الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.مراد وهبة *يكتب :العلمانية والدين -1-**

د.مراد وهبة *يكتب :العلمانية والدين -1-**

أظن أن عنوان هذا المقال هو ثمرة المشروع المشترك الذى كنا قد ارتضينا تناوله نحن الثلاثة: مكلين وكيرتس وأنا. وأظن أيضاً أن هذا العنوان صالح لأن يكون عنوانا لمسار القرن الحادى والعشرين حيث التلازم بين العلمانية والدين يثير توترا حادا مع الأصوليات الدينية الممتدة من القرن العشرين إلى القرن الحادى والعشرين وما يلازمها من تكفير وقتل هما فى النهاية محصلة الارهاب المهدد لدول وشعوب كوكب الأرض بلا استثناء. ومع ذلك قثمة تيار جارف فى العالم الاسلامى يثير لغطا إزاء العلاقة بين العلمانية والدين بحيث تبدو متناقضة تناقضا حادا الأمر الذى من شأنه أن يفضى إلى إقصاء أحد الطرفين.

ولكن مع مغادرة كل من مكلين وكيرتس هذه الحياة الدنيا أصبحت وحيدا. ومن ثم فالقول بأن ثمة مشروعا مشتركا هو قول زائف ومع ذلك يمكن إزالة الزيف إذا تصورت أننى على وعى بما يضمره كل من مكلين وكيرتس بحكم العلاقة الحوارية مع كل منهما على مدى سنوات. وفى هذا السياق يكون القول بالمشروع المشترك هو قول بالمجاز، ويلزم فى البداية تحديد معنى كل من العلمانية والدين وتحديد العلاقة بينهما ثم تفعيل هذه العلاقة بحيث يخلو كوكب الأرض من الارهاب. والمغزى هنا أن المشروع المشترك يكون له مصطلحات محورية ثلاثة: العلمانية والدين والارهاب.

أبدأ بالعلمانية وضبطها مطلوب لكى نحسن نطقها. وقد تم ضبطها فى «لجنة اللهجات بمجمع اللغة العربية على نحو ما نُشر بمجلته فى عدد مايو 1987. فقد انتهت اللجنة إلى ضبط العلمانية بفتح العين لأنها تدل على الانتماء إلى العالم دون الانتماء إلى الدين أو العلم. وجاء فى المعجم الوسيط الصادر عن المجمع أن (علماني) نسبة إلى العَالم. وكما كان تشويه لفظ علمانية فى ضبطها جاء تشويهها فى معناها فقيل إنه لفظ مستعار من الحضارة الأوروبية أما الحضارة الاسلامية فلا شأن لها به لأن مؤسسها وهو الاسلام هو دين ودنيا من غير انفصال. ومعنى ذلك أن تكون لدينا حضارتان إحداهما أوروبية والأخرى اسلامية. وحاصل الأمر، فى رأيي، أن الحضارة واحدة مع تعدد الثقافات، وبالتالى تكون لدينا حضارة واحدة، ويقاس الفارق بين الثقافات بمدى قربها من الحضارة أو بعدها عنها. وقيل كذلك فى تشويه معناها إنها تفضى إلى الكفر والالحاد. وبسبب هذا التشويه قُتل فرج فوده فى 8 يونيو 1992، وكان الذى أيَد مشروعية قتله هو الشيخ محمد الغزالي. أما نجيب محفوظ فقد أفتى بقتله الشيخ محمد الغزالى والشيخ عبد الحميد كشك والشيخ عمر عبد الرحمن بسبب رواية أولاد حارتنا بدعوى أنها تبشر بفكر علماني، ومن ثم كانت محاولة قتله فى 14 أكتوبر 1994 إلا أنه أُنقذ. هذا عن الأصل اللغوى للعلمانية فماذا عن تاريخها؟

وُلدت العلمانية فى اليونان فى القرن السادس قبل الميلاد على يد فيثاغورس الذى اشتهر بابتداع نظريتين: نظرية البرهان التى هى أساس علم المنطق عند أرسطو وأساس علم الهندسة عند أقليدس المستند إلى علم المنطق. ونظرية دوران الأرض الذى ذهب فيها إلى أن مركز العالم يجب أن يكون مضيئا بذاته لأن الضوء خير من الظلمة، ويجب أن يكون ساكنا لأن السكون خير من الحركة. وبناء عليه فإن الأرض ليست مركزا للكون لأنها مظلمة وبها نقائص كثيرة. بيد أن فيثاغورس كان يحذر تلاميذه من إعلان هذه النظرية. وأظن أنه كان محقا فى هذا التحذير. ولا أدل على صحة هذا الظن من أنه مجرد أن تخلى تلاميذه عن هذا التحذير أُحرقت الدار التى كان يجتمع فيها الفيثاغوريون. وقيل إن فيثاغورس لم يكن فى الدار عندما شب الحريق. وفى القرن الخامس قبل الميلاد تطور مفهوم العلمانية فى المدرسة الفلسفية المسماة بــــالسوفسطائية. وهذه الكلمة مشتقة من الكلمة اليونانية Sophos ومعناها المعلم فى أى فرع من فروع العلم. ويأتى فى مقدمة هذه المدرسة بروتاغوراس. نشر كتابا سماه الحقيقة جاء فيه عبارة اشتهر بها وهى أن: الانسان مقياس الأشياء جميعا. ومعناها أن أحكام الانسان محكومة بالنسبية بحكم نسبية عقل الانسان. يقول فى مفتتح كتابه: لا أستطيع أن أعلم إن كان الآلهة موجودين أم غير موجودين فإن أمورا كثيرة تحول بينى وبين هذا العلم أخصها غموض المسألة وقصر الحياة. وبسبب هذه العبارة حكم عليه بالاعدام وأحرقت كتبه ففر هاربا ومات غرقا. ومغزى هذه العبارة أن الانسان مهموم بقنص المطلق الذى يرمز إليه بالآلهة ولكنه عاجز عن قنصه، ومن ثم يبقى فى مجال النسبى دون مجاوزته. إلا أن هذا المولد للعلمانية كانت له ارهاصات تمثلت فى الطبيعيين الأوائل الذين ارتأوا عدم مجاوزة الطبيعة إلى ما بعد الطبيعة الذى موضوعه المطلق فارتأى طاليس أول الطبيعيين أن الماء أصل الأشياء.

وارتأى أنكسيمندريس أن أصل الأشياء مادة لامتناهية، أى لا معينة لأنها مزيج من الأضداد كالحار والبارد واليابس والرطب. وارتأى أنكسيمانس أن الهواء هو الأصل لأنه ألطف من الماء وأنه أسرع حركة وأوسع انتشارا. أما رابعهم وهو هرقليطس فقد ارتأى أن الأصل هو النار لأنها أكثر الأشياء تغيرا. والسؤال اذن: ماذا بقى من هذه الروح العلمانية اليونانية؟.

********************

*مفكر مصري

**نقلا عن جريدة الأهرام المصرية 

شاهد أيضاً

محمد ناجى المنشاوى*يكتب: المسكوت عنه عند الغزالى وابن رشد 

 الكشف عن المسكوت عند الغزالى وابن رشد من كهنوت -عن الهيئة المصرية العامة للكتاب صدرت الطبعة ...