الرئيسية / أخبار ثقافيه / شيخاوي لخضر*يكتب :الهوية عند مالك بن نبي

شيخاوي لخضر*يكتب :الهوية عند مالك بن نبي

مقدمة:

يعتبر المفكر الإسلامي الجزائري مالك بن نبي واحدا من رجالات القرن العشرين الذين شغلوا أنفسهم بقضايا أمتهم، وسعوا إلى بلورة الحلول والاقتراحات الكفيلة بإخراج الأمة المسلمة من تخلفها الشامل المركب، ودفعها إلى معانقة العصر بفاعلية، فقد قدم مالك بن نبي – رحمه الله – مشروعا فكريا متكاملا في وقت كان فيه العالم الإسلامي يعارك مظاهر الاستعمار، أو يعيش مخلفاته التي كبلت حركته، وسممت أجواءه الثقافية والفكرية بإفراز نخبة منه حاولت إفهام الرأي العام المسلم بأن القوة في اتباع سبل الغرب وتقليد أنموذجه الحضاري.

لقد وقف مالك بن نبي ضد هذه الدعوات اليائسة والمضللة، وصاغ مفهوم “القابلية للاستعمار”، مقتنعا بأن الهزيمة الحقيقية للجيل المسلم الذي جايله، وكل جيل استوفى شروطه نفسها هي هزيمة نفسية (هوياتية) لا تزول إلا بتغيير ما بالنفس مصداقا لقوله تعالى : ” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ” (الرعد: 11)

وفي إطار مشروعه الفكري العام وتحديد نوعية وطبيعة المشكلات التي يواجهها المجتمع الإسلامي، وقف مالك بن نبي عند قضية الهوية التي تعرضت لكثير من التشويه، خصوصا مع اتساع دائرة التأثر بالنموذج الحضاري الغربي وموقع الهوية الغربية فيه، ومن خلال ما سبق ذكره كانت اشكالية ورقتنا البحثية على النحو التالي: ما مفهوم الهويّة في فكر مالك بن نبي؟

حياته واهم العوامل المؤثرة في تكوين هويته:

كانت العوامل الاجتماعية والثقافية، والتغيرات السياسية التي طرأت على عصر مالك بن نبي ومرجعياته اعظم الأثر في تكوين وصياغة شخصيته وهويته وفكره، اذ عاصر فترة تعتبر فيصلا بين عصرين، العصر الهادئ الخالي من كل توتر، والعصر الذي بدأت الامة تستشعر فيه المخاطر من حولها، أو عصر بدايات النهضة كما وصفها مالك بن نبي . ونظرا لخاصية اساسية تمتع بهل فكر مالك بن نبي والتي تتمثل في قدرة عجيبة في فحص ما حوله، ابتداءً من أدق التفاصيل كهياة شخص ما وهويته، إلى اعظم حدث (المؤتمر الاسلامي) الذي كانت فيه جمعية العلماء المسلمين ممثلة برئيسها.

وللتعرف على شخصية مالك بن نبي وعلى توجهه الفكري، ادرجنا ملخص وجيزا لحياته؛ حيث ولد مالك بن الحاج عمر بن لخصر بن مصطفى بن نبي في قسنطينة في شهر ذي القعدة عام 1323ه الموافق ل 1905م[1]، وفي زمن يعد فيصلا ببين عهدين (الماضي والمستقبل) أي في زمن كان يمكن فيه الاتصال بالماضي عن طريق آخر من بقس حيا من شهوده، والاطلال عن المستقبل عبر الأوائل من رواده[2]  كما ركزنا على عاملين شكلا جوهر هويته الفكرة وهما العامل الاصلاحي والعامل الغربي.

أ- العامل الاصلاحي:

لقد كان أول اتصال لمالك بن نبي مع حركة الاصلاح الديني والوعي الوطني عن طريق جدته جدّته لامه (زليخة) والتي يعتبرها مدرسته الاولى التي تكونت فيها مداركه[3] كما تأثر مالك بن نبي بعديد من العلماء والمثقفين في مدرسة سيدي الجلي الاعدادية او في مدرسة اعداد المعلمين امثال الشيخ عبد المجيد والشيخ مولود بن موهوب الخ .. . [4].

ب- العامل الغربي:

أثر هذا العامل في فكر مالك بن نبي ولعل ذلك ظاهر في كتاباته باللغة الفرنسية، فتأثير محيطه الدراسي يظهر فيما مارسه عليه معلموه الفرنسيون، وقد كان تأثيرا في اغلب النواحي منهجيا وعمليا يقول: “فمن جهة عامة كان أساتذتنا الفرنسيّون يصبون في نفوسنا محتوى ديكارتيا، يبدد ذلك الضباب الذي نمت فيه العقلية الميثولوجية التي تتعاطف مع الخرافات النامية في الجزائر”[5] و يمكننا هنا ان نلمس ذلك التأثير على الهوية الجزائرية الاسلامية لمالك بن نبي والتي مورست من طرف الاستعمار.

مقومات الهوية عند مالك بن نبي:

إنّ من يريد الغوص في مشكلة الهوية عند مالك بن نبي يجب عليه لمس عناصر النسيج الهويّاتي المركب لهذه الهوية؛ والتي هي مقومات الشخصية والحضارة تقريبا نفسها (الدين، الانسان، التراب، الثقافة) هذه العناصر التي رأى فيها بن نبي جوهر قيام الهوية الجزائرية الاسلامية التي سعى الاستعمار او بلغة بن نبي (الاستدمار) الى طمسها وتحريفها بكل انواع المكر والخداع.

يحتم علينا موضوع الهوية عند مالك بن نبي تعريف اهم مصطلح لديه وهو الحضارة، هذا المصطلح الجوهري الذي بنى به فلسفته كلها وجاءت كل كتبه خادمة لهذا المشروع، وتعريف الحضارة عنده يتخذ نوعين من التعريف التحليلي والتعريف الوظيفي:

أ-التعريف التحليلي: وهذا التعريف شبهه بالمعادلة الرياضية إذ أن الحضارة هي إنسان زائد تراب زائد وقت[6]،  كما اعتبر مالك بن نبي أن هذه العناصر لا يمكن أن تنتج حضارة وهي منفصلة عن بعضها، كما يضيف إليها الفكرة المركبة وهي الدين، فهو مركب القيم الاجتماعية.  ومنه فمالك بن نبي يرى بأنه لا تقوم قائمة بدون تفاعل العناصر الثلاثة بواسطة الدين، حيث أن الدين هو المركب الأساسي لهذه العناصر، كما أن الإنسان هو صاحب المنجز الحضاري.

ب-التعريف الوصفي: يعرفها مالك بن نبي من زاوية أخرى فيقول: ” الحضارة يجب أن تحدد وجهة نظر وصيفية، فهي مجموعة الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقدم لكل فرد من أفراده في كل طور من أطوار وجوده منذ الطفولة إلى الشيخوخة المساندة الضرورية له في هذا الطور أو ذلك من أطوار نموه”[7]. أي وضعية الحضارة هي تقديم الضروريات لكل أطوار نمو الإنسان.

 

اولا: الدين كمقوم للهوية:

وبما أن الأمة الإسلامية تشهد تحديات كبيرة في العصر الحديث، فقد انشغل علماؤها ومصلحوها ودعاتها بقضية التجديد الحضاري في العالم الإسلامي، وذلك في سياق العودة الصحيحة إلى حضارة غابرة الى الهوية الاساسية، التي كانت منارة للعالم يوماً ما، ولعل المفكر الجزائري مالك بن نبي من أعلام الفكر الإسلامي العربي في القرن العشرين، من أبرز الذين أعطوا أهمية لأثر الدين في تحقيق نهضة المجتمعات وتحضرها، رأى فيه ظاهرة كونية تحكم فكر الإنسان وحضارته، لأنه هو الذي يكون الأنا الواعية، وهو الذي ينظم الطاقة الحيوية التي تصنعها الغرائز في خدمة تلك الأنا، يقول مالك بن نبي: ” كلما اوغل المرء في الماضي التاريخي في الاحقاب الزاهرة لحضارته، أو المراحل البدائية   وجد سطورا من الفكرة الدينية”[8]

وقد قدم ابن نبي مشروعه الفكري القائم على إعادة بعث هوية الحضارة الإسلامية من خلال عدة محاور، كان على رأسها معالجة مشكلات الحضارة الإسلامية، وسبل إعادة بنائها وإحيائها، مركزا على ما سماه «الفكرة الدينية» التي تعني أن الدين والأفكار المستمدة منه هو الذي يحرك الحضارة، وهو مطلق شرارتها كي تدخل التاريخ، وتأخذ مساحة في عالم الإنجاز.

وقد ركز ابن نبي على مراحل الفكرة الدينية، فهي غيرت حال شبة الجزيرة من صحراء قاحلة منتشرة فيها الوثنية والجهل والفساد إلى أرض خضراء زراعية مليئة بالتوحيد والعلم والرقي، وعبر عنه بثلاث مراحل.

لا يختلف اثنان على ان الدين شغل حيزا كبيرا ومكانة مستحقة في فكر مالك بن نبي؛ كيف لا وقد اعتبره العنصر الاساسي المركب لشروط الحضارة (انسان، تراب، وقت) هذا من جهة، ونظرا لتشبع بن نبي بتعاليمه من جهة ثانية. كما ان الفكرة الدينية عند مالك أساس كل مشروع تغييري وهو يهتم به –في الغالب- من حيث وظيفته الاجتماعية[9] في صياغة الشخصية والهوية الحضارية وبناء العلاقات الاجتماعية فالدين القادر على التغيير هو الدين السماوي هذا من جهة ثالثة.

إذا كان الفردُ في حاجة إلى الجماعة لتستقيمَ حياته، والاجتماع الإنساني في حاجة إلى الأفراد ليضمن قيامَه وسيره إلى الأمام، فهو في أمسِّ الحاجة إلى النِّظام ليحقِّق وجودَه واستمراره، وهذا الاجتماع يظهر في صورةِ مجتمع يبقَى في حاجةٍ كبيرة إلى عقيدة موحدة تُنشئ العَلاقات والقِيم الأخلاقيَّة، وتبث في أفرادِ المجتمع الشعور المشترَك بحاجة الأفراد إلى بعضِهم البعض، وبوجودِ رِسالة ووظيفة في مستوى الفرْد وفي مستوى الجماعة وفي مستوى الأمَّة، وبوجودِ مبادئ وغايات لا تضمن وجودها إلاَّ بالوسائل والسُّبل المناسِبة، فتكون هذه العقيدة الموحَّدة هي الدافِع إلى النهوض بالرِّسالة والوظيفة داخلَ المجتمع، فيبدأ التارِيخ وتَنطلق الحَضارة، فالتاريخ يَصنعه الإنسان، والحَضارة إنتاج إنساني في التاريخ، وهذا الصنع وهذا الإنتاج مِن فِعل الإنسان بدافِع من الفِكرة الدِّينيَّة.

فالعقيدة تُغذي الرُّوح مثلما يتغذَّى الجسم مِن الأشربة والأطعِمة، والحضارة في طَورها الأوَّل تشترط عوامل رُوحيَّة دِينيَّة تكون وراءَ كلِّ تجديد في النَّهضة الحضاريَّة، وهو الأمْر في الحضارة الإسلاميَّة والحضارة المسيحيَّة والحضارة البوذيَّة وغيرها، تعلَّق المسلمون الأوائل بالإسلامِ وبالفِكرة الدِّينيَّة وكانوا في جاهلية تعلقًا – وهو تعلُّق له أسبابٌ ودوافعُ – لم يسمحْ لتقاليد وأحكام وأفعال الجاهليَّة المردودة مِثل وأدِ البنات، والزِّنا، والوثنيَّة، والعصبيَّة بأن تقِف في وجه الفَناء الرُّوحي في تعاليمِ القرآن وسُنة الرسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – وبذلك بزغتْ شمس الحضارة وسطَع نور النهضة في صحراءِ العرَب القاحلة، وعند رجُل الفِطرة الذي لا يعرِف سوى الحلِّ والترْحال بحثًا عن الكلأ لعيالِه وأنعامه.

يرَى “مالك بن نبي” أنَّ الحضارة ليستْ وليدةَ الجغرافيا والمناخ في صورةِ التحدي والاستجابة، ولا العامل الاقتصادي، بل تصنعها فكرةٌ دينيَّة ومبدأ أخلاقي مِن خلال التأليف والتوحيد بيْن عناصرها الثلاثة: الإنسان التراب والوقت، فتشكل الفِكرة الدِّينيَّة المركَّب في كلِّ تجديد حضاري أو نَهضة حضاريَّة، فهي “تتدخَّل إمَّا بطريقة مباشِرة، وإمَّا بواسطة بديلاتها اللادينيَّة نفسها في التركيبة المتآلِفة لحضارةٍ ما وفي تشكيل إرادتها”[10]، وإذا كانَ للحضارة عمرٌ كعمر الطفل، فإنَّ المهد الذي تولَد فيه هو الفِكرة الدينيَّة.

الحضارة حسب “مالك بن نبي” تشهد ثلاثةَ أطوار: طور النهضة والميلاد، وطور الازدهار والأوج، وطور الفساد والأفول، أمَّا الطور الأول، فهو رُوحي تنتظم وتنضبط فيه الغرائزُ تحتَ سلطان الرُّوح بتوجيهٍ مِن الفِكرة الدِّينيَّة، ويتطوَّر المجتمع الذي أنجبتْه الفكرة الدينيَّة في المرحلة الثانية بفِعل اكتمال روابطِه الاجتماعيَّة، وبمدَى انتشار الفِكرة الدينيَّة في العالَم، فتبرز المشاكلُ وتكثُر المطالب، وتكون النتيجة التالية: فإمَّا أن يكونَ هناك تطابُق “مع النهضة كما نراها بالنِّسبة إلى الدورة الأوربيَّة، وإمَّا أن يتطابق مع استيلاءِ الأُمويِّين على الحُكم كما هو شأن الدورة الإسلاميَّة”[11]، وفي الحالتين تكون السلطةُ في يدِ العقل الذي لا يملك سلطةَ النفوذ على الغرائزِ التي تسترجع نفوذَها بفقدان الرُّوح لنفوذها عليها، فتظهر بوادرُ الانهيار والأفول.

فتأثير الفِكرة الدِّينيَّة في الرُّوح الفرديَّة والرُّوح الاجتماعيَّة هو الذي يُحدِث الدوافع والأسباب في رُوح الفرْد والمجتمع إلى النهوض، ويكون هذا الحال وراءَ كلِّ تجديد حضاري، وخَلْق كلِّ حضارة، وأساس حرَكة الإنسان في التاريخ.

ثانيا: التراب كمقوم من مقومات الهوية الحضارية للإنسان:

إن الدارس لفكر مالك بن نبي سيكتشف أنه دون معاصريه من المفكرين المسلمين قد أولى اهتماماً كبيراً وعميقاً للإنسان المسلم، متابعاً في ذلك علله ونقائصه ومحللا أبعاد الظواهر والمشكلات التي تحيط به، ومقترحاً الحلول في إطار إسلامي واضح، وإجمالاً  كان ابن نبي في فكره مدرسة كاملة متكاملة، حيث يرى أن الهوية الحضارية هي نتيجة الصيغة التحليلية الآتية:

الناتج الحضاري= الإنسان + التراب + الوقت .

حيث تشير هذه المعادلة إلى أن مشكلة هوية الإنسان الحضارية تنحلّ إلى ثلاث مشاكل أولية: مشكلة الإنسان، ومشكلة التراب، ومشكلة الوقت، فلكي نقيم بناء حضارة لا يكون من خلال تكديس المنتجات، وإنما بأن نحل تلك المشكلات من أساسها، ولكن هذا الناتج الحضاري، لا يتم تلقائياً حيثما توفرت هذه العناصر بل لابد من وجود مركب ما، وهو المركب الحضاري الذي يؤثر في مزج العناصر الثلاثة بعضها ببعض، هو: الفكرة الدينية التي رافقت دائماً تركيب الحضارة خلال التاريخ[12]  أي أنّ “كل تفكير في مشكلة الإنسان هو تفكير في مشكلة الحضارة[13] “.

فعندما يتحرك رجل الفطرة، ويأخذ طريقه لكي يصبح رجل حضارة لا زاد له سوى التراب، والوقت، وإرادة لتلك الحركة، وهكذا لا يتاح لحضارة بدئها رأسمال إلا ذلك الرجل البسيط الذي تحرك، والتراب الذي يمده بقوته الزهيد حتى يصل إلى هدفه، والوقت اللازم لوصوله، وكل ماعدا ذلك من قصور شامخات، ومن جامعات وطائرات، ليس إلا من المكتسبات، لا من العناصر الأولية. [14] روفي ما يلي سنتناول مشكلة التراب كمقوم من مقومات الهوية.

يعتبر مالك بن نبي التراب أحد العناصر المقومة للهوية، وقد عالجه من جانبين:

1-المظهر القانوني: يتصل الإنسان بالتراب من خلال صورة الملكية، أي من حيث تشريع الملكية في المجتمع الذي يحقق الضمانات الاجتماعية.

2-المظهر الفني: ويقصد به السيطرة الفنية والاستخدام الفني الذي تتيحه العلوم المختصة، كعلم التربة أو الكيمياء.[15]

ويخضع تقييم التراب في فكر مالك بن نبي لمعيار تقدم الحضارة التي تحيطه أو تحده، والتي تعمل على استغلاله أحسن استغلال، وهذا ما حدث في الزمن الماضي حيث كانت الحضارة الإسلامية تعيش أوج قوتها، لكنها سرعان ما تراجعت، فتراجعت معها قيمة التراب التي أصبحت مهملة، وحيث يركز مالك بن نبي على قيمة التراب الاجتماعية وطبيعة من يملكه، فإنه وجب إضافة القيم الأخرى، وهي قيمة تنوع المساحات التي يتوفر فيها هذا التراب، وهي مساحات متنوعة ومنتشرة، بالإضافة إلى قيمة نوعه فهو يقع في قارات مختلفة الأجواء والتغيرات الجوية، وكميات المياه التي تنتشر في البحار والمضائق، والأنهار والمحيطات مما يسهل عملية ممارسة الإنتاج.

حيث يقول في هذا المجال: “ونحن حين نتكلم عن التراب، لا نبحث في خصائصه وطبيعته، فليس هذا البحث من موضوع الكتاب، ولكننا نتكلم عنه من حيث قيمته الاجتماعية، وهذه القيمة مستمدة من قيمة مالكيه، فحينما تكون قيمة الأمة مرتفعة وحضارتها متقدمة يكون التراب غالي القيمة، وحيث تكون الأمة متخلفة، يكون التراب على قدرها من الانحطاط”. [16]

يضيف بن نبي عنصرا أساسيا يزيد من أهمية التراب، هو هوية هذه الأمة وانتماؤها، أي الإسلام، فهذه الأمة ارتقت في زمن معين بظهور ونزول رسالة الإسلام، ومعها ارتقت قيمة العمل واستغلال وخدمة التراب، فتقوت هذه الأمة التي تأكل من تراب أرضها، فتوفرَ الإنتاجُ، وكثرت الصنائع وارتقت العلومُ، ولكن بعدَ هذه الأمة عن دينها جعلها تتخلف على مستوى كل الأصعدة، ومنها صعيد الإنتاج والاقتصاد، فأضحت بذلك لقمة سائغة لمن حولوا مجتمعات صغيرة إلى حضارات كبيرة تقود العالم وفقا لشعارات ابتليت بها الأمة الإسلامية والتي لم تحسن التعامل معها.

يلفت مالك بن نبي نظرنا وتصورنا إلى مشهدين، مشهد الجزائر ما بعد الاستقلال وغزو الرمال لبعض المدن الغير الصحراوية، بالإضافة إلى الدول الواقعة في الشمال الإفريقي التي أخلت بالتشجير، والإقلال من مساحاته إقلالا بالغا، وما يحدث الآن من استغلال المساحات الخضراء، وتحويلها إلى تجمعات اسمنتية ما يؤثر عليها في الزمن الحاضر، وبين المشهد في فرنسا الذي أحسن عمليات التشجير في الناحية الغربية الجنوبية التي تحولت إلى أول منتج في العالم لنوع من الزيوت، كما أصبحت ملجأ صحيا للمرضى من جميع أنحاء الأرض. [17]

ونظرا لعدم اهتمام الإنسان بهذا المقوم الأساسي، حيث ماتت الأرض الخضراء، وانتشرت فيها الصحاري، فأصبحت قاحلة لا حياة فيها، زيادة على ذلك وقف الإنسان دون فعالية في مواجهتها؛ لتقاعسه عن العمل، ولهذا كله فإن مالك يوجه الإنسان إلى العمل على هذا العنصر الأساسي فيقول:

“ومهما يكن من بدائية وسائلنا فإن علينا أن نعمل، فالعمل لازم لزوم دراسة طبيعة الأرض والمناخ، فإننا لن نستطيع أن ننقذ ذريتنا من الأجيال القادمة إلا بالعمل الشاق، وعندما تتحقق تلك المعجزة بانتصارنا على أنفسنا وعلى أهوال الطبيعة، فإننا سوف نرى أية رسالة في التاريخ نحن منتدبون إليها، لأننا نكون قد شرعنا في بناء حياة جديدة، ابتدأت بالجهود الجماعية بدل الجهود الفردية، ولسوف تظهر أمامنا بعد ذلك أعمال جليلة خطيرة، ولكنها سوف لا تخيفنا، لأن شعبنا أخضع التراب، ومهد فيه لحضارته، ولم يعد شعباً يخاف نوائب الزمن”.[18]

ويمكن القول أن التراب هو المحيط كله والإنتاج الخاص – إنتاج الأنا المسلم- ضمن هذا المحيط، حيث يتم تركيز التفكير في التعامل مع الظروف المحيطة بما هو متاح من إمكانات داخل المحيط نفسه، وهي قاعدة تدعو إلى التفكير في الانتاج واستغلال المحلي والوطني بكل الأساليب والوسائل المشروعة، ويكون ذلك على مستوى المصطلح أو الإنتاج، فلا يمكن الاستعانة دائما بما أنتجه الآخرون بل محاولة تجاوز ذلك إلى التفكير في الإنتاج، ويتم ذلك بإنتاج حضارة توظف كل الطاقات الاجتماعية الموجودة في ابنائها المحافظين على هويتها، وتنشئ تدريجيا وسائلها الفنية بقدر ما تتخلص من رواسب ومعوقات ما قبل الحضارة.[19]ثم يقول بن نبي: ”فجميع أنواع الحلول ذات الصيغة الاجتماعية التي نقتبسها عن بلاد أخرى ثبتت لها فيها صلاحيتها، تشبه الصيغة الكيميائية لتركيب الماء، وهي صحيحة في هذه البلاد على وجه التأكيد، ولكنها تقتضي عند التطبيق عناصر مكملة لا تأتي معها، ولا يمكن أن تأتي معها، لأنه لا يمكن حصرها، ولا يمكن فصلها عن المحيط الاجتماعي في بلادها، أي لا يمكن فصلها عن روحها، وإذن؛ فلكي نواجه بطريقة فنية أية مشكلة، ينبغي أن لا يقتصر عاملنا على اقتراض الحلول التي تأكدت صحتها خارج بلادنا، إذ أن الصيغة المقتبسة الصحيحة بلا أدنى شك، ولكن في إطارها الاجتماعي، وفي محيطها التي تخلقت فيه”.[20]

 

خاتمة:

ختاما لهذه الورقة البحثية نقول ان عناصر الهوية عند مالك بن نبي هي نفسها تقريبا عناصر الحضارة والمتكونة من ثلاثيته التركيبية حضارة= انسان+ وقت+ تراب، دون ان ننسى المركب الاساسي لهذه التركيبة وهو الدين او ما اسماح واصطلح عليه مالك بنبي بالفكرة الدينية، التي رأى انه لا اساس لتحظر من دونها، ولا هوية لأمة دونها وربما نأخذ على سبيل المثال الهوية الاسلامية سمية علة اسم الدين الاسلامي أي ان الهوية تأخذ اسمها من اسم الدين الذي يعتنقه اصحابها، وقد انطبق ذلك على الهوية الاسلامية، واخيرا نقول ما اراد بن نبي قوله الحضارة أو الهوية تحفظ ما حفظت العناصر الاساية لكل مجتمع الانسان، والدين، الوطن.  أي أن الهوية تركيب محكم البنيان يجب حفظه.

 

[1]  البشير مقلاتي: هكذا تكلم مالك بن نبي، مكتبة اقرأ، الجزائر، ط1، 2007، ص1.

[2]  مالك بن نبي: مذكرات شاهد على العصر الطفل والطالب، درا الفكر، دار الفكر المعاصر، دمشق، بيروت، ط2، 1984، ص15.

[3]  المصدر نفسه، ص16.

[4]  المصدر نفسه، ص48.

[5]  مالك بن نبي: مذكرات شاهد على العصر الطفل والطالب، ص65.

[6]  مالك بن نبي: شروط النهضة، ترجمة: عبد الصبور شاهين و آخرون، دار الفكر، دمشق، ط4، 1987، ص64.

[7]  مالك بن نبي: آفاق جزائرية، مكتبة عمار، القاهرة، د ط، 1971، ص38.

[8]  مالك بن نبي: الظاهرة القرآنية، ترجمة: عبد الصبور شاهين، دار الفكر، دمشق، 1984، ص69.

[9] مالك بن نبي: تأملات، دار الفكر، دمشق، دط، 2002، ص ص،200-201 .

[10]  مالك بن نبي: آفاق جزائرية، مكتبة عمار، القاهرة، د ط، 1971، 83.

 [11]  مالك بن نبي: شروط النهضة، ترجمة: عبد الصبور شاهين و آخرون، دار الفكر، دمشق، ط4، 1987، ص103.

[12]  نفس المرجع، ص45، 46، 60.

[13] مالك بن نبي: مشكلة الثقافة، دار الفكر، دمشق، ط4، 1959،  ص100.

[14]  مالك بن نبي: آفاق جزائرية، ص38.

[15] الطاهر سعود: التخلف والتنمية في فكر مالك بن نبي، دار الهادي بيروت، لبنان، دط، 2006،  ص222.

[16] مالك بن نبي: شروط النهضة، ص139.

[17] مالك بن نبي: شروط النهضة، ص 142 و143.

[18] المصدر نفسه: ص135 ص136.

[19] تأملات: مالك بن نبي، دار الفكر المعاصر، لبنان، دار الفكر، دمشق، دط (2009م)، ص62.

[20] مالك بن نبي: ميلاد مجتمع، دار الفكر، سورية، دط، 2009،  ص103.

*****************

*أستاذ فلسفة وباحث دكتورا بجامعة وهران2

شاهد أيضاً

د.عبد الله سليمان *يكتب:أنت وذاتك والحب

  فكرت أن يكون عنوان هذا المقال: “الطفل: الذات والحب”؛ لكني وجدت وأنا أصوغه أنه ...