الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.فاطمة الحصي *تكتب :قطيعة معرفية ..مع العقل !

د.فاطمة الحصي *تكتب :قطيعة معرفية ..مع العقل !

كانت دهشتي بالغة حين أخبرني إبني الطالب بجامعة القاهرة عن  حديث زميل له فيخاطبه متسائلا ومستنكرا ومتعجبا قائلا :”كيف تفهم الكتب دون درس خاص “؟!
وجدتني أحاول استيعاب المسألة لأنها بعيدة كل البعد عن عقلي ،اندهاشي الذي وصل الى حد الذهول كان كبير جدا ، المسألة لم تكن محض صدفة أن يقول طالب لزميله هذه العبارة ، كما أنها لم تكن مجرد كلمة عابرة تجعلني أقوم الى كتبي وأوراقي وأكمل حياتي بشكلها الروتيني الطبيعي ، المسألة جد خطيرة ، و أظن أن التعبير السليم لوصفها هو قطيعة مع العقل ! لماذا ؟ لأننا أمام أجيال تم استبعاد فكرة استخدام العقل لديها بشكل مخيف ومقلقل ، لقد تم استدراج الأسر العادية بالمجتمع المصري (لا  أملك ما يثبت امكانية تعميم هذه الظاهرة على المجتمعات العربية ) الى الإنشغال ببث روح المنافسة لتحصيل أعلى الدرجات والانتقال من مرحلة تعليمية لأخرى ، ونسينا في غمرة الأجواء التنافسية التي تم شحن أبناءنا بها ؛نسينا أن نشرح لهم الهدف الأول من الدراسة بالمدارس ثم الذهاب الى الجامعة ثم الزواج وفكرة الأسرة والعمل والإنتاج.. الخ …
هذا الحال البائس يصف لنا نوعية من البشر وضعت عقولها جانبا ، وصارت تسلك سلوكيات بلا منطق …
أقول هذا وفي ذهني حديث المفكر الجزائري محمد أركون حول الفترة الذهبية للفكر الإسلامي التي ما بين القرن الثامن والتاسع حينما كان لدينا قضاة يشٌرعون بحرية تامة تحت إمرة رؤساء أو فقهاء المذاهب الأربعة في الإسلام ،مالك بن أنس والشافعي وابن حنبل وأبي حنيفة وكان الجميع يمتلك الحرية المطلقة في البحث والتأويل ؛ بل وسادت التعددية العقائدية تلك الفترة مما سمح بفكر تنويري غير مسبوق ، ولكنه مع الأسف لم يستمر ، وانتقل الفكر الإسلامي شيئا فشيئا الى ابيستمية (نظام فكري) أخرى ترفض التعددية وتتحول الى ابستمية سكولاتية تعتمد على التكرار والاجترار أو كما نقول باللغة الدارجة الحفظ والتلقين ،وبدلا من العودة الى آراء الفقهاء الأربعة اكتفى العالم الاسلامي بالإرث الذي تركه مالك والمالكيون ، واصبحت السلطة العقائدية العليا في يد رؤساء المذاهب فقط فأصبح الامام المؤسس للمذهب هو الذروة العليا للعلم الديني والمشروعية الفقهية له ؛وتحول المؤمنون الى الاعتقاد بأن الإمام المؤسس يفعل كل شئ ويخترع كل شئ ولا حاجة بعده للإجتهاد ولا حاجة  للمسلم في هذه الحالة إلى اجهاد عقله ،ولم تعد الأجيال التالية من المسلمين تشعر بالحاجة إلى إعادة قراءة القرآن بأنفسهم واستنتاج شئ جديد أو أكثر ابتكارية وجدية مما استنتجه إمام المذهب وأُغلق باب الاجتهاد …كان هذا وصف أركون لعملية التحول من الابستمية المعرفية في العصرالإسلامي الذهبي كما كان يحلو له وصفه (القرن الثامن والتاسع ) وتحوله الى عصر الانحطاط الذي مازلنا نحياها حتى الآن!!

(محمد أركون :التشكيل البشري للإسلام ،ترجمة هاشم صالح ،المركز الثقافي العربي ،بيروت ، 2011،ص70 و71)

وبدوري أتحول إلى تعليمنا ومدارسنا وجامعاتنا ونظمنا الإجتماعية لأتساءل عن أي عقول صنعنا ؟!
مع الأسف ما أتوصل اليه من نتائج هو أننا لم نصنع عقول ولكن صنعنا أجساد ،صنعنا طاقات استهلاكية وليست منتجة !
لقد أسأنا إلى الأجيال القادمة بتخلينا نحن الأجيال السابقة عن إطلاق عقولنا للتفكير النقدي البناء ، ساعدنا ابنائنا على إيقاف عمل عقولهم والتحول الى القطيعة المعرفية الطويلة مع العقل ؟
فالتلميذ المتساءل هو (يتفزلك)، والفضولي (غلس) والمتحدث (ثرثار)هكذا أوصاف يوزعها المدرسين ؛ ثم بالمنزل يأتينا صوت الأم للإلحاح على الانتهاء من الواجبات المدرسية لتجنب توبيخ المعلم أو لتجنب الدرجات السيئة ، سباق يجري فيه الأب والأم والأبناء والمدرسة سباق لتجنيب الطفل إعمال عقله وإجهاده في ما لا طائل له منه ، “ذاكر هذه الوريقات فسوف يأتي فيها الامتحان “…. وهكذا تتحول المسألة التعليمية من عملية تربوية ذات أهداف سامية إلى لعبة سخيفة جوفاء خالية من كل ما يساعد على الابتكار وتذوق الحياة بحلوها ومرها ، تحولت إلى لعبة يمارسها الجميع بلا هدف اللهم إلا شهادة لا تُسمن ولا تُغني …
ولكي نبدأ تصحيح أوضاعنا الفكرية والثقافية والعلمية والإجتماعية علينا فقط أن نعود الى إعمال العقل فنقوم كما قام الكوميدي اسماعيل يس حينما عثر على المصباح السحري (بفركه بأيدينا ) حتي يستعيد نشاطه ويقوم من ثباته العميق ويبدأ في العمل …

*****************

*باحثة وكاتبة من مصر

شاهد أيضاً

محمد ناجى المنشاوى*يكتب قراءة نقدية لديوان تفاصيل حلم ما كملش

  بين الفقد والفضح والنبوءة دراسة نقدية لديوان تفاصيل حلم ما كملش     فى ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *