الرئيسية / أخبار ثقافيه / د.علي القاسمي*يكتب :حياتي بين التسيير والتخيير

د.علي القاسمي*يكتب :حياتي بين التسيير والتخيير

 

 في ختام الندوة العلمية الدولية التي أقامتها جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء بعنوان ” إنسانية الأدب واللغة : قراءات في أعمال العلّامة الدكتور علي القاسمي”، وشارك فيها أكثر من أربعين باحثاً من أساتذة الجامعات في المغرب والمشرق ..قدم د. علي القاسمي هذه الكلمة حول حياته :

واجهَ الفكر الإسلامي في القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي مشكلة عويصة تتمثل في السؤال الذي طرحه علماء الكلام، وهو: “هل الإنسان مسيّرٌ أم مخيّرٌ في أفعاله؟” . وأدت هذه القضية إلى انقسامات في صفوف العلماء، وظهور فرق كلامية ومذهبية عديدة؛ واستمرت ملتهبة حتى القرن الخامس الهجري حينما أخذ علم الكلام يقترب من الفلسفة ويندمج فيها.
ويكمن الإشكال في أنه إذا كان الإنسان لا خيار له في اتخاذ قراراته لأنه مسيّر، فإن حسابه وعقابه عن أفعاله السيئة في الآخرة، ظلم، والله منبع العدل ﴿ مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ ( سورة فصلت: 46)
وإذا قلنا إن الإنسان مسؤول عن أفعاله لأنه مخيّر وحرّ الإرادة، فإننا سننفي القدرة الألهية في تسيير الكون، وسنناقض أحد أركان الإيمان ،”الإيمان بالقدر خيره وشره” الذي يعني أن كل ما دخل في الوجود من خير و شر هو بتقدير الله الأزلي.
وقد حاول بعض أئمة المسلمين أن يسلك مسلكاً وسطاً في هذه القضية الشائكة فقال: ” الإنسان مخير في إطار مسيّر”.
وانقسم المثقفون بين أصحاب التخيير وأصحاب التسيير، فالشاعر الفلسفي أبو العلاء المعري (363 ـ 449 هـ/ 973 ـ 1057م) يقول:
ما باختياري ميلادي ولا هرمي ولاحياتي، فهل لي بعد تخييرُ؟
ولا إقامةَ إلا عن يدَي قدرٍ ولا مَسيرَ إذا لم يقضِ تسييرُ
وظلت هذه المسألة محيّرة حقاً للمفكرين والمثقفين طوال العصور التالية، فالشاعر المهجري الحديث إيليا أبو ماضي ( 1889ـ 1957م) حيرته هذه القضية حتى كتب ” الطلاسم” التي مطلعها:
جئتُ لا أعلم من أينَ ولكني أتيتُ
ولقد أبصرتُ أمامي طريقا فمشيتُ
وسأبقى ماشياً إن شئتُ هذا أم أبيتُ
كيفَ جئتُ؟ كيفَ أبصرتُ طريقي ؟
لست أدري!
وقد اعتبر كثيرٌ من معاصري إيليا أبو ماضي أن طلاسمه مشوبة بالشك الأقرب إلى الإلحاد، فعارضوه بقصائد إيمانية تحمل لازمة ” أنا أدري” أو ” إلى مَن ليس يدري” ، كما فعل الشاعر العراقي الأب بولس بهنام (1916 ـ 1969م)، رئيس أساقفة الموصل للسريان الأرثودوكس، في قصيدته ” أنا أدري” التي مطلعها:
ـ انا في الدنيا، وأدري كيـفَ للدنيا أتيتُ
قد رأيـتُ الـدربَ قدامي ضياءً فمشيتُ
وسأبقى ماشياً في النورِ، هذا ما رأيتُ
أنا أبصرتُ بعينِ العقلِ والقلبِ طريقي
أنا أدري
ومن الحوزة العلمية في الجف، رد على إيليا ابو ماضي، الإمامُ المجاهد الشيخ محمد الجواد الجزائري ( ت 1959) بكتاب شعري كامل عنوانه ” حل الطلاسم”، ولازمته ” أنا أدري”، ويبدأ كتابه بحمد الله طبقاً لقواعد الكتابة الإسلامية التراثية:
أحمـــدُ الله وحـــــقٌ أنني أحمد ربي
أنا في جوهري الفقر إليه وهو حسبي
أنا في الكون، ولكن أنا سارْ وهو دربي
وكلانا فيضه والفيض فضـــلُ
أنا أدري

كما رد على الطلاسم مقطعاً مقطعاً، الشيخُ عبد الحميد السماوي ( ت 1964) من الحوزة العلمية في النجف بقصيدة لازمتها ” ليس يدري”، ومطلعها:
جئت لا أعلــم إلا أننـــي جئــت لأعلــــــم
فتخطيت بكوني ساحة الكون المطلســـــــم
حيث ساد الصمتُ لولا وحي عجماء لأعجم
حيث لا هامس إلا وهو مثلي
ليس يدري!

وثمة قصائد كثيرة أخرى حاولت إعطاء إجابات مقنعة لهذه المسألة العويصة.
ويخبرنا التاريخ أن هذه القضية كانت مدار نظر المفكرين والمثقفين في مختلف العصور. ففي حوارات الفيلسوف الإغريقي سقراط ( 469 ـ 399 ق.م.) التي حفظها لنا تلميذاه إفلاطون (427ـ347 ق.م.) وزينفون ( 430ـ 354 ق.م.)، ثمة حوار جرى بين سقراط وأيوثيفرو خارج المحكمة التي قضت على سقراط بالموت سماً بتهمة إفساده عقول الشباب، طرح سقراط السؤال: ” هل تختار الألهة الإنسان لأنه صالح، أما تختاره لأنها جعلته صالحاً؟”. وهذا السؤال قريب من قضية التخيير والتسيير.
وفي الفكر الديني اليهودي، يعدُّ الاختيار ركناً أساسياً من أركان العلاقة بين الإنسان وخالقه، طبقاً للتوراة، أما التلمود الذي هو شروح الأحبار على التوراة، ففيه نصوص تتراوح بين تفضيل الجبر وبين القول بالاختيار. وقد تأثرت الفلسفة اليهودية في العصر الوسيط بعلم الكلام الإسلامي في هذه القضية. فقد خص الفيلسوف الرئيس موسى بن ميمون القرطبي (1135 ـ 1204م) الذي تلقى تعليمه العالي في جامعة القرويين بفاس، وأصبح طبيب الأمير صلاح الدين الإيوبي محرر القدس من استعمار الصليبيين فيما بعد، خص هذه المسألة بدراسة مطوله في كتابه ” دلالة الحائرين” الذي ألّفه باللغة العربية، جمع فيه آراء الأحبار المتباينة، ورأى أن اختيار الإنسان يخضع لتأثيرات إلاهية وطبيعية واتفاقية.
أما في الفكر المسيحي، فتطُرح المسألة انطلاقاً من سِفر التكوين عندما اختار آدم أن يأكل من الشجرة المحرمة، وعندما أقدم قابيل على قتل أخيه هابيل. وتختلف مواقف رجال الدين المسيحي من مسألة التخيير والتسيير على الرغم من انطلاقهم من نص واحد.
بيدَ أن الذي واجه هذه المعضلة ودرسها بكثير من التفصيل، هو المفكر الديني الذي تسميه المراجع خطأ ” بالنبي ماني الفارسي”( 216 ـ 276؟ م) وتنعَتُه بأنه ” نبي الخير والشر ” أو ” نبي النور والعتمة ” ، كما ورد في الموسوعة البريطانية، وموسوعة ويكيبيديا، ومعجم ” المورد” وغيرها، وانتشرت ديانتُه في الشرق الأوسط وجنوب شرقي آسيا قرون طويلة.
يكمن خطأ المراجع المختلفة في أن اسم هذا المفكر الديني ليس ماني ولم يكُن فارسياً. فاسمه الصحيح هو ” مانع بن فاتك “، وهو عربي قُح من أهل بابل في العراق وكانت لغة العراق الثقافية هي السريانية، إحدى اللغات الجزيرية العروبية. واسمه واسم أبيه ما يزالان، إلى وقتنا الحاضر، شائعين في شبه الجزيرة العربية، كما في اسم الشاعر الإماراتي المعاصر (مانع العتيبة)، واسم الشاعر العُماني المعاصر (فاتك بن فهر آل سعيد).
ويعود الخطأ إلى أن العراق كان تحت حكم الإمبراطورية الفارسية منذ سنة 539 ق.م حتى حرّره المسلمون في معركة القادسية سنة 15 هـ/ 636م التي قُتل فيها قائد جيوش الإمبراطورية الفارسية رستم فرخزاد. وفي فترة الاحتلال الفارسي للعراق، كان الصراع قائماً بين الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية. وكان من عادة ملوك هاتين الأمبراطوريتين اصطحاب أشهر المفكرين الدينيين الوطنيين في غزواتهما، إجلالا منهم للعلم والعلماء وتشجيعاً للمحاربين من الدهماء، فكان على الملك الساساني الفارسي سابور الأول (ثاني ملوك الإمبراطورية الساسانية الذي حكمَ من حوالي 240 ـ 270 م) أن يصطحب أكبر المفكرين الدينيين في إمبراطوريته، مانع بن فاتك، في حملاته العسكرية. فزعم بعض الفرس أن ذلك النبي تجري في عروقه دماء ملكية فارسية من جهة أمه، ولفظوا اسمه بالفارسية (ماني) لعدم وجود الصوت /ع / باللغة الفارسية.
ولم يقتصر الخطأ على اسمه وجنسيته فحسب، بل امتد كذلك إلى جوهر فلسفته التي زعموا أنها تدور حول الصراع بين إله الخير وإله الشر أو بين إله النور وإله العتمة. في الحقيقة، أراد مانع بن فاتك أن يعرف من أين يأتى الإنسان إلى هذه الدنيا، وإلى أين يذهب عندما يرحل عنها. فتوصَّل إلى أن روح الإنسان كانت، في الأصل، في عالم روحاني نوراني، وعندما يولد الإنسان في الدنيا، تمتزج روحه بجسدٍ مادي مظلم، وهذا الأمتزاج بين مادتيْن متنافرتيْن يسبِّب له كثيراً من التعاسة والقلق؛ وعندما يموت تتخلّص الروح من هذه الثنائية المقيتة، وتعود إلى عالم الأرواح النوراني السعيد. ولهذا دعا هذا المفكّر، في بعض مراحل حياته، إلى عدم الزواج لوضع حد لشقاء الأولاد والأحفاد في الدنيا. ونجد صدًى لهذه الفكرة في شعر المعرّي حين أنشد بيتاً ، يُقال إنه طلبَ أن يُكتَب على شاهد قبره:
هذا جناه أبي عليّ ولم أجنِهِ على أحدِ

ليس لي فضلٌ مطلقاً في تصحيح أخطاء المَراجع في موضوع ” النبي ماني الفارسي”، بل يعود الفضل كله للروائي اللبناني القدير أمين معلوف عضو الأكاديمية الفرنسية، الذي أصدر رواية كاملة بعنون Les Jardins de Lumière (1991) ” حدائق النور”، كرَّسها لحياة مانع بن فاتك.
الغاية من طرح قضية التخيير والتسيير هي الوصول إلى القول بإنني منذ طفولتي، كنتُ مؤمناً بالقدر خيره وشره. وقد أسلستُ القياد للقدر يقودني حيث يشاء، فكان قدراً رحيماً رؤوفاً جميلاً، أحسنَ إليّ كثيراً، بحيث أستطيع أن أصفَ نفسي بأنني حليف القدر، أو القدر الكريم حليفي لا يفارقني.
فبعد تجوال في الجامعات شرقاً وغرباً، حصلتُ صيف سنة 1972 على دكتوراه الفلسفة من جامعة تكساس في أوستن متخصصاً في اللسانيات التطبيقية ( المعجمية والمصطلحية) بإشراف الدكتور آرتشبولد أي هيل، A.A.Hill ، رئيس الجمعية اللغوية الأمريكية آنذاك ورأس المدرسة اللغوية البنيوية، وكان عمري ثلاثين عاماً. وبعد التخرّج مباشرة أُصبتُ بما يُصطلح عليه بـ ” الحنين إلى الوطن”. ولكن هذا المصطلح العربي ليس دقيقاً، لأنه عندما يشتد هذا الحنين إلى الوطن تصاحبه حمى وصداع وأحياناً دوار وغثيان، فهو مرضٌ وليس مجرد حنين نفسي. ولهذا فإن المقابلين الإنجليزي والفرنسي لهذا المصطلح أكثر دقة لأنهما يشتملان على كلمة “مرض” Home sickness و Mal du pays . ولعل عدم دقة المصطلح العربي راجعة إلى الرغبة في التخفيف على المريض وبث الأمل نفسه، كما في مصطلح ” بصير” الذي يُطلق على الأعمى.
ولكي أشفى، كان لا بدّ أن لي أعود إلى العراق. ولكن خالة ابني، الدكتورة سعاد خليل إسماعيل البستاني، التي كانت وزيرة التعليم العالي بحكومة اللواء حسن البكر آنذاك، كتبتْ إليّ تنصحني بإلحاح بعدم العودة إلى العراق، الذي كان تحت حكم شمولي، وسبق لي أن نددتُ به. كان في إمكاني العملُ في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد كنتُ مساعد أستاذ في الجامعة، بيد أن ذلك لا يشفيني. ولتخفيف أعراض مرضي، كان عليَّ أن أبحث عن بلد عربي أعمل فيه. ومن حُسن قدري أنني استُقدِمتُ أستاذاً زائراً في كلية الأداب والعلوم الإنسانية في جامعة محمد الخامس بالرباط للعام الدراسي 1972 ـ 1973.
وفي المغرب العزيز حصل لي أمران:
الأول، أنني وقعتُ في حب المغرب، وهذا مبعث سعادتي؛ لأنك لكي تكون سعيداً في حياتك، ينبغي أن تحبَّ المكان الذي تعيش فيه، وتحبَّ الناس الذين تسكن معهم، وتحب عملك والذين تعمل معهم، وتفكر بصورة إيجابية. ولستُ الوحيد الذي وقع في حب المغرب، فجميع مَن زار هذا البلد الأمين، أغرم به بفضل كرم أهله، وجمال طبيعته، وأصالة حضارته وغناها. ( وهذه الندوة الفاخرة دليل على كرم المغاربة ولطف أخلاقهم). ولكن عليّ أن أعترف بأن مرض الحنين إلى العراق ينتابني بين آن وآخرى، خاصة بعد رحيل أخي المغربي المرحوم الأستاذ محمد أبو طالب.
الثاني، في خطابه في حفل تسليم شهادات الدكتوراه، قال لنا رئيس جامعة تكساس، ما معناه، إن هذه الورقة التي أسلّمها لكم لا تعني أكثر من أنكم قادرون على القراءة والبحث، قابلون للتعلُّم. فوجدتُ المغرب مكاناً رائعاً للتعلُّم، وتعلّمتُ فيه ومنه ومن رجالاته ما لم اتعلمه في الجامعات التي درستُ فيها. فجميع الأساتذة الكرام المشاركين في هذه الندوة هم من شيوخي غير المباشرين فقد قرأتُ شيئاً من مؤلّفاتهم، وتعلَّمت منهم الكثير.
ساقني قدري اللطيف أن أتتلمذ مباشرة على علميْن من أعلام المغرب هما العلامة المرحوم عبد العزيز بنعبدالله ( 1923 ـ 2012) الذي كان مديري في مكتب تنسيق التعريب أربع سنوات، والدكتور العلامة المرحوم عبد الهادي بوطالب ( 1923 ـ 2009 ) الذي كان مديري العام في المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة قرابة عشر سنوات، وكان يعاملني كولده، ويصطحبني في معظم رحلات العمل في آسيا وإفريقيا وأوربا. فنهلتُ من علمه الغزير، وارتويت من خبراته الثرة، واكتسبتُ بعض مبادئه الخُلقية. وخلاصة القول إن جميع ما أعرفه هو بفضل المغرب العزيز.
كان المرحوم العلامة عبد العزيز بنعبدالله، هو وأحد أصدقائه، الأديب اللساني المترجم العراقي السفير المرحوم عبد الحق فاضل (1911ـ 1992)، عمُّ المعمارية العالمية المشهورة زها حديد، ومبتكِر مصطلح ” التأثيل”، وصاحب كتاب ” دخيل أم أثيل” الذي صدر في عمّان هذا الشهر، كانا ينشران خلال الستينيات والسبعينيات، دراساتٍ تأثيليةً، في مجلة “اللسان العربي” التي أسسها العلامة بنعبدالله، تزعم أن اللغة العربية هي أمُّ اللغات في العالم، في وقت كان المستشرقون ـ خاصة اليهود منهم ـ ينشرون دراسات تزعم أن العبرية هي أمُّ اللغات العالمية. وكانت أدلة الطرفين مستقاةً من اللسانيات والتاريخ. وكنتُ أدرس بعض تلك البحوث التأثيلية، ولكني وقفتُ موقف الشك منها ،لأنه كان يعوزها الدليل العلمي الموضوعي، فقد كانت تستند في مجملها إلى افتراضات لسانية معقولة. كان المرحوم عبد العزيز بنعبدالله، مثلاً، يقول : أعطني أية كلمة بأية لغة شئت وأخبرني بمعناها، وسأعطيك نظيرها العربي بالمعنى نفسه وبالأصوات الرئيسة ذاتها. في دخيلة نفسي، كنتُ أشك في أن ذلك نوعاً من “التأثيل الشعبي” Folk etymology, Ėtymologie populaire يقوم على إتقان المرحوم بنعبدالله اللغة العربية ومعجمها، ولم يقلِّل ذلك الشكُّ من احترامي ومحبتي له، بل ازددتُ إعجاباً بتمكّنه المُذهل من اللغة العربية. إن التأثيل العلمي يستند إلى أركان علم اللغة المقارن الأربعة: الصوتيات والصرف والنحو والمعجم. أما التشابه المجرد بين الألفاظ فقد يعود إلى المصادفة المحضة.
وذات يوم ساقني قدري السعيد، إلى الاطلاع مصادفة على نتائج بحث علمي اضطلعت به جامعتا ليدز البريطانية وبورتو البرتغالية للإجابة على السؤال: هل البشرية من سلالة واحدة أم من سلالات متعددة؟ ومعروف أن عدداً من العلماء الأوربيين والأمريكيين زعموا خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين أن البشرية نشأت من ثلاث سلالات مختلفة: البيضاء في أوربا، والسوداء في إفريقيا، والصفراء في آسيا، وأن السلالة البيضاء هي أرقاها وأذكاها، فهي مؤهلة لتمدين بقية السلالات وتطويرها. وهذه هي الذريعة العلمية للاستعمارالأوربي وللتمييز العنصري في أمريكا.
ولكن البحث الذي أجرته الجامعتان البريطانية والبرتغالية ودام عشر سنوات واستخدم كلَّ الوسائل العلمية الحديثة مثل تحليل الخلايا والدم والدنا والجينات، أثبت أن البشرية انحدرت من سلالة واحدة نشأت وترعرعت جنوبي شبه جزيرة العرب ( اليمن) حيث خُلق أول إنسان عاقل Homo sapiens. وبعد ملايين السنين وقبل حوالي 70.000 سنة قامت هجرات بشرية من جنوبي جزيرة العرب منطلقة مما يسمى اليوم بعُمان، بحراً إلى آسيا، وبراً إلى أوربا عن طريق شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وسكنت أصقاع الأرض المختلفة.
لقد نُشِرت خلاصة نتائج هذا البحث في ” المجلة الأمريكية للجينات البشرية ” American Journal of Human Genetics في عددها الصادر في شهر شباط/ فبراير 2012. كما نشرت مجلة ” لو بوان ” Le Point الفرنسية في عددها الصادر في نفس الشهر والسنة، مقالاً عن هذا البحث لأحد العلماء بعنوان ” نحن جميعاً عرب” Nous sommes tous des arabes( يمكن للقارئ الكريم الاطلاع على البحثين بالهاتف المتصل بالشابكة).
ونتائج هذا البحث العلمي تتفق مع الرواية الدينية القائلة إن الله خلق آدم وعلَّمه اللغة في جنة عدن. وأكثر من ذلك فإن نبينا سيدنا محمد (ص) خطب في حجة الوداع قائلاً:
“يا أيها الناس: إن ربكم واحد، و إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي و لا عجمي على عربي، و لا لأحمر على أسود و لا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”، ألا هل بلغت ؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: فليبلغ الشاهد الغائب”
وإذا كانت الجامعتان الأوربيتان قد توصلتا إلى تلك الحقيقة بالتجارب العلمية المختبرية، فإن الرسول الأكرم (ص) أدركها بالإلهام الإلهي، لأن أنواع المعرفة ثلاثة: المعرفة العقلية المنطقية، والمعرفة المختبرية العلمية، والمعرفة الإلهامية التي يسميها المتصوفة بالمعرفة القلبية أو اللدنية. ومن أمثلة هذه المعرفة القلبية الكشف الذي توصّل إليه القطب الصوفي محيي الدين بن عربي ( 1165 ـ 1240م) عن طبيعة الصوت وذكره في كتابه ” الفتوحات المكية” : إن أصواتنا لا تموت بل تبقى معلقّة في الهواء. وهذه المعلومة توصل إليها الأمريكان في القرن الميلادي العشرين مختبرياً واستخدموها لأغراض استخباراتية، فهم لا يحتاجون إلى التنصت على الهاتف، بل يلتقطون المحادثة من الهواء.
ومن نتائج هذا البحث العلمي الذي أجرته جامعتا ليدز وبورتو أن جميع اللغات في المعمورة يعود أصلها إلى اللغة الأم الأولى في جنوبي شبه جزيرة العرب ” اللغة العربية الأم”. ومعروف أن انتقال اللسان وتغيُّره هو من انتقال الإنسان وتأثيرات الجغرافية الثقافية. ولهذا فإن شيخنا المرحوم عبد العزيز بنعبدالله وصديقه العراقي المرمحوم عبد الحق فاضل كانا على حق في قولهم إن العربية هي أصل اللغات، وينطب ذلكن على القائلين بأن العبرية أو السريانية أو الأمازيغية هي أصل اللغات في العالم، لأن هذه اللغات هي لغات جزيرية نشأت وترعرعت في شبة جزيرة العرب وتعود إلى أم واحدة هي العربية الأولى.
وكانت علاقتي بشيخي المرحوم الدكتور عبد الهادي بوطالب، الزعيم الوطني المغربي المعروف، أطول وأوثق. فحتى عندما انتهت مهمته في المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو )، واظبتُ على التشرُّف بالجلوس بين يديه في منزله بالدار البيضاء كل يوم أربعاء بعد تناول الغداء معه لمواصلة التعلّم منه. أذكر أنني ذات مرة عرضتُ عليه مسودة كتابي ” حقوق الإنسان بين الشريعة الإسلامية والإعلان العالمي”، لإبداء توجيهاته. اطلع عليه وقال: ينقص هذا الكتاب موضوع تطور مفهوم حقوق الإنسان في الأديان والمعتقدات السابقة قبل الإسلام، ليكون الكتاب متكاملاً. فرجوته أن يتكرَّم بكتابة مقدمة للكتاب تغطّي النقص، ففعل. ونُشِرهذا الكتاب في الرباط ثم القاهرة وهو مزدان بمقدمة المرحوم بوطالب الرائعة.
وخلاصة القول إن تجربتي في الحياة دلّتني على أن ما حصل لي ــ فيما يتعلق بالمكان الذي أقيم فيه، أو الوظائف التي تقلّدتها، أو الأشخاص الذين عملتُ معهم وتعلَّمتُ منهم، أو حتى الكتب والقصص التي قرأتها أو كتبتها أو ترجمتها ـــ لم يكن باختياري بل تحكّمت فيه مصادفات جميلة أسميها قدري الرؤوف. وقد تعزز اقتناعي هذا بكتابيْن ترجمتُهما مؤخراً:
الكتاب الأول، أتى به ضيف من أمريكا هدية لي وهو رواية عنوانها ” أحلام آينشتاين” للأمريكي ” ألَن لايتمَن”، أستاذ الفيزياء النظرية في جامعة أم. آي. تي الأمريكية، وأستاذ الشعر والإبداع الأدبي في الجامعة ذاتها في الوقت نفسه، فهو عالم فيزيائيٌّ شاعر قصاص روائي. وروايته ” أحلام أنشتاين ” التي تُرجمت إلى أكثر من ثلاثين لغةً، تتألَّف من قصص قصيرة كُتبت بإسلوب شاعري، وتتصل ببعضها بشكل هندسي جميل لتكوِّن روايةً رائعة ألهمت كثيراً من الفنانين والموسيقيين والرسامين والمبدعين. وتتناول هذه الرواية طرفاً من حياة ألبرت آينشتاين ( 1879ـ 1955)، وتبسّط محاورَ من نظريته النسبية الشهيرة . قرأتُ الرواية فأخذتْ بمجامع إعجابي ونالت عظيم تقديري، فقررتُ ترجمتها.
كانت ترجمة تلك الرواية إلى العربية تتطلَّب مني أن أُهيئ نفسي وروحي وعقلي لترجمتها. قمتُ أولاً بقراءة سيرة آينشتاين، كما سطّرها كاتب سير المشاهير والتر اسحاقسون في كتابه الضخم Einstein: His Life and Universe (2007)” آينشتاين : حياته وعالمه” أو بترجمة أدق ” آينشتاين: حياته وكونه” الذي يقع في 850 صفحة، والذي أهدته إليّ الصديقة الأمريكية مورين كريسك. وهذه السيدة شاعرة مرموقة في الولايات المتحدة الأمريكية وأخوها، إدوارد ميكوس، شاعر مرموق كذلك وناشط في جمعية ” شعراء ضد الحرب” ناضل ضدّ الحرب التي شنّتها الحكومة الأمريكية على العراق، وكلاهما أستاذ جامعي للأدب الأمريكي. جاءت هذه الشاعرة أستاذة باحثة في جامعة محمد الخامس بالرباط لمدة عام واحد، ثم وقعتْ في حبّ المغرب، فاشترت شقةً في الرباط، وأخذت تقسّم سنتها على نصفين: نصف تدرّس الأدب في جامعتها بكاليفورنيا، ونصف تستمتع بحب المغرب وكتابة الشعر في ربوعه.
وفي فترة الاستعداد لترجمة رواية ” أحلام أنشتاين” ، شاهدتُ فيلماً تلفزيونياً عن حياة آينشتاين.
كان عليّ قبل أن أترجم هذه الرواية، أن أكتسب فهماً تقريبيا لخلاصة النظرية النسبية فانكببتُ على دراستها أياماً طويلة. وفهمتُ منها أنها غيّرت كثيراً من المفاهيم العلمية السابقة مثل مفهوم الحركة، فأصبحت كل حركة نسبية، وغيّرت مفهوم الزمان، فأصبح نسبياً يتوقف على سرعة الأجسام وشدّة الجاذبية التي يتحرّك فيها الجسم، وأدمجت هذه النظريةُ الزمانَ والمكانَ فأصبحا شيئاً واحداً تحت اسم ” الزمكان” .
ولكي أهيئ نفسي لترجمة هذه الرواية، أعدت دراسة كتاب ” Brief History of Time ” ” موجز تاريخ الزمان” للعبقري ستيفن هوكنز (1942 ـ 2018)، أستاذ الرياضيات والكونيات في جامعة كيمبردج في بريطانيا الذي بحث في بداية الكون واتساعه ونهايته وما يتخلله من حفر سوداء، ولكنه أصيب بمرض أعصاب غريب تسبب في ضمور عضلاته حتى لم يبق من جسمه عضو يعمل سوى دماغه وإصبع واحد من أصابع يديه، فصنعوا له كرسيا مزوداً بحاسوب يحوّل الحروف التي يرقنها بإصبعه إلى عبارات منطوقة، لكي يتمكّن من إلقاء محاضراته الدورية على أساتذة العلماء. كما شاهدت فيلماً رائعاً عن حياته واكتشافاته.
لم أكن أطمح إلى فهم النظرية النسبية، ففي مقدِّمة كتاب ” آينشتاين: حياته وعالمه”، ذكر المؤلِّف مقولة مفادها أن عدد الذين فهموا النظرية النسبية كاملةً من العلماء المتخصصين لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة [ كان أحدهم تلميذ أنشتاين عالم الفيزياء العراقي الدكتور عبد الجبار عبد الله (1911 ـ 1969) ] . وقرأت نكتة ذات مرة حول لقاء بين آينشتاين وتشارلي شابلن (1889ـ 1977) صاحب الأفلام الصامتة. فقال آينشتاين له:
ـ تتجلى عبقريتك في أنك لم تقل شيئاً وفهمَك الناس.
فرد تشارلي شابلن بقوله:
ـ وأنتَ تتجلى عبقريتك في أنك قلتَ كلَّ شيء ولم يفهمك الناس.
وشاهدتُ فيلماً سينمائياً مستوحى من نظرية أنشتاين يتناول المستقبليين، وهو الفيلم العلمي الأمريكي الشهير Back to the Future”” العودة إلى المستقبل” ( 1985) من قصة لروبرت زميكيس وإخراجه.
كما طالعتُ دراسات نقدية عن الرواية وأسلوب مؤلّفها ، الدكتور ألن لايتمن، وعلمتُ أنه ليس الأول الذي حاول تبسيط النظرية النسبية بالأدب، بل سبقه العالم الروسي الأمريكي جورج كاموف (1904 ـ 1968) صاحب نظرية “الانفجار الكبير” لتفسير نشوء الكواكب، الذي نشر رواية في الأربعينيات بعنوان ” مغامرات السيد هوبكنز” يبسّط فيها بعض معالم النظرية النسبية بأسلوب سردي.
قبل أن أعرض عليكم بعض فرضيات رواية ” أحلام أنشتاين” التي ترجمتُها، أود أن ألفت انتباهكم الكريم إلى بعض تفاسير الآية رقم 12 التي وردت في نهاية سورة الطلاق، فقد جاء في تفسير الطبري (224ـ 310هـ) في كتابه ” جامع البيان في تفسير القرآن”. ما نصه:
سُئل ابن عباس (ر) عن تفسير الآية : ( الله الذي خلق سبع سماوات، ومن الأرض مثلهن ) . فقال ابن عباس : لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم، وكفركم تكذيبكم بها. ثم قال: (ومن الأرض مثلهن): خلق من الأرض مثلهن لما في كل واحدة منهنّ مثل ما في السماوات من الخلق ، وفي كل أرض مثل إبراهيم ونحو ما على الأرض من الخلق، وفي كل سماء إبراهيم..[ ونحو ما على الأرض من الخلق].
وقال ابن كثير ( ت 774) في كتابه ” تفسير القرآن العظيم”، بمثل ذلك في تفسير هذه الآية:
” قال ابن عباس : ” في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدم ونوح كنوح وإبراهيم كإبراهيم وعيسى كعيسى [ ونحو ما على الأرض من الخلق] .
إن من تأويلات الرقم سبعة هو العدد اللامتناهي. فقد كان الرقم سبعة هو رمز الأبدية لدى المصريين القدماء. وتقول المعاجم العربية إن معنى ” سبّعَ الله لك الأجر” أي جعله سبعة أضعاف أو أكثر.
وإذا انتقلنا إلى رواية ” أحلام أنشتاين” التي تبسِّط بعض معالم النظرية النسبية نجد النص القصصي التالي:
” في وسط غرفة فيها كتبٌ على طاولات، يقف شابٌ يعزف على كمانه. إنه يعشق كمانه ويعزف ألحاناً رقيقة. وفيما هو يعزف، يلقي نظرة على الشارع تحته، ويلحظ زوجين قريبين من بعضهما، ينظر إليهما بعينيه السوداويْن…
وفيما هو يعزف، يقف رجل آخر [ في عالم آخر]، مماثل له، في وسط غرفة ويعزف على كمانه. يُلقي الرجل نظرة على الشارع تحته، ويلحظ زوجين قريبين من بعضهما، ينظر إليهما بعينيه السوداويْن … وفيما هو يعزف، يقف رجل ثالث ويعزف على كمانه. في الحقيقة يوجد رجل رابع وخامس، فهناك عدد لا متناه في وسط غرفهم وهم يعزفون على آلات الكمان… فالزمان مثل ضوء بين مرآتين…الزمان يثب جيئة وذهاباً منتجاً عدداً لا متناهٍ من الصور، والألحان، والأفكار…” ( رواية ” أحلام أنشتاين” ترجمة القاسمي، ص 108)
ألا يذكّرنا هذا النص القصصي بتفسير الأية 12 في سورة الطلاق، بالنظرية الحديثة التي يُطلق عليها اسم “العوالم المتوازية” أو بترجمة أدق ” الأكوان المتوازية ” Parallel Univers،Univers parallèles .
وفي جزء آخر من الرواية، يؤكِّد المؤلِّف أنه نظراً لأن ” الزمكان” دائري، يواصل دورانه الأزلي الأبدي، فكل واحد منا يعيد حياة سابقة مرّت به، وحياتنا مثل ردهات متعاقبة ندخلها واحدة بعد الأخرى دون اختيارنا. ومن مظاهر إعادة حياتنا السابقة، أننا نزور، أحياناً، مكاناً لأول مرة، فنشعر بأننا نعرفه من قبل.
وهكذا تؤيد النظرية النسبية الرأي القائل بأننا مسيّرون ولسنا مخيّرين في حياتنا وأفعالنا.

الكتاب الثاني، هو كتاب ” الدماغ الخبيث” لمؤلّفه الأمريكي العراقي الدكتور طالب الخفاجي، الذي درَّس التحليل النفسي في عدد من الجامعات الأمريكية، ومارس التحليل النفسي مدّة من الزمن في عيادته في ولاية مشيغان الأمريكية. كان الدكتور طالب قد ألّف قبل هذا الكتاب أربعة كتب أخرى بالإنجليزية حققت مبيعات عالية. ولأنه صديقي، تجمعنا محبة المغرب حيث يمضي عطله، فقد أهدى إليّ نسخاً من كتبه، واستمتعتُ بقراءتها. ولكن عندما قرأتُ كتابه الخامس، أدهشني وأمتعني بضخامة المعلومات الفكرية والعلمية والتقنية التي حشد فيه. فقد تناول ” العقل ” من وجهة نظر الفلاسفة، وعلماء النفس، والساسة، والإعلاميين، والمعلوماتيين وغيرهم، وتكلّم بعمق عن أنواع العقل: الواعي، واللاشعوري، واللاواعي.
وما دفعني إلى ترجمة هذا الكتاب التي تصدر بالرياض هذا الشهر، هو مناقشته لقضية التسيير والتخيير بمعلومات جديدة. يقرّ المؤلّف بأن ” مقولة الإنسان مخيَّر” أسطورة مفيدة خلقياً وقانونياً، لأنها تجعل الفرد حرّا في اختيار أعماله بقرار يتخذه عقله الواعي بعد تفكير وتدبّر، ولهذا فالإنسان مسؤول عن أفعاله. بيدَ أن المكتشفات الحديثة جعلت من هذه المقولة مجرّد حلمٍ لا صحة له في الواقع. وإليك بيان الأمر:
يتكون العقل الواعي من جميع العمليات العقلية التي ندركها. وكل عملية في حياتنا اليومية يجب أن تمرَّ، من خلال العقل الواعي ثم تُحال على العقل اللاواعي. وعادة لا يحتمل العقل الواعي الخبرات الأليمة فيحيلها على العقل اللاواعي. العقل الواعي هو المسؤول عن التفكير والمنطق الاستدلالي، ويسيطر على مجميع الأفعال التي تنوي القيام بها وأنت واعٍ.
أما العقل اللاواعي فإنه خزان الغرائز البيولوجية، والرغبات الجنسية الملحَّة، والميول العدوانية وجميع الذكريات التي نريد إبعادها عن عقلنا الواعي. ويسيطرُ العقل اللاواعي على جميع الوظائف اللاإرادية في الجسم مثل ضربات القلب، والتنفس، وضغط الدم، وكذلك العادات.
عندما نتعلم سياقة السيارة، مثلاً، نستخدم عقلنا الواعي، فنفكّر في كلِّ خطوة وكل حركة. وبعد بضعة أسابيع، تصبح سياقة السيارة عادة من العادات، ونقوم بها بصورة آلية دون أن نحتاج إلى تفكير، فتُنقل إلى العقل اللاواعي. فالعقل اللاواعي يعالج 11 مليون جُزيئية من المعلومات التي نستقبلها يومياً، ويوجِّه 95 % من القرارات التي نتخذها، ويسيطر على كل أجهزة الجسم وكل خلية فيه.
ونظراً لأن العقل اللاواعي هو خزان الخبرات السيئة الأليمة، بل أكثر من ذلك هنالك العقل اللاواعي الجمعي الذي يخزن الخبرات التي ورثناها من أسلافنا عندما كان الإنسان يعيش في الطبيعة، مثل الخوف من الأفاعي ورد الفعل عند حدوث صخب مفاجئ. وثبت لدى علماء النفس أن معظم الأمراض النفسية كالوسواس القهري وغيره هي بتأثير العقل اللاواعي.
يكشف هذا الكتاب أن التقدُّم في علوم الطب والمعلوميات والحاسوب والأجهزة الطبيبة الألكترونية، ساعد على تحديد مناطق اتخاذ القرار في الدماغ، وتحديد اللحظة التي يُتخذ فيها القرار. وقد وجِد أن جميع قرارات العقل الواعي تُتخَذ بطلب من أجهزة الجسم أو بتوجيه من العقل اللاواعي. وبعبارة أخرى لقد ثبت للمؤلف أن لا شيء يتم باختيارنا بل نحن مسيّرون في جميع أفعالنا.
وهكذا ترسّخ اقتناعي وإيماني بالقدر خيره وشره. وأن قدري شخصياً قدر رحيم كريم ساقني إلى المغرب العزيز، لأتعلم وأنعم بحياة هنيئة مريئة وسط جمال الطبيعة وكرم الأهل. وشعوري هذا من عوامل تمتعي بصحة جيدة وسعادة غامرة. فأنا أؤمن بالأطار المسيَّر للإنسان.
وإذا كان التسيير هو القاعدة التي أتبناها، فإن لكل قاعدة استثناءات، وثمة مقولة فرنسية ” الاستثناء يؤكد القاعدة”. والاستثناء في نظري هو أفعال الشرالتي حرّمها الله ورسُله، لأن الله سبحانه وتعالى لا يسير الإنسان في طريق حرّمه هو.
وبصفتي عراقياً، أضرب مثلاً بأفعال بعض حكّام العراق الذين يزجون بشعوبهم في حروب تضحي بمئات الآلاف من المواطنين وتدمّر الزرع والضرع، وكذلك بسرقات الحكّام لشعوبهم الذين ينهبون موارد البلاد باسم الدين ويحولونها للبنوك الأجنبية، فيتركون المواطنين في عذاب والبلاد في خراب، فهم يتخذون قراراتهم بإرادتهم واختيارهم، وبعد تدبُّر وتفكُّر وتخطيط، وسيلقون عقابهم في الدنيا والآخرة.
أضرب مثلاً أخيراً على رأفة القدر بي. في التسعينيات وفي بداية الألفية الثالثة، أصبتُ بنوبة كتابة القصص القصيرة. وفي خلال سنوات معددودة كتبتُ حوالي سبعةً وسبعين قصة، وصح عزمي على نشرها في كتاب. ولأنني أدرك أن معظم الناشرين في البلاد العربية تجاراً وليسوا أصحاب رسالة ثقافية، سألتُ صديقي الأديب المرحوم عبد السلام البقالي عن الناشر الذي يتعامل معه في المغرب، فدلني على الشريف الحاج القادري صاحب دار الثقافة ( ولقب القادري نسبة إلى القطب الصوفي الشيخ عبد القادر الجيلاني، دفين بغداد)، وهو من رواد الثقافة في المغرب. فذهبتُ إليه، فرحبَ بي أجمل ترحيب وأبدى استعداده لنشر قصصي. وعندما سلمته المخطوطة ، اقترح عليّ أن أقسّم هذه القصص على خمس مجموعات، لينشرها في خمسة كتب صغيرة، لأن القدرة الشرائية لدى الطلاب والمثقفين متدنية، ولا يستطيعون شراء كتاب يتجاوز ثمنه خمسة وعشرين درهماً ( دولارين ونصف تقريبا). ففعلتُ ما أشار به عليّ وقسمت القصص على خمس مجموعات بحسب موضوعات القصص: الطفولة، الغربة، الحب الخائب، الموت وتداعياته، إلخ. فتوهَّم النقاد أن القاسمي قاصاً مقتدراً معطاء له ست مجموعات قصصية وليست واحدة، وأنه يتحكم في موضوعات قصصه وطولها. وهذا من خيالهم الكريم. الحقيقية أنني لا أتحكم في قصصي، لا في هبوها ولا مجراها ولا مرساها؛ واسمحوا لي أن أروي هنا نكتة تتعلق بقصصي والكرم المغربي:
قبل حوالي خمسة وعشرين عاماً تقريباً كنتُ أنوب عن المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) الذي كان في مهمة خارج المغرب العزيز، واستأذنتي الكاتبة أول الصباح في تحويل مهاتفة لامرأة قالت لي إنها حارسة في عمارة يسكن فيها رجل متقاعد وقد توفي الليلة البارحة وهو مقطوع من شجرة لا أهل له، وسألتني الحارسة في مكالمتها الهاتفية : “ألا تريدون دفن زميلكم السابق؟!” اصطحبت عدداً من الموظفين وذهبنا إلى العمارة وقمنا بالمراسيم اللازمة لدفن الميت ونقلناه إلى المسجد حيث تمت الصلاة عليه ثم إلى المقبرة حيث تم الدفن. وعدتُ في آخر النهار متعباً منهكاً مكتئباً إلى منزلي، وبدلاً من أن أنام القيلولة كعادتي، وجدتني، مثل امرأة حامل حان وقت مخاضها، أجلس لأكتب قصة فرضت نفسها عليّ بعنوان ” النهاية ” عن رجل متقاعد سأم الحياة فاتصل بشركةٍ لدفن الموتى فبعثتْ إليه بمندوبها الذي وقَّع عقداً معه لدفن الميت صباح اليوم التالي، وسلمه المتقاعد الثمن المتفق عليه. وعندما سأله المندوب : أين الميت. قال الرجل. خذ مفتاح هذا المنزل، وصباح غد ستجد الميت على هذا الفراش. وكتبتُ القصة بضمير المتكلم.
أرسلتُ القصة بالبريد الإلكتروني إلى المرحوم الأستاذ عبد الجبار السحيمي مدير جريدة ” العلم الثقافي” فنشرها بعد يومين. وبعد سويعات معدودة اتصلت بي هاتفياً الشاعرة الرائدة البرلمانية المناضلة الأستاذة مليكة العاصمة التي لم أكن قد تشرفتُ بلقائها بعد، ولكني كنتُ أتابع ما تنشر من قصائد فذة، ومقالات قيمة . قالت الأستاذة الفاضلة بعد جميل تحية وبشيْ من الاستحياء:
ـ دكتور القاسمي أرجو أن تشعر بأننا أهلك هنا في المغرب، ويسعدنا مساعدتك مادياً ومعنوياً. مجرّد اطلب ما تحتاج إليه.
أدركتُ أن هذه الأديبة المرهفة الإحساس، قد اطلعتْ على القصة ذلك اليوم، وتأثرتْ بها، وحسبتها واقعية تخصني، بفضل تقنيات الإيهام بالواقع التي زخرت بها القصة. فطلبتْ رقم هاتفي من صديقها المرحوم عبد الجبار السحيمي ، وهاتفتْني لتعرض مساعدتها الإنسانية الكريمة..
فقلتُ لها مازحاً لطمأنتها:
ـ كيف تساعدينني ؟؟ إنني أسكن في دارة على شاطئ البحر مباشرة، وأقود سيارة مرسيدس جديدة، وأستلم راتب موظف دولي؟
وهكذا بدأت صداقتي معها ، ومع زوجها المحامي النقيب الأستاذ محمد الأديب، وابنها الطبيب المبدع الدكتور غسان. وعلمتُ فيما بعد أن هذه السيدة الفاضلة وعدداً آخر من الأديبات، مثل المبدعة المرحومة زهرة الزيراوي، يساعدن كثيراً من المبدعين العراقيين الذين شعروا بالاختناق أثناء هيمنة الحكم الشمولي في العراق، ففروا لاجئين إلى المغرب العزيز، وبلدان أخرى.
وقد جعلني درس تسويق الكتاب الذي تعلمته من الشريف القادري، أمارس التركيز والاختصار في تأليف كتبي العلمية، وأن لا يتجاوز الكتاب مئتين وخمسين صفحة. ولكن بعض كتبي التخصصية تجاوزت ذلك الحد مهما اختصرتها، مثل كتابي ” علم المصطلح: أسسه النظرية وتطبيقاته العملية” ( 821 صفحة)، وكتابي ” صناعة المعجم التاريخي للغة العربية” ( 650 صفحة)، ويضمُّ هذا الكتاب الأخير الخطة العلمية لمشروع المعجم التاريخي للغة العربية التي كلفني بوضعها اتحادُ المجامع اللغوية العلمية العربية بعد أن تبرع الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة، ببناء مقر فخم للاتحاد والمشروع في القاهرة، وتبرع بجميع نفقات المشروع الذي قد يكلف عشرات الملايين من الدولارات ويستغرق قرابة قرن من الزمن إذا كان العمل متواصلاً.

********

*

شاهد أيضاً

د. سامي نصار*يكتب: الثورة الصناعية الرابعة والتربية 4.0

في خضم ما يموج به العالم من تغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية، وما يشهده من تحولات ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *