الرئيسية / أخبار ثقافيه / محمّد جابالله*يكتب : فرنسا وأوروبا الجديدة

محمّد جابالله*يكتب : فرنسا وأوروبا الجديدة

 

مرّت أوروبا بثلاث مراحل مهمّة في التاريخ الإنساني تلّخص البيت الداخلي الأوروبي خاصّة بين القوى المركزيّة فيه حتّى هذه اللحظة، فيمكن اعتبار الحرب العظمى أي الأولى والحرب العالميّة الثانية مرحلة انقسام القارة، إذا أضفنا إليها فترة أسبق ألا وهي الثورة الفرنسيّة كحدث لم يكن مرحبا به في عصره بالنسبة للقوى المجاورة. أمّا التوحّد فكان أمرا فرضه الواقع كتبعات للحرب الثانية بعد اقتسام التركة وإعادة ترتيب الدول المنهارة بشروط المنتصرين وعلى أساس الديمقراطيّة التي دعمتها الولايات المتحدة الأمريكيّة. لكنّ المرحلة الثالثة والتي تسير فيها القارة العجوز إلى حدّ هذه اللحظة كشفت لنا القناع عمّا يسود الأوروبيين من هاجس مثل أيّ قارّة أخرى في مواجهة أخطار معادية من حروب وانفصال وغير ذلك.

فعندما أصبحت الأزمة العالمية الاقتصادية سنة 2008 أكبر أزمة ماليّة مرّ بها العالم منذ الكساد الكبير في عشرينات القرن الماضي تلوح في الأفق واتضحت ملامحها وضوح الشمس ،أصبحت أوروبا تفكّر في استراتيجيات من أجل اليقظة الاقتصادية والاجتماعية حتّى تحافظ على كيانها الذي يتميّز بغياب عوامل الوحدة منذ تشكيله ،فهو عبارة عن اتحاد براغماتي يقوم على أساس اقتصادي وعسكري بدرجة أكثر ممّا هو اتحاد قومي أو إيديولوجي منسجم مع ذاته. فالاقتصاد العالمي يرتبط بالولايات المتحدة الأمريكيّة ارتباطا جذريّا بحكم أنّها القوى الأولى التي المهيمنة على الساحة الدوليّة، فلا يمكن لأيّ اقتصاد أن ينجو من أيّة عواقب إذا تعثّر الاقتصاد الأمريكي.

فدونالد ترامب انسحب من اتفاقية المناخ مؤخرّا ترضية لتوجهاته المتشددة في السياسة الأمريكيّة وعلى مرئ ومسمع من صنّاع القرار، وهو ما يجعل الصراع الأمريكي الأوروبي يطفو على السطح مجددا بعد كلّ مرّة يختفي فيها نظرا لالتقاء المصالح في كثير من القضايا وخاصة المتعلقة بالجغرافيا البعيدة عن الطرفين ألا وهي الشرق الأوسط. ففرنسا كأبرز قوّة في الاتحاد الأوروبي تدعم سياسة الحفاظ على البيئة وعضو رئيسي في اتفاقيّة المناخ، ما جعل وزيرها للبيئة يدعم ضريبة الوقود التي تمّ فرضها مؤخرا. ففرنسا تعتبر ثاني أكبر دولة فرضا للضرائب، الأمر الذي يثقل المواطن الفرنسي أكثر فأكثر، خاصّة أنّ الرئيس إيمانويل ماكرون ينتمي لليمين الذي يلجأ دائما لزيادة في الضرائب كلّما أرهقت الميزانيّة. فمتطلبات الدفاع بالنسبة لفرنسا أولويّة استراتيجية وهو ما يبرّر وجودها في كثير من بؤر التوتّر كجزء ممّا تعتبره مسؤوليتها الدوليّة في حلّ النزاعات وموجهة الأخطار. فالبيئة الاجتماعية فيها تعتبر ساخنة ودائما تبشّر بظهور احتجاجات شعبيّة ، فالنقابات هناك تعتبر عصب الشارع وأهميّتها تفوق حتى الأحزاب الكبيرة ذات التاريخ الطويل ، الأمر الذي جعل حشد الجماهير وتحريض النفوس مؤخرا عند فرض ضريبة الوقود شيئا يسيرا. فلم يتوقّع العالم حشودا كبيرة بهذا الحجم في بلد مثل فرنسا ، فكانت صدمة بالنسبة للنخبة الفرنسيّة . فالقارّة العجوز كما قلت سابقا تعاني من هاجس المؤامرات الخارجيّة لأنّ مواقفها تتصلّب يوما بعد يوم على عكس سياساتها القديمة التي كانت تداري فيها القوى الأخرى. فالسؤال المطروح الذي يجول في الخاطر كان حول مدى عفويّة الاحتجاجات ناهيك عن مشروعيّتها ، خاصّة وأنّ التحوّلات السريعة أضحت تكتسح دول أوروبية قريبة من فرنسا وليست المرّة الأولى التي يتمّ فيها زيادة لضريبة ما. فقد اجتاحتها مظاهرات في جزيرة الكورس سابقا المحاذية لإيطاليا من أجل المطالبة بالاستقلال ما يمثل جرأة كبيرة من قبل هذا الإقليم. فجيرانها ليسوا متماسكين بنفس الدرجة فقد سبقت هناك اضطرابات مثيلة وأكثر حدّة خاصّة على حدودها الغربية من احتجاجات لإقليم كتالونيا الإسباني المطالب بالانفصال وبروز شعارات اليمين المتطرّف في ألمانيا المحاذية لها شرقا. فكلّ هذه المعطيات تطرح جدلية تماسك الأوروبيين بعد كلّ هذه السنين من الوحدة. فما يحدث الآن لا يمكن اعتباره تبعات للبيئة وقضايا إنسانية تشترك فيها السياسة الموحدة، بل يعود للعقل السياسي الأوروبي الذي بنى مشروعه الوحدوي على ركائز اقتصادية أكثر مما هي سياسية ودفاعيّة. فمشروع إنشاء الجيش الأوروبي الموحد الذي يريد أن يرسيه ماكون قوبل برفض شديد من الرئيس الأمريكي نظرا لأنّه موجّه بصورة أولى ضدّ السياسات التوسعيّة للدول التي تشارك فرنسا المقاعد الدائمة في الأمم المتحدة. فمثل هذا المشروع لم يجد الحاضنة المناسبة ووقفة رجل واحد لدول الاتحاد ممّا يجعل أمريكا تدعم تفتيت أوروبا وتلتقي بصورة عفويّة أو غير عفويّة مع رغبة روسيا. فالأخيرة اختبرت أوروبا وقوّتها الحقيقيّة  منذ أن سيطرت على جزيرة القرم التابعة لأوكرانيا في أوروبا الشرقيّـــة وفرضت الأمر الواقع. لهذا اختلط الحابل والنابل في احتجاجات أصحاب السترات الصفراء التي حدثت بالأساس في أبرز شارع من شوارع باريس ورمزيّته التاريخيّة أي شارع الشانزيليزيه وأضحى المشهد عند البعض متلوّنا بألوان عديدة منها الاقتصادي ، الاجتماعي ، السياسي ، فبعد أسبوع خامس من المظاهرات وبعد ألغاء الضريبة وإجراءات أخرى لتخفيف الحدّة، تواصلت هذه المرّة ولكن بعناوين سياسيّة واضحى للعيان وتشير بإصبعها لتيّارين يشتركان في هذه المطالب وهما اليمين المتطرّف واليسار المتطرّف.

إنّ الكثير من الناس لا يعرفون أنّ أقصى اليمين وأقصى اليسار في فرنسا يشتركان في الكثير من النقاط رغم اختلاف التموقع والمدرسة الإيديولوجية. أبرز نقطة تجمعهما وتمثّل نقطة فاصلة في مستقبل أوروبا جمعاء، هي مسألة الخروج من الاتحاد الأوروبي وعدم تحمّل مزيد من أعباء دول غير منسجمة مع بعضها البعض كشرط للتكامل. فهذه بالطبع فرصة، لا يمكن لأيّ مفكّر أن يستبعد عدم استغلالها من أمريكا وغيرها من أجل إفشال مساعي فرنسا. فمعركة الكرّ والفرّ تحدث يوميّا بين الطرفين وفي كلّ العالم ، فمرّة تفرض الإرادة الأمريكيّة ذاتها ومرّة تقابل بالرفض. فصراع الإرادة في العالم يفرض نفسه منذ فجر التاريخ.

إنّ الأجواء الحالية في أوروبا تشبه نسبيّا أجواء ما قبل الحرب وبداية مرحلة جديدة. فخريطــة العالم تتغيّر بسرعة ويوما بعد يوم ترسم المشاريع التقسيمية. فبعد فشل مشروع تقسيم الشرق الأوسط والمنطقة العربيّة وعودة التماسك ، تصبح القبلة الثانية تفتيت أوروبا ولكن بين دولتين وليس أكثر كما هو الحال في منطقتنا العربيّة . فالدكتور وسيم السيسي العالم المصري الشهير عرّج عن أحداث تظاهرات السترات الصفراء بأنّها نتاج للماسونيّة العالميّة وشكل من أشكال الحروب الحديثة التي تعتمد على استراتيجية فوضى في الداخل بدل حرب مباشرة، ولا أستبعد هذا لأنّ الصدفة ضرب من الخيال في عصر تحاك فيه المؤامرات وتحضّر فيه أدوات جديدة لمزيد تجريد الإنسان من إنسانيّته.

وفي نهايــة المطاف ، تكشف العولمــة عن هشاشتها في أوروبا بعد كلّ ما حدث من تحوّلات هنا وهناك. فتبعيّة الدول الأوروبيّة في بعض المجالات يجعلها لقمة سائغة في فم قوى منافسة على الساحة العالميّــة . فلا مناص من أنّ الصعود المتسارع للفاشية الجديدة ، ينذر بأوروبا أخرى مختلفة عن التّي نعرفها وخريطــة جديدة للعالم. من الصعب التكهن بالنتائج نظرا لأن مكونات القارة العجوز تتماسك وتنسجم وفق للعامل الاقتصادي أكثر من عوامل أخرى ما يجعل إستيقاظ صوت الفوضى والمطالب المختلفة شيئا حتميا قد يكون في أي لحظة كما ستكون لها طبعا آثار على باقي الدول الأخرى. فكما كانت الثورة الفرنسيّة محرّكة التاريخ فهل تكون الأحداث الأخيرة فاتحة لمستقبل جديد ؟

   ************

*باحث مقيم بفرنسا

شاهد أيضاً

د.فاطمه الحصي*/ حادث نيوزلاندا وتغييب العقل

في عام 1980 بدأ العرض اﻷول لفيلم (انتبهوا أيها  الساده  ) الذي نبه لصعود فئه ...