الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.داود خليفة*يكتب :الإثنيات اللغوية والصراع الهوياتي

د.داود خليفة*يكتب :الإثنيات اللغوية والصراع الهوياتي

 

المقدمة: من المعلوم أن حضارة أية أمة من الأمم تقاس بالنظر إلى ما تمتلكه من تراث إنساني، توَاَرثه الأبناء عن الآباء جيلا بعد جيل. وإذا كان هذا التراث هو عنوان الأمة ومقياس حضارتها، فهو من جهة أخرى تعبيرا عن هوية هذه الأمة وأفرادها، وصورتهما أمام “الآخر”.

غير أن الهوية في واقعنا المعاصر تشهد أزمات عدة، كانت لها تمظهرات عديدة، ولعل الصراعات الإثنية إحدي تلك مظاهر الأزمة، وهذا ما سنحاول أن نرصده إنطلاقا من الإشكالية التالية: هل يمكن أن تكون الإثنية اللغوية أساسا لصراع مجتمعي؟ وما تأثير النزعات الإثنية اللغوية على الهوية؟

تحديدات مفاهيمية:

تعريف الإثنية: يعود لفظ الإثنية إلى الأصل اليوناني “إثنوس ethnos”، التي تعني الأمة أو جماعة من الناس تقوم على وحدة عائلية، أو تنحدر من أصل واحد، وبهذا المعنى فإن “الإثنية” ترادف “العرقية”. وكان يطلق هذا اللفظ على كل من هم خارج أثينا، أي ما يسمون بـ”المتوحشين”

وفي اللاتينية “ethnicum” وهو لفظ يرتبط بالدلالة الدينية، فيطلق على الغرباء من غير المسيحيين واليهود.

وفي اللغة العربية، فإن لفظ “إثنية” نقل بترجمتين: ترجمة حرفية “إثنية” وترجمة دلالية “عرقية” (دندان عبد الغاني، النزاعات الإثنية في العلاقات الدولية: إطار نظري وإبستيمولوجي، ص2)، وبالتالي فهو لفظ مستحدث في اللغة العربية ولا نجد له استعمالات في الماضي البعيد، على اعتبار أن الإسلام رسالة للإنسانية جمعاء يقف على النقيض من أي عصبية أو عرقية أو طائفية أو مذهبية…

أما من الناحية الاصطلاحية، فإن الإثنية ترادف العرقية، ومن الصعب تحديد مدلولها الاصطلاحي بسبب الاختلاف في تحديد العوامل التي تدخل في تكوين “الإثنية”. ويمكن حصر هذا الاختلاف في وجهتين:

الأولى: تربط الإثنية بعنصر الثقافة مع ما تحمله من حمولة لغوية وتاريخية ودينية، إلى جانب العادات والتقاليد.

الثانية: تربطها بالعامل الفيزيولوجي / البيولوجي، فيؤخذ في الإعتبار هنا الجنس والأصل واللون والإقليم الجغرافي كمكونات أساسية للــ”إثنية”.

ومن خلال الجمع بين الوجهتين المختلفتين، يمكن أن نعرّف “الإثنية” بأنها: جماعة من الناس ذات وعي بالخصائص الفيزيولوجية والبيولوجية (السلالة، الجنس، اللون…)، وبالخصائص الثقافية (اللغة، الدين، التاريخ… )، تميزها وتحددها عن الجماعات الأخرى داخل الدولة.

وبشكل عام، تعدّ الإثنية كل مجموعة أو جماعة عرقية يتعاطفون مع بعضهم البعض على أساس أصل مشترك وثقافة مشتركة أيضا، ذلك لأن «الناس يعرفون بعضهم من خلال النسب والدين واللغة والتاريخ والعادات والمؤسسات الاجتماعية» (ص. هنتنجتون، صدام الحضارات، ص39).

هذا وتختلف الإثنية عن بعض المفاهيم القريبة منها، مثل:

أ- العرق (Race): رغم أن الكثير يرادف بين الإثنية والعرقية، إلا أن بينهما اختلاف جذري؛ لأن العرق يرتبط أساسا بالصفات الفيزيولوجية وبيولوجية. علما أن العلوم الطبيعية الحديثة هدمت كل التصورات المبنية على العرق، فتمييز الناس على أساس أعراقهم لا سند علمي له، وإنما هو تصنيف عنصري.

أما الإثنية فإنها تتجاوز ذلك: تتجاوز الخصائص الفيزيولوجية والبيولوجية إلى توصيف الخصائص الثقافية واللغوية واللسانية… إنها توصيف علمي يختص به علم الانثروبولوجيا.

هذا، ونشير أنه تــمّ إحلال النظرية الإثنية محل النظرية العرْقية في الخطاب الحضاري الغربي كأساس لتعريف الذات وتعريف الآخر.

ب- الأقلية Minorité)): الأقلية هي كل جماعة عرقية تتميز بقلة عددها، وتتمايز عن الأغلبية بخصائص ثقافية وفيزيولوجية. وبهذا المعنى تعد كل أقلية عرقية، لكن العكس لا يصح.

جـ- القومية: القومية (Nationalisme) هي حركة سياسية وفكرية تسعى إلى جمع الأفراد في وحدة سياسية، أما الإثنية فهي ترتبط – في الغالب – سياسيا بالدولة الأم.

الصراع الإثني: يحدث الصراع أو النزاع الإثني غالبا نتيجة التعارض والتصادم بين إتجاهات مختلفة أو عدم توافق المصالح بينها. إن عدم رضى الأطراف المتنازعة قد يدفعها إلى العنف من أجل تغيير الأوضاع، وقد ينتهي إلى الثورة كأعلى درجات النزاع والصراع. وتجدر الإشارة إلى أن الخلافات الإثنية تقوم بها جماعات عرقية غير مسيطرة غالبا ما تمثل أقلية داخل الدولة أو داخل الإقليم الجغرافي عموما.

في هذا المنحى، يمكن الإشارة إلى أن الصراع الإثني غالبا ما يرتبط بالرؤية الاختزالية للهوية؛ حيث إن هناك نوعان من الاختزالية: «أحد النوعين هو ما يمكن أن نسميه “إغفال الهوية”، ويأخذ شكل التجاهل أو الإهمال الكلي لأي شعور مشترك مع آخرين على ما نعتبره ذا قيمة، وعلى سلوكياتنا […] بالمقارنة مع إغفال الهوية، هناك نوع مختلف من الاختزالية، التي يمكن أن نسميها “انتماء منفرد”، والذي يأخذ شكل الافتراض أن أي شخص ينتمي عمليا إلى جماعة واحدة فقط» (أمارتيا صن، الهوية والعنف: وهم المصير الحتمي، ص35). إن إهمال التركيب أو التعقيد الكامن وراء معنى الهوية وتعدد أبعاد هذا المعنى هو ما يدفع في الغالب الأقليات “المهملة في أحد عناصر مكوناتها” إلى محاولة إظهاره والتمسك به، ولو اقتضى الأمر مواجهة “الآخر”.

تأسيسا على ذلك، يذهب البعض إلى أن الصراعات المهمة والملّحة والخطيرة في هذا العالم المعاصر لن تكون بين الطبقات الاجتماعية أو بين الغني والفقير، أو بين أي جماعات أخرى محددة إقتصاديا، الصراعات ستكون بين كيانات مختلفة ثقافيا (ص. هنتنجتون، المرجع السابق، ص46).

وبالفعل، فمنذ 1993 شهد العالم ما يقرب من 48 حربا عرقية، و146 شكوى وصراعا عرقيا على الحدود في اتحاد الجمهوريات السوفيتية السابقة، منها 30 صراعا اتخذ شكلا مسلحا (المرجع نفسه، ص59).

هذه الصراعات الإثنية التي يشهدها العالم، تسمح لنا بالقول أن سؤال الهوية “سؤال عالمي”؛ فيرى صومائيل هنتجتون في كتابه: من نحن؟ التحديات التي تواجه الهوية الأمريكية، أن أزمة الهوية ليست أزمة مجتمع بذاته، وإنما هي أزمة عالمية، تمس مجتمعات عالمية متعددة. في كل مكان تقريبًا تساءل الناس وأمعنوا النظر وأعادوا تعريف ماهو مشترك لديهم وما يميزهم عن الشعوب الأخرى: من نحن؟ والى أين ننتمي؟ فاليابانيون يتنازعون على ما إذا كان موقعهم وتاريخهم وثقافتهم تجعلهم آسيويين؟ أو أن ثروتهم وديمقراطيتهم وحداثتهم تجعلهم غربيين؟ لقد وصفت إيران بأنها “امة تبحث عن هوية” وجنوب أفريقيا “منشغلة في البحث عن هوية”، وكندا تواجه “أزمة هوية مستمرة” والجزائر تعاني “أزمة هوية دموية مدمرة” وتركيا “أزمة هوية فريدة” تقود إلى جدال ساخن حول الهوية الوطنية، وروسيا “أزمة هوية عميقة”، تعيد فتح جدال القرن التاسع عشر الكلاسيكي بين ذوي النزعة السلافية وذوي النزعة الغربية، في ما إذا كانت روسيا بلدا أوربيا عاديا أو بلدا آسيويا مختلفا بشكل واضح. وفي ألمانيا هناك نضال لإعادة خلق هوية ألمانية مشتركة بين ألمانيا الغربية الديمقراطية وألمانيا الشرقية الشيوعية. . . وبالتالي فالهوية الوطنية ظاهرة عالمية (ص. هنتجتون، من نحن- التحديات التي تواجه الهوية الأمريكية، ص28).

والحقيقة، أنه لا يوجد عامل واحد يُحْدِث النزاع بين الإثنيات؛ فقد ينجم النزاع الإثني بسبب الدين كما حدث في إيرلندا ويحدث في الهند، أو بسبب الجنس (الأصل) كما هو الحال في الولايات المتحدة وجنوب إفريقيا، أو بسبب اللغة كما هو الشأن في كندا (حركة الكيبك الناطقة بالفرنسية)، وقد يجتمع أكثر من عامل في حدوث النزاع كما هو الحال في قبرص أين تجتمع كل العوامل ماعدا عامل الجنس.

كما ينتج النزاع عن إعتبارات سياسية خالصة كما حدث في الالزاس بين الفرنسيين والألمان، وعموما تبدو السياسة خلف كل نزاع إثني مهما كانت غير بادية للعيان، لأن الساسة هم بالطبع من يستفيد من هذا النزاع تحقيقاً لمصلحة ما.

الإثنية اللغوية والصراع: لا نختلف إذا قلنا أن اللغة عنصر أساسي في أي ثقافة أو حضارة، وهي عامل هام من عوامل تشكل الأمة الواحدة، إن الأفراد الذين يتكلمون لغة واحدة يشعرون بإنتماء بعضهم لبعض، مهما إختلفت أجناسهم وألوانهم… ومعنى ذلك، أن اللغة هي أحد أهم مؤشرات الهوية الفردية والجماعية، وهي أحد المكونات الرئيسة التي تعرّف بها المجموعات وتشكل هويتها، تؤثر بشكل كبير على طبيعة العلاقات بين المجموعات العرقية المختلفة، ولما كانت اللغة عامل وحدة وترابط وتقوية الانتماء كانت دوما هي المستهدفة في كل حركة استعمارية.

وتختلف الإثنية اللغوية أو العرقية اللغوية عن الإزدواجية اللغوية؛ فهذه الأخيرة تعني اعتماد البلاد على لغتين أو أكثر في التعليم وبالتالي في الاستعمال اليومي في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية. أما الإثنية اللغوية فتعني كل جماعة بشرية تقوم على لغة واحدة، وهي تعد كل لغة يستخدمها الشخص في مجاله فقط، وهي بهذا المعنى لغة من الدرجة الثانية بالنسبة للغة الأم، ومن أمثلة الإثنيات اللغوية نجد مثلا الأكراد في العراق وسوريا وتركيا، أو مقاطعة الكيبك في كندا والأمازيغ في البلدان المغاربية.

مثلا كيبيك أهم مشكل هو اللغة، حيث إن وجود اللغة الفرنسية مهدد، بسبب نقص في عدد المواليد بين الفرنسيين الكنديين وقلة عدد المهاجرين الناطقين باللغة الفرنسية إلى كيبيك وانصهار المهاجرين الآخرين من السكان في المناطق الناطقة باللغة الإنجليزية (مرابط رابح، أثر المجموعة العرقية على استقرار الدول، ص26). والحقيقة أن اللغة الانجليزية كانت هي المسيطرة في المؤسسات الاقتصادية والوظائف السامية في الدولة، وحتى في كيبيك فإن الفرنسيين غير راضين عن تلك الوضعية لأنهم لا يريدون أن يصبحوا زنوج أمريكا البيض، وإذا أرادت المجموعة العرقية الكيبيكية أن تصل إلى المناصب العليا، فلا بد لها من ثقافة انجليزية. إن اللغة الانجليزية هي المستعملة في البنوك، التجارة والصناعة، وبسبب هذه الوضعية ساد إعتقاد عندهم أن اللغة الفرنسية في طريقها إلى الزوال بسبب منع استعمالها في الأجهزة الرسمية في مونتريال، وبالتالي فإن أهالي كيبيك سعوا إلى الانفصال عن كندا وتأسيس دولة مستقلة في كيبيك تحت قيادة جبهة تحرير كيبيك (المرجع والصفحة نفسهما).

أما في سوريا، فإن الأقلية الكردية تشكل ثاني قومية من حيث عدد السكان بعد العرب السنّة، فتصل نسبتهم ما بين 10% و12% من مجموع السكان. وقد كانت حياة الأكراد هادئة ومستقرة مع باقي الجنسيات الأخرى، وفي 1927 أنشأ أكراد سوريا جمعية “خويبون” وتطورت هذه الحركة السياسية الثقافية لتشمل خمس دول كردية. وفي 1932 أصدرت أول صحيفة كردية أطلق عليها اسم “هاوار” أي “النداء”. وقبل ذلك تـمّ إنشاء أول مطبعة كردية التي قامت بطبع الكتب وخاصة تلك التي تتعلق باللغة الكردية بهدف نشرها وتطويرها (حسين علي، مأساة أكراد سوريا، ص8).

وقامت حكومة سوريا حفاظا على التوازن السكاني بسحب الهوية من 140 ألف كردي سنة 1962، ولم ترد إليهم هويتهم إلى اليوم. ومنذ ذلك الوقت عرفت سوريا ظاهرة جديد هي ظاهرة “البدون”، وهي ظاهرة منتشرة في الخليج العربي وخاصة الكويت، وهؤلاء مجردون من حقوقهم الأساسية ومن ثـمّ لا يمكن مساواتهم بغيرهم في المواطنة سواء في الهوية أو التعليم أو الصحة أو العمل أو الملكية أو حق التقاضي. . . وهم بذلك أجانب في وطنهم الأم (المرجع نفسه، ص10). ولم يتوقف الأكراد عن المطالبة بحقوقهم، تلك المطالبة التي كانت تلقى المزيد من الاستعمال المفرط للقوة، إلى درجة أن تقارير تشير إلى إستخدام الأسلحة المحظورة ضدهم في كل من سوريا والعراق، أما في تركيا فقد كان العنف متبادلا بين الحكومة وحزب العمال الكردستاني.

الإثنية اللغوية وأزمة الهوية: يعتبر سؤال أزمة الهوية أحد الأسئلة الأساسية الأكثر حضوراً في العصر الراهن، هذا العصر الذي يتميز بالتأحيد (L’uniformisation) والتنميط للعديد من البنى الثقافية داخل مختلف المجتمعات، في ظل اكتساح تيارات العولمة كل المجالات الإنسانية (محمد سعدي، الهوية .. من الوحدة إلى التعدد، ص81)، يتعلق الأمر هنا بأزمة تستحضر كل الرهانات والصراعات السياسية والأيديولوجية والثقافية… حيث نشهد مدا قويا للنزاعات ذات طابع هواياتي، تجلى في بحث بعض المجموعات أو الإثنيات عن خصوصياتها الثقافية، والتي تشكل اللغة عنصرا أساسيا ضمن هذه الخصوصيات. إن الحديث عن أزمة الهوية يؤدي بنا لا محالة إلى الانعطاف على التعدد اللغوي كسبب رئيس في هذه الأزمة، وسنتخذ من الجزائر أنموذجا.

في الجزائر – كما هو الحال في كل مجتمع متعدد – فإن السؤال الأكثر ترددا هو اللغة المستعملة، واللغة العربية هي الأكثر استعمالا لأسباب رسمية. إلى غاية وقت قريب قلّة قليلة، من غير الجزائريين، كانت تعلم أن هناك مواجهات إثنية تدور رحاها في الجزائر، وأن الوضع مضطرب بين “الأقليات”، خاصة الأمازيغيين والعرب. وبينما تتــــقدُ جذوة النزاعات المذهبيَّة والدينيَّة في كثير من دول المنطقة، برز الحديث عن مشاكل الأقليات في الجزائر، ضمن ملفات يرى مراقبون أن غاياتها سياسية بالأساس وهدفها ترسيخ مبدأ التقسيم الذي يهدّد المنطقة، على أساس طائفي (صحيفة العرب، حرب الهوية تعيد أمازيغ الجزائر إلى الواجهة وصراعات إثنية تتأجج في الجنوب، ص6).

في البداية، اتسم الوضع اللغوي في الجزائر بتنظيم محكم من أعداء الجزائر لافتعال صراع بين اللغة العربية والفرنسية، وحين احتدم الصراع بين العربية والفرنسية صارعت اللغة العربية اللغة الفرنسية وكادت تبيدها من الجزائر، عاود المعادون للعربية الكرة بين العربية واللهجات الأمازيغية، تحت غطاء أولوية الأمازيغية لأنها لغة السكان الأصليين للجزائر، وأولى لها أن تكون اللغة الوطنية والرسمية إلى جانب العربية، فبدأت الحملة صراحة على العربية، وهو، وضع أملاه الاستعمار وتغاضى عنه المسؤولون ليتفاقم ويستحيل إلى مشكلة تهدد مصير الشعب الجزائري (ديدوح عمر، الصراع اللغوي في الجزائر: تأزيم الهوية، مجلة المعرفة).

والحقيقة أن هذا الإشكال اللغوي شغل الناس والمجتمع منذ بداية الاٍستقلال، بسبب عجز الدولة في إرساء سياسة لغوية واضحة تضمن للجميع حق استعمال اللسان المناسب لها، فسعت إلى سن سياسة لغوية غير مطابقة للواقع، تهدف إلى محو اللغة الأصلية. يقول الطيب آيت حمودة:

«المتتبع لشأن الهوية اللغوية، يتضح له مدى الصراع بين اللغات في الاٍستئثار، فكان الصراع ثلاثي الأبعاد، كل له منطلقاته وقناعاته وأدلجته، فالعربية مقدسة بفعل القرآن ومنظور الإيمان، مؤيدة بالقانون… فهي صاحبة حق، واللغات الأخرى إما دخيلة أو ضرة غير مرغوب فيها، أما الفرنسية فهي لغة المستعمر وأذياله، واٍن انتهى الاستعمار الفرنسي إلا أن هيمنته اللغوية قائمة، فهي لغة المتعالين والسائرين في ركب حضارة الغرب، الموسومون بما يعرف بالطابور الخامس. أما الأمازيغية فبالرغم من أصالتها وعراقتها فهي عانت وتعاني الأمرين، من أبنائها الذين هجروها بفعل الفرنسة والتعريب، ومن أعدائها الفرنسيين والعروبيين، فغدت غريبة بين أهلها وذويها» (الطيب آيت حمودة، هوية الجزائر: لغة أم لغات..؟ ج3، الحوار المتمدن).

يتضح من هذا النص، أن هناك محاولات تذويب الهوية الأمازيغية في الهوية العربية غير أن «هذه السياسة اللغوية القسرية ولدت تذمرا غير معلن، وكونت جيلا متذبذبا بين طروحات الشرق والغرب، وقد نتج عن ذلك ظهور قلق هوياتي، وتلعثم لساني، أظهر الجزائري بالشعب الذي لا يتقن أية لغة، وبرزت خطابات متنوعة على لسان الأحزاب السياسية كطروحات إيديولوجية كانت فيها اللغة سبيلا بينا في جلب الأتباع والمؤيدين. وهو ما أحدث تمزقات في المجتمع، بين التمزيغ والتعريب والفرنسة» (المرجع نفسه).

وبالتالي، فإنه عندما اشتد التمايز اللغوي في الجزائر، أصبحت الهوية تطرح إشكالا، ولم يحل الإشكال إلا بقرار سياسي لما أعيد تعريف الهوية بأبعادها الثلاث: البعد الديني والبعد العربي والبعد الأمازيغي في دستور 1989. غير أن هوية مجتمع ما لا تتشكل بقرار فوقي، وإنما عندما ينجح المجتمع في أن يفصل خلافاته في ما يخص هويته.

الخاتمة: إن من طبيعة المجتمعات التعدد والتنوع والاختلاف، فكل مجتمع يتميز بخصوصيات تميزه عن غيره من المجتمعات الأخرى، تلك الخصوصيات هي بمثابة عنوان شخصيته وجوهر هويته. وعلى هذا الأساس فإن الإثنية اللغوية ظاهرة طبيعية، تعبر عن التنوع الذي تتميز به المجتمعات. وبالتالي هذا التنوع يستلزم التفاعل مع الأخر والتعايش معه، ولا ينبغي أن تكون اللغة أو عنصر آخر مطية لصراع سياسي أو إيديولوجي أو عقائدي، مع ما ينجم عن ذلك من تأثير سلبي على الهوية الفردية والجماعية.

بيبلوغرافيا:

  1. الطيب آيت حمودة، هوية الجزائر/ لغة أم لغات ..؟ الجزء الثالث، الحوار المتمدن، العدد 3227، 2009.
  2. أمارتيا صن، الهوية والعنف : وهم المصير الحتمي، ترجمة : سحر توفيق، عالم المعرفة، العدد 352، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2008.
  3. حسين علي، مأساة أكراد سوريا، دراسة مصدرها: kotobarabia.com.
  4. دندان عبد الغاني، النزاعات الإثنية في العلاقات الدولية: إطار نظري وإبستيمولوجي، دراسة (pdf)، مصدرها : mrkzy.com/do.php?down=786207.
  5. ديدوح عمر، الصراع اللغوي في الجزائر: تأزيم الهوية، مجلة المعرفة، نسخة الكترونية، 26 -11- 2009.
  6. صامويل هنتنجتون، صدام الحضارات، ترجمة : طلعت الشايب، الطبعة الثانية، 1999.
  7. صومائيل هنتجتون، من نحن- التحديات التي تواجه الهوية الأمريكية، ترجمة حسام الدين خضور، دار الحصاد، الطبعة الأولى، 2005.
  8. محمد سعدي، الهوية .. من الوحدة إلى التعدد، آفاق المستقبل، العدد 07، 2010.
  9. مرابط رابح، أثر المجموعة العرقية على استقرار الدول، أطروحة دكتوراه، جامعة باتنة، الجزائر، 2008 – 2009.

* دكتوراه في الفلسفة /الجزائر

شاهد أيضاً

محمد ناجى المنشاوى*يكتب: المسكوت عنه عند الغزالى وابن رشد 

 الكشف عن المسكوت عند الغزالى وابن رشد من كهنوت -عن الهيئة المصرية العامة للكتاب صدرت الطبعة ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *