الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.عبد الله سليمان *يكتب:أنت وذاتك والحب
د.عبد الله سليمان

د.عبد الله سليمان *يكتب:أنت وذاتك والحب

 

فكرت أن يكون عنوان هذا المقال: “الطفل: الذات والحب”؛ لكني وجدت وأنا أصوغه أنه ينطبق على سلوك الإنسان في جميع مراحل حياته؛ ولذلك جاء العنوان: أنت وذاتك والحب.

وقد استوحيت هذا المقال من مقالي الذي نشر في مجلة الثقافة العربية(م2، ع4، إبريل 1974، ص96-98)، وإن كانت المجلة قد حذفت مقدمته التي جاءت في شكل حوار قالت فيه ابنتي التي لم تكمل الثامنة من عمرها آنذاك:

  • تعرف يابابا.. أنا ماكنتش عارفة أنا مين
  • وبعدين عرفت اسمي إيه.. عرفت أنا مين.. عرفت إن اسمي أمل.. وصاحبت نفسي
  • وصاحبت نفسك؟
  • طبعا صاحبت نفسي

في ذلك الوقت لم أتوقف قليلا عند عبارة: “وصاحبت نفسي”، وتحدثت عن صداقة النفس وصداقة الآخر وصداقة الطبيعة، وأوضحت أن صداقة النفس هي: ” صمام الأمن في حياة الإنسان، وهي منبع البهجة ومصدر الخصب والنمو”.

وبالرغم من أن هذا تعبير شاعري يمتع القارىء، إلا أنه قد يثير الدهشة في ذهن البعض، ويجعله يتساءل: ما صداقة النفس، بل ما النفس؟

للنفس تعريفات عدة، وهناك تعبيرات عدة تقاربها في المعنى، ومن المهم دراسة هذه التعريفات، ومعرفة هذه التعبيرات؛ وذلك حتى تعرف ما هي نفس الإنسان، وكيف تتعامل معها.

في اللغة اليونانية يُعبر عن النفس بكلمة Psyche. وفي الميثولوجيا اليونانية نجد أن هذه الكلمة تعبر عن أميرة جميلة أصبحت خالدة بناء على طلب مُحبها الإله إيروس ابن أفروديت. وتقابل النفس الأنا في التفكير الفرويدي، خاصة الجانب الشعوري، وتشير إلى الظواهر السيكولوجية والعمليات التي ترتبط باتجاهات الفرد وقيمه وانشغالاته، وإدراكه لخصائص الغير وتقييمه لها، وإدراكه للواقع وحل المشكلات، والتعامل مع المتطلبات الغريزية كاندفاعات الهو.

ولأن النفس لها مقابلات عدة، وتستخدم بمعان مختلفة يعدها النفسانيون “تكوينا فرضيا”، أي كيانا مفترضا، وإن كان ليس له واقع ملموس يمكن الإشارة إليه، أو كل معقد له مظاهر عدة.

وقد عد النفساني كارل روجرز في البداية الذات Self مفهوما غامضا تخلى عنه علم النفس بذهاب الاستبطان(منهج اعتبار تفكير الفرد الداخلي) أساس فهم الظواهر. لكن روجرز وجد في ممارسته للعلاج النفسي أن عملاءه يتحدثون عن الذات أو النفس في تعبيرات مثل: “إني أتساءل من أنا”، أو “إني أشعر أني لست ذاتي الحقيقية”، أو “إني لا أريد أن يعرف أحد ذاتي الحقيقية”، أو “لم يكن لدي الفرصة أن أكون ذاتي الحقيقية”، أو “إني لا أريد أن يعرف أحد  ذاتي الحقيقية”، أو “إنه شعور طيب أن أدع نفسي على سجيتها”، أو “إذا تخلصت من كل الأقنعة التي تغلف ذاتي؛ فسأجد أن لدي نفسا قوية تماما”.

وقد كشفت هذه التعبيرات لكارل روجرز أن النفس أو الذات هي عنصر مهم في خبرة هؤلاء العملاء، وأنه بمعنى ما؛ فإن هدف العميل أن يصبح ذاته الحقيقية.

ويعرّف روجرز الذات في إطار مجموعة من المصطلحات هي: الذات، مفهوم الذات، بنية الذات؛ بوصفها تشير إلى كل متصور، متسق، ومنظم، يتكون من إدراكات ما يتصل بالـ “أنا I”، “وذاتي me”، وعلاقة الأنا وذاتي بالآخرين وبالمظاهر المختلفة للحياة، والتي تتاح للوعي، بالرغم من أنها قد لا تكون بالضرورة في مجال الوعي.

ويتميز هذا الكل بأنه عملية منسابة ومتغيرة، ولكن في أي لحظة هو كيان خاص يمكن تعريفه على الأقل جزئيا بعبارات إجرائية ومعالجتها إحصائيا(علميا). ويوضح روجرز أن مصطلحات الذات ومفهوم الذات (فكرة الإنسان عن نفسه) تستخدم حينما نتحدث عن نظرة الإنسان عن نفسه. أما مصطلح بينة الذات فيستخدم حينما ننظر للإنسان من إطار خارجي.

وتكشف جلسات العلاج النفسي أن مفهوم الذات يخضع للتذبذب، فقد يعبر عميل عن شعوره الإيجابي وثقته في نفسه في إحدى جلسات العلاج، لكنه قد يأتي بعد أيام قليلة ليقول أنه كان حسن الظن بنفسه، لكن ذلك كان خداعا وعدم نضج، إذ هو الآن يرى أنه غير كفء ولا يستحق أن يعيش في هذه الحياة، وهنا التغير العكسي قد يكون نتيجة إحباط أو فشل في موقف معين، ويمكن لاضطراب التوازن السابق أن يعود إلى الاتزان في المقابلة التالية. من هنا نجد أن نفس الإنسان أو ذاته قابلة للتغير، وأن تغير مظهر محدود من مظاهر الذات يمكن أن يعمل على تغير الذات كلها.

كيف يتعامل الإنسان مع ذاته؟ يقدم لنا التحليليون نظرية تفيد في الإجابة عن هذا السؤال، إذ هم يرون أن لنفس الإنسان أو ذاته أو أناه مظهرين أولهما: الذات العاملة التي تعمل وتنفعل وتفكر وتخطط وتحكم، أي التي تعيش الخبرة. والثاني: هو الذات الملاحظة التي تلاحظ سلوك الذات العاملة وتحلله وتنقده وتعمل على تعديله، وكذلك تلاحظ سلوك الآخرين.

ولمساعدة الإنسان في التعامل مع ذاته، وتفعيل ذاته الملاحظة يجب على القائمين على تنشئته(وخاصة الطفل) أن يساعدوه على تفعيل ذاته الملاحظة حتى تعمل بشكل موضوعي وإبراز الخصائص الإيجابية في سلوكه، فمثل هذه الخصائص هي التي ستجعله يصادق نفسه ويأنس إليها ويشعر بالأمن والبهجة في التعامل معها.

وماذا عن الحب والذات؟ أليست الصداقة نوعا من الحب؟ ومن ثم يكون حب النفس.

وحب النفس هو غير الأنانية التي ترفضها كثير من الفلسفات الدينية، بل إن إريك فروم يؤكد أن الإنسان إذا لم يستطع أن يحب نفسه؛ فإنه لن يستطيع أن يحب إنسانا آخر.

والطفل يحتاج إلى أن يُحِب ويُحَب، ومن ثم فإن من مهام التنشئة الاجتماعية أن تساعده على تحقيق ذلك، ويكون ذلك بمساعدته على تفعيل الأنا الملاحظ وتأكيد الجوانب الإيجابية فيه ( بجانب التفكير والمشاعر والآداء)، ويشار إلى مثل هذا الآداء ب” تقدير الذات”؛ ذلك أنه حين يشعر الطفل بـ” تقدير ذاته” تصدر أفعاله متسقة مع المبادىء والقيم الإيجابية التي تعمل على تقدم الحياة إلى الأمام في سبيل خير الإنسان والآخرين، ومن ثم يكون تحقيق ذات الطفل حقا من حقوقه يجب العمل على تحقيقها؛ حتى تصير الحياة حبا.

*****************

*أستاذ علم النفس الإرشادي-جامعة القاهرة

شاهد أيضاً

صفاء عبد السلام* / برجاء تضييع الثقة

إن الثقة المطلقة في خبرات الآخرين وثقافاتهم ومعارفهم وامكانياتهم الخارقة للعادة تعد من الموروثات التي ...