الرئيسية / أخبار ثقافيه / صبحي عبد العليم نايل*يكتب :اللغة العربية والعلوم المعاصرة

صبحي عبد العليم نايل*يكتب :اللغة العربية والعلوم المعاصرة

 

إن المثقف الواعي يري أن التاريخ يسير من الإجتماع الي الإنعزال والتفرد ، فتاريخ العلم كل يوم يفاجئنا بعلم جديد إستقل عن باقي العلوم . فقديما كانت الفلسفة هي كل العلوم ، فتجب الفلسفة في تلك العصور كل العلوم الطبيعية والرياضية والهندسة والطب والعلوم الانسانية ايضا .

وفي مستهل ميلاد الحضارة العربية اضحى العرب يترجمون التراث الفلسفي اليوناني عن اللغة السريانية ، ثم إنتقلوا للترجمة من اللغة اليونانية مباشرةً . فأضحي التراث المعرفي للانسانية باللغة العربية مما جعل اللغة العربية لغة الثقافة والعلوم ، في هذا العصر – وهو القرن الرابع الهجري – والذي إتسم بالتنوع الثقافي والتعدد المذهبي الذي يؤدي بطبيعة الحال الي غزارة الإنتاج الفكري . إلا أن حدثت قطيعة عن ذلك العصر , فوقفت اللغة العربية مكتوفة الايدي أمام العلوم المعاصرة ، بل إنها تقهقهرت الي الخلف لتقف خلف العلوم المعاصرة ، عاجزة عن إنتاج مفاهيم تعبر عن تلك العلوم أو تساهم في بنائها وتطورها ، فهناك العديد من المفاهيم في العلوم المعاصرة التي تعجز اللغة العربية عن إنتاج مصطلحات لها تحايث المصطلحات الاجنبية ( المنتجة لتلك العلوم) , مما يزيد من صعوبة عملية الترجمة ومحاولة اللحاق بالتراث الانساني والحضاري والالتقاء الثقافي والتنوع الفكري ، لانه بطبيعة الحال يجعل الناطقين بالعربية والكاتبين بها منغلقين علي انفسهم خاضعين لايديولوجية اللغة – التي لم تعد قادرة علي مواكبة علوم العصر – ويزيد من أزمة فهم الأخر والإلتقاء المعرفي .

وهذا العجز ليس قابعا في اللغة ذاتها ، فما اللغة سوي وعاء للفكر علي حد قول الفيلسوف الالماني هيجيل ، فتلك اللغة عينها كانت مسيطرة علي العلوم في عصر من العصور ، وانما يعني ان النتاج المعرفي للمتحدثين بتلك اللغة لا يساهم في الحضارة المعاصرة ولا في العلوم وتطورها بمثقال ذرة ، بل انه لا يستطيع فهم تلك العلوم والولوج بها لينتج مصطلحات لتلك المفاهيم الجديدة التي تطرحها العلوم الانسانية والطبيعية والرياضية .. إلخ كل يوم ، مما يعني ان النتاج المعرفي للمناطقين بالعربية يدور في حلقة مفرغة لا يأتي بجديد . فهو ينحصر في أطر إثبات الهوية المفتقده كونه اضحي لا يمثل اهمية للعالم سوي انه يعتبر اكبر سوقا مستهلكة للنتاج الغربي ، سواء علي المستوي المعرفي ( الابستمولوجي ) أو المستوي الأداتي ( التكنولوجي ) . مما يجعل البحث العلمي المعاصر للناطقين بتلك اللغة ينصب  علي دراسة تاريخ الهوية العربية لمحاولة إثبات جدارة تلك العقلية بالقيادة والإنتاج المعرفي ، ومحاولة إثبات أن الحضارات الغربية ما هي إلا نتاج إستخدام العلوم العربية التي أنتجها العلماء والمفكرين العرب في القرون الماضية . مما جعلها تغفل عن تحديات العصر وتتقهقر الي الخلف وتنظر الي الماضي كونه يمثل حقيقتها الثقافية فيرددون ( أن العرب هم صناع الحضارة في قديم الزمان )، والحاضر كونه مزيفا لتلك الحقيقة وتحاول الهروب والتنصل منه ( بأن المنتجين للثقافة في العصور الماضية هم العرب ، وليس العرب العاجزين عن كل شيء في هذا العصر – سوي الإستهلاك – بطبيعة الحال )، وتغفل تماما عن المستقبل ، مما يجعل محاولة رسم خارطة للمستقبل العربي أشبه بمحاولة سيزيف للصعود بالصخرة الي قمة الجبل ، محاولة عبثية شبه مستحيلة .

 

*باحث يالفكر العربي المعاصر جامعة عين شمس

شاهد أيضاً

د. سامي نصار*يكتب: الثورة الصناعية الرابعة والتربية 4.0

في خضم ما يموج به العالم من تغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية، وما يشهده من تحولات ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *