الرئيسية / أخبار ثقافيه / د. داود خليفة*يكتب :خطاب الغيرية: من الفكر الاختزالي إلى الفكر المركب

د. داود خليفة*يكتب :خطاب الغيرية: من الفكر الاختزالي إلى الفكر المركب

مقدمة:

اهتمت الفلسفة – طوال تاريخها – بمسألة الغيرية، غير أن ما كان يميز هذه المسألة هو تناولها للغيرية من زاوية اختزالية محضة، وتمثلت هذه الاختزالية بالأساس في فصل الأنا عن الغير أو اختزال الغير أو الأخر في الأنا.

ومع الفلسفة المعاصرة اتخذ سؤال الغيرية إستشكالا مغايرا أخذ طابعا مركبا ضمن علاقات معقدة يتشابك فيها ما هو فردي وجماعي، وجداني وعقلي، نفسي واجتماعي، اقتصادي وسياسي… وأيضا من خلال اعتبار هوية الإنسان هوية عالمية أو كوكبية.

ولأن الأسلوب المعرفي القائم على الفصل والاختزال قد وقف حائلا دون فهم التعقيد الإنساني، فإنه قد أصبح من الاستحالة بمكان فهم الإنسان بدون الوعي بالطابع المركب لهذا الإنسان، ذلك أن الإنسان بوصفه هوية عالمية موحدة لا ينبغي أن ينظر إليه كمجموع من الأجزاء سواء كانت ثقافية أو بيولوجية أو نفسية أو اجتماعية، بل ينبغي – مقابل ذلك – أن ننظر إليه في إطار كلي شامل لا متمركزا على الذات، بل منفتحا على الغير.

ضمن هذا التداخل المتفاعل لم يعد التفكير في الإنسان ككل متمركزا، بل متعدد التمركزات يسعى بالأساس إلى تبني رؤية مركبة تحقق الشرط الإنساني.

سنحاول أن نبرز هنا الخطاب الفلسفي حول الإنسان من زاوية علاقة الأنا بالغير من تصورين مختلفين: تصور اختزالي وآخر مركب، انطلاقا من الإشكالية التالية: هل يمكن اختزال حقيقة الإنسان فيما يشعر به من تفرّد أي في الأنا؟ أم أن الطابع المركب للإنسان يقتضي التعايش والانفتاح على الأخر أو الغير؟

مفاهيم أساسية:

إن معنى الغير والآخر واحد في التصور الشائع، إذ يتحدد مفهوم الغيرية – وفقا لهذا التصور– بالسلب أو النفي؛ لأن دلالته تنحصر في الإشارة إلى الآخر المتمايز عن الأنا، أيّا كان نوع هذا التمايز سواء كان عرقيا أو حضاريا أو فارقا اجتماعيا وحتى تمايز جسمي. انطلاقا من هذا التمايز فإن الذات يمكن أن تتخذ منه موقف ايجابيا كالتآخي أو الصداقة أو سلبيا كالصراع والعداء (حسن شحاتة: 2008، ص17).

أما المعنى اللغوي للغير؛ فإنه في الدلالة المعجمية العربية مشتق من كلمة “غير” بمعنى “سوى” التي تستخدم كأداة للاستثناء. هذا يعني أن مفهوم الغيرية في دلالته اللغوية يشير أيضا إلى التمايز والاختلاف، ويحيل بمعنى ما إلى “الآخر”.

في اللغة الفرنسية مفهوم الغير (Autrui) يستخدم في مجل ضيق هو المجال الإنساني، فيشير إلى الناس الآخرين، في حين أن مفهوم الأخر (L’autre) يتسع ليشمل مجال الإنسان ومجال الأشياء على السواء.

أما في علم النفس فإن لفظ “الغير” مقابل للفظ “أنا”، فكل ما كان موجودا خارج الذات المدركة أو مستقلا عنها كان غيرها (جميل صليا: 1982، ص131) ولهذا درجنا على إطلاق لفظ الغير أو الأخر على كل ما هو موجود خارج الأنا.

والغيرية مرادف للتغاير، وهي كون الشيء مختلفا عن غيره، وهو ما عبر عنه ابن سينا (980-1037) بالقول: «إن الأشياء مختلفة الأنفس تصير مختلفة الأنواع، ويكون تغايرها بالنوع لا بالشخص» (المرجع والصفحة نفسهما).

خطاب الغيرية في الفلسفة: 

في الفلسفة هناك خطابان متغايران حول الغيرية، كل خطاب منهما هو رهين رؤية معينة انطلاقا من تصور هذه الرؤية للإنسان. هناك رؤية أولى تنظر إلى الإنسان نظرة اختزالية ومن ثم ّكان خطابها حوله اختزاليا بما في ذلك خطاب الغيرية نفسه، ورؤية ذات نظرة مركبة تنظر للإنسان باعتباره هوية كوكبية، فكان خطابها حوله مركبا تحت نموذج التعقيد. سنحلل هاتين الرؤيتان ضمن السياق الاختزالي والسياق المركب.

الاختزال والغيرية:

ظل خطاب الغيرية – ولعقود طويلة من الزمن – في الفلسفة رهين الرؤية الاختزالية، ويرجع التصور الاختزالي للإنسان إلى الفلسفة الأفلاطونية – الديكارتية، حيث إن النظرة على تلك الفلسفة تكشف لا محالة عن تلك الرؤية التبسيطية الجزئية للإنسان، والتي تهمل كل نظرة مركبة أو تأخذ في الحسبان الأبعاد المتعددة للإنسان.

في الفلسفة الأفلاطونية، انطلاقا من تصور أفلاطون (427 ق.م – 347 ق.م) لعالمين مختلفين: عالم المثل وعالم المحسوس، فانه ينظر إلى الإنسان من منظور هذا التقسيم، فيرى أن النفس باعتبارها جوهر روحي هي مبدأ الحركة – وهي الفكرة التي تبناها أرسطو (384 ق.م – 322 ق.م) لاحقا في فلسفته – وأن الجسم مجرد عرض مادي. وأن تحقيق الارتقاء إلى كمال الوجود الإنساني أي إنية الإنسان بالنفس، وبذلك يختزل أفلاطون الإنسان في البعد النفسي أي الوعي.

وفي الفلسفة الحديثة، نجد ديكارت (1596 – 165) قد حاول أن يعطي تصورا للكون ككل انطلاقا من معطيات العلم الجديدة، وهو تصور يقوم على أن الكون محكوم بقوانين طبيعية ميكانيكية، وثم لا يصلح لتفسيره إلا التفسير الميكانيكي الآلي.

انطلاقا من ذلك، قام ديكارت بسحب الحياة من الكائن الحي عندما جعل منه مجرد آلة، وهو يصرح بذلك في قوله: «لا أعتقد بوجود أي فارق بين الآلات التي يصنعها الحرفيون، وبين مختلف الأجسام التي تتولى الطبيعة وحدها تركيب» (أميل برهييه: ص18). ولا غرابة في ذاك ما دمنا ندرك أن الفلسفة الديكارتية القائمة على ثنائية (Dualisme) هي الروح والجسد؛ فـديكارت يسلم بوجود جوهرين مستقلين: الجسم جوهر مادي يتميز بالامتداد والقابلية للقسمة، والروح (النفس) جوهر غير مادي يتميز بالتفكير، وليس في مفهوم الجسم ما يخص النفس، وليس في مفهوم النفس ما يخص الجسم وتقوم ثنائية النفس والجسد على أساس تعالي النفس على الجسد.

هذه الرؤية الاختزالية للإنسان جعلت حقيقة الإنسان تتحقق في إنيته أي في وعي الذات بذاتها ومعرفة حقيقتها واثبات وجودها. الأمر الذي يجعل ديكارت يشترط الوعي كخاصية تشكل أنسنة الإنسان وتميزه عن غيره.

نصل مع ديكارت إلى أن الأنا المتمثل في النفس العاقلة لا يحتاج لغيره في معرفة حقيقته وإثبات وجوده، وبذلك يرتبط الجسد والغير بمجال الغيرية وبكل ما هو عرضي. إن النفس العاقلة أو الأنا المفكرة هو الحقيقة الوجودية اليقينية الوحيدة التي تعيش في عزلة وجودية عن الغير. من هنا كان التصور الاختزالي يتصور الإنية كإقصاء للغيرية لأن في نفي الجسد إنما هو نفيا للعالم وللآخرين.

والحقيقة أن خطاب الغيرية في الفلسفة الغربية خطاب متمركزا جاء ليكرس المركزية الأوربية؛ والواقع أن هذه الفلسفة منذ أفلاطون وصولا إلى هيجل (1770 – 1831) إنما هي تعبير عن هذه المركزية من خلال تصور العالم باعتباره مركزا هو الأنا، وهامشا يمثل الغير أو الأخر الذي ليس له إلا التبعية للمركز سياسيا وثقافيا واقتصاديا… من هنا كان خطاب الغيرية يقوم على إلغاء الأخر ونفيه، خطاب متمركز يختزل تاريخ الغرب والحضارة في تاريخ أوربا وحضارتها.

التعقيد والغيرية:

سيكون نموذجنا في هذا السياق الفيلسوف الفرنسي إدغار موران (1921 – ) الذي يرى أن العلم الغربي تأسس على الإقصاء الوضعاني للذات انطلاقا من الفكرة القائلة أن الموضوعات الموجودة بشكل مستقل عن الذات قد يكون بالمستطاع وصفها وتفسيرها باعتبارها كذلك (إدغار موران: 2004، ص42).

لقد سيطرت نزعة اختزالية تهمل علاقة الإنسان بالطبيعة، فكان إما يتم دمج الإنسان داخل الطبيعة داخل رؤية تجعل من الإنسان كائنا طبيعيا وتقول بفكرة “الطبيعة الإنسانية”، وإما يتم فصل الإنسان عن الطبيعة ضمن رؤية تقوم على تعيين ما يميز الإنسان عبر نفي الطبيعة. هاتان الرؤيتان تندمجان تحت منظومة واحدة هي منظومة الاختزال والفصل: اختزال الإنساني في الطبيعي، أو الفصل بين الإنساني والطبيعي، وهما بذلك تمنعان من رؤية الوحدة والتداخل (إدغار موران: 2002، ص26-27).

إن فهم الإنسان يتطلب الوعي بالطابع المركب لهذا الإنسان، فالأسلوب المعرفي القائم على الفصل والاختزال قد وقف حائلا دون فهم التعقيد الإنساني، حيث تهتم مختلف العلوم بالظاهرة البشرية كلّ من زاوية خاصة ومحددة، فتمّ تجزئة الإنسان إلى أجزاء (إدغار موران: 2009، ص22). وبالتالي نحن بحاجة إلى فكر يجمع عناصر التعقيد البشري (البيولوجية والثقافية والاجتماعية والشخصية) وتنظيمها، أي نحن بحاجة إلى معرفة موحدة عن الإنسان، ذلك لأن «مصطلح “إنساني” غني، ومتناقض، ومزدوج: إنه في الواقع، جد معقد بالنسبة للأذهان المجبولة على إجلال الأفكار الواضحة والمميزة» (المرجع نفسه، ص23). وهذا يعني أن التعقيد البشري يفتح الطريق أمام كل من الفيزياء والبيولوجيا والأنثروبولوجيا الاجتماعية، ويهدف إلى بناء تصور شامل عن الطبيعة البشرية بإبراز التداخل بين العضوي الحيوي والفكري الثقافي.

إن طبيعة الإنسان هي على السواء فيزيائية وكيميائية وبيولوجية واجتماعية ونفسية… لذا فإنه من الضروري «إعادة دمج الإنسان ضمن الكائنات الطبيعية، بهدف تمييزه عنها لا اختزاله فيها، الأمر الذي يتطلب تطوير نظرية ومنطق وابستيمولوجيا للتعقيد، تلاءم معرفة الإنسان» (Edgar Morin: 2005, p25)

انطلاقا من ذلك، سعى إدغار موران إلى إعادة تأسيس معنى للإنسان يتجاوز حدود الاختزال من خلال التأسيس للغيرية وفق منظور ثنائي متكامل هما: الاختلاف والانفتاح. يتعلق الأمر هنا بتجاوز تلك الرؤية التبسيطية التي تحصر حقيقة الإنسان في “الأنا” كشرط أنطولوجي، إلى رؤية أكثر تكاملا تأخذ في الحسبان علاقة الإنسان ب”الأخر” كشرط إنساني. يتحقق الشرط الإنساني في نظر موران من خلال تفكير متعدد التمركزات منفتح ويتغذى من مختلف ثقافات العالم، الأمر الذي يستوجب نوعا من التفاهم الذي تنوط به التربية كأحد مهامها الأساسية.

ولاشك أن الفهم الإنساني يحيلنا على معرفة الذات للذات، حيث لا ندرك الغير موضوعيا فقط بل إننا ندركه كذات أخرى نتطابق معها أو نجعلها متطابقة معنا، إنه أنا آخر وقد أصبح غيرا ذو أنا مستقلة. يؤدي الأمر في النهاية إلى أن الفهم هو محاولة معرفة الغير والسعي نحو التطابق معه والقيام بإسقاطات عليه. وهو بهذا المعنى مسألة بين ذاتية، تقتضي الانفتاح والتعاطف (إدغار موران: 2002، ص88).

ولتحقيق هذا الفهم والتقارب والانفتاح على الآخر، لابد من مواجهة عوائق، يلخصها إدغار موران في التمركز حول الذات (l’égocentrisme) والتمركز حول العرق (I’ethnocentrisme) والتمركز حول المجتمع (le sociocentrisme)، والقاسم المشترك بين هذه النزعات الثلاث «يكمن في كونها تموقع ذاتها في مركز العالم وتعتبر كل ما هو غريب أو بعيد هو شيء ثانوي لا معنى له أو شيء معاد لها» (المرجع نفسه، ص90).

خاتمة:

إن الخطاب الفلسفي حول الغيرية، استند في أوله إلى رؤية اختزالية تبسيطية، وهي – دون شك – رؤية إقصائية من حيث هي تحصر حقيقة الإنسان في “أناه” الذي يحضر انطولوجيا من خلال عملية التعقل أو التفكير باعتبارها خاصية جوهرية للإنسان، وكل ما عداها فهو عرضي بما ذلك الغير.

لكن ومع الفكر الجديد؛ الفكر المركب سمح بتشكيل خطاب جديد عن الغيرية، خطاب غير تبسيط وغير اختزالي يأخذ ب”تعددية الأبعاد” (multidimensionnel)، مما يقتضي بالضرورة الانفتاح على الغير رغم الاختلاف معه من خلال عملية التفاهم التي ينبغي أن تنميها تربية المستقبل.

 

المراجع :

  1. برهييه، إميل، تاريخ الفلسفة- الجزء الرابع: القرن السابع عشر، ترجمة:جورج طرابيشي، دط، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، د ت.
  2. شحاتة، حسن، الذات والآخر في الشرق والغرب: صور ودلالاتوإشكاليات، ط 1، دار العالم العربي، القاهرة، 2008.
  3. صليبا، جميل، المعجم الفلسفي، المجلد الثاني، دار الكتاب اللبناني، د ط،بيروت، 1982.
  4. كرم، يوسف، تاريخ الفلسفة الحديثة، دار المعارف، د ط، القاهرة، د ت.
  5. موران، إدغار، الفكر والمستقبل: مدخل إلى الفكر المركب، ترجمة: أحمدالقصوار – منير الحجوجي، دار توبقال للنشر، ط 1، الدار البيضاء، 2004.
  6. ، تربية المستقبل، ترجمة: عزيز لزرق – منير الحجوجي، دارتوبقال للنشر، ط 1، الدار البيضاء، 2002.
  7. النهج: إنسانية البشرية – الهوية البشرية، ترجمة: هناءصبحي، هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، ط 1، أبو ظبي، 2009.
  8. 8. Edgar Morin, Introduction à la pensée complexe, Éditions du

Seuil, Paris, 2005.

  1. Edgar Morin , La méthode: L’humanité de l’humanité, Éditions

*****************************

شاهد أيضاً

محمد ناجى المنشاوى*يكتب قراءة نقدية لديوان تفاصيل حلم ما كملش

  بين الفقد والفضح والنبوءة دراسة نقدية لديوان تفاصيل حلم ما كملش     فى ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *