح طبيعتنا الأولى بعيدًا”. وهو ما يعني ـ بِلُغة نيتشه: استخدام المطرقة والهدم تجاه الماضي وقِيمه، وأنْ نبتكر قِيَمًا جديدة تُناسب طبيعتنا البشرية النبيلة.

ولما كان هدف نيتشه هو السؤال عن المعنى، لا السؤال عن الحقيقة، لذا، فإنّ فَهْم الأخلاق يتطلب إجراء تقييم لِلقِيَم السابقة حتى نتمكن مِن الوصول إلى أخلاق وقِيم جديدة، وهنا يبرز دور المنهج الجينالوجيّ.

والجينالوجيا حسب جيل دولوز هي: الإرادة التي لا تُفسّر فقط، بل هي تُقوّم. وبذلك، فالجينالوجيا ليست مُجرّد تتبُّع تاريخي موضوعي لتاريخ الفلسفة، تُمجِّد به تلك الأصول الميتافيزيقية التي درج عليها الفكر الغربي لقرون عديدة، بل هي أيضًا منهج تأويلي، بنى نيتشه مِن خلاله تصوّره الخاصّ للفلسفة اليونانية، لأنّ الجينالوجيا تعني “قِيمة الأصل، وأصل القِيم في الوقت ذاته، وهي تتعارض مع الطابع المُطلق لِلقِيَم… النسابة تعني العنصر التفاضلي لِلقِيَم الذي تنبع منه قيمتها بالذات”؛ لذا، تستهدف الجينالوجيا الكشف عن الأصل، لما له من دورٍ تأسيسيّ وجوهريّ في بناء منظومة القِيم الأوروبية كلّها.

وتُخبرنا الجينالوجيا أنّ ما من حدث، أو كلمة، أو فكرة إلا ولها معانٍ مُختلفة. ولهذا، نجد في الجينالوجيا نوعًا جديدًا مِن الفيلولوجيا، أو فِقْه اللّغة، لا يهتمّ بما تقوله الكلمات، وإنّما يهتمّ بِمَن يملك سُلْطة الكلام، وبالقوى المُتصارعة في اللّغة، ومن خلالها؛ أي القوى التي تمتلك سُلطة التأويل. وهذا يعني أنّ اللّغة قد خضعت للتّحريف مِن مُختلف الإرادات، وأنّ العلاقة التي تقوم في عملية التأويل، هي علاقة عُنْف، لا علاقة توضيح وكشْف.

ويدّعي الجينالوجيّ أنّ الأشياء الخيّرة، والقَيِّمة، مُتّصلة على نحوٍ خفِيّ بالأشياء التي تبدو مُضادة لها: بل يدّعي أنّ الأشياء الخيّرة هي ذاتها الأشياء المُضادة. ويُوضّح نيتشه ذلك، حينما ذهب إلى أنّ جُرْأة السلالات النبيلة، الأرستقراطية الرومانية، والعربية والجرمانية، واليابانية، وأبطال هوميروس ـ جُرْأة هؤلاء جميعًا ـ هي جُرْأة هوجاء، عبثية ـ كلّ ذلك يتلخّص بالنسبة للذين كانوا فرائسها وضحاياها بصورة “البربريّ”، صورة “العدوّ الشّرير”. كما أنّ العبيد قد استخدموا مُصطلح الطّيبة في مُقابل السادة؛ نتيجة لعجزهم وحقدهم: مُفوّضين في ذلك أمر الانتقام إلى الله. وهذا

يعني، وفقًا للجينالوجيّ، أنّنا عند دراستنا ظاهرة ما، فإنّه ينبغي علينا البحث عن القُوى التي تستولي عليها، والإرادة التي تمتلكها، والتي تُعبّر عن نفسها فيها، وتتخفّى فيها في الوقت نفسه.

وتقوم جينالوجيا الأخلاق على هدم الأساس الذي ترتكز عليه الأخلاق، ألا وهو العقل، وكلّ أساليبه النظرية المُجرّدة، مِن خلال اقتلاع أخلاق الارتكاس والنفي مِن جذورها، وإعادة بعث الحياة الفعلية والإثبات التي تمّ إقصاءها عبر التاريخ، الذي كرّسته الثنائية الأخلاقية الأفلاطونية، بِكلّ تجلياتها الفلسفية والدينية.

وقد شكّك هيدجر في قدرة المنهج الجينالوجي ـ الذي ابتدعه نيتشه في تعاطيه مع الميتافيزيقا ـ على تحقيق ادعاءاته في تقويض الميتافيزيقا، الذي لم ينتج في النهاية سوى ميتافيزيقا أفلاطونية مقلوبة؛ لأنّ الميتافيزيقا لا تنْمحِي عندما يتمّ تخطّيها، إنّها تعود مِن جديد في شكل مُغاير. وهو ما يجعل نيتشه آخر الأفلاطونيين بمحاولته الميتافيزيقية تلك ـ كما ادعى ذلك هيدجر.

ومُجمل القول: فقد جاء بحث نيتشه في أنْساب الأخلاق على مرحلتين، في المرحلة الأولى، بحث الظروف التي نشأت في ظلّها أحكام القِيمة، وفي المرحلة الثانية، طرح التساؤل عن قِيمة أحكام القِيمة. وبمعنى آخر، كانت المرحلة الأولى، بمثابة المرحلة التمهيدية للمرحلة الأخرى النقدية، وإذا كانت الوظيفة الأساسية لجينالوجيا نيتشه هي وظيفة نقدية، فالنقد هنا يُعطي فرصة إعادة البناء.

ومنتمى القول: فإنّ جوهر مهمة الجينالوجيا، عند نيتشه، هو التقويض للتفكير العدمي الميتافيزيقي في تصوّره الانطولوجي، وتعيناته الأخلاقية والدينية والجمالية؛ لأنّ العدمية ليست سبب انحطاط الفكر الفلسفي الأصيل، بل هي منطقه.

مراجع المقال:

1- جيل دولوز، نيتشه والفلسفة، ت/ أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 1993م.

2- عطيات أبو السعود، الحصاد الفلسفي للقرن العشرين، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2002م.

3- فريدريك نيتشه، أصل الأخلاق وفصلها، أصل الأخلاق وفصلها، ت/ حسن قبيسي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، د. ت، البحث الأول: الخير والشرّ، فقرة 11.

4- فريدريك نيتشه، ما وراء الخير والشرّ، تباشير فلسفية للمستقبل، ت/ جيزيلا فالور حجار، دار الفارابي، بيروت، ط1، 2003م، الفصل الأول: في تحكيمات الفلاسفة، الفقرة2.

5- مارتن هيدجر، ما الفلسفة ـ ما الميتافيزيقا، ت/ فؤاد كامل، ومحمود رجب، دار الثقافة، القاهرة، ط2، 1997م.

6- ميشيل فوكو، جينالوجيا المعرفة، ت/ أحمد السطاتي وعبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال، الدار البيضاء، 1988م.

****************

*باحث من مصر

شاهد أيضاً

محمد ناجى المنشاوى*يكتب: المسكوت عنه عند الغزالى وابن رشد 

 الكشف عن المسكوت عند الغزالى وابن رشد من كهنوت -عن الهيئة المصرية العامة للكتاب صدرت الطبعة ...