الرئيسية / أخبار ثقافيه / نعمان الحاج حسين *يكتب:نقد كتاب ( المرض بالغرب..) لجورج طرابيشي

نعمان الحاج حسين *يكتب:نقد كتاب ( المرض بالغرب..) لجورج طرابيشي

تحليل عصاب مثقف عربي..

نقد كتاب ( المرض بالغرب..) لجورج طرابيشي

 

 

 

” التأكيد اصبح عندي أسهل من البرهان ”  جورغ غروديك

-1-

 

هذه المقالة نقد لكتاب ” المرض بالغرب – التحليل النفسي لعصاب جماعي عربي ” لجورج طرابيشي ، والدافع الاساسي لكتابة المقالة لم يكن مناقشة الافكار الواردة في الكتاب بصورة خاصة ، رغم اننا سوف نناقشها ، ولكن نقد الكتاب  ككتاب ، فالتعبيرات التي يحتويها لا تستوجب النقد بحد ذاتها..فهي خاطئة بشكل اعتيادي نمطي اقرب الى البداهة ، وبالتالي فان نقدها سيكون نقدا بدهيا لا نقدا نظريا ، وذلك مثلما يقول رولان بارت : ” لأن ما هو بدهي يبقى دون منهج ” (1) ، وهي متداولة في الشارع وفي المقاهي – ليس المقاهي الثقافية فقط – ولكن نقدنا ينصب على تحويل التعبيرات الى أفكار وتحويل تلك الافكار الى كتاب ،  ولأن كتاب المرض بالغرب لا يمكن ان يكون منهجيا ، فالأفكار التي تشكل القاعدة التي بني عليها الكتاب ليست ” أفكارا ”  بالمعنى الدقيق للكلمة ، بل أقوالا ” شعبوية ”  تسود المجتمعات التي تعيش منعطفات تاريخية او ازمات مستعصية ، وتقوم على تفسير التأخر والتراجع السياسي والاجتماعي ..بتفسيرات مطلقة وجوهرية ، اسطورية او خرافية ، ترد الى الطبيعة – طبيعة العرق او الثقافة – او سوء الحظ ، بدل التفسير التاريخي . وهذا بالضبط مايستوجب النقد من منطلقات ثقافية محضة دفاعا عن القارئ العربي وعن الثقافة العربية ، لا الثقافة العربية الاسلامية عبر التاريخ ، كما قد يقول قائل – جريا مع النبرة السائدة في الكتاب – بل مجرد الدفاع عن ثقافة تأليف الكتب باعتبارها تتطلب اشتراطات فكرية ، كما يقول رولان بارت: ” ان للكاتب واجبا تجاه الكلمة التي هي حقيقته ، لا تجاه النقد في جريدة الأمة او جريدة اللوموند.. “. (2)

ورغم ان الكتاب يضم مقاطع منتزعة من بحوث منهجية، غير انها ليست صحيحة او خاطئة إلا بحسب السياق.. وسياق هذا الكتاب يقع على الحدود المتداخلة احيانا بين كلام المثقف وكلام رجل الشارع ، حين يتماهى المثقف مع العامة فيستعير المبالغات التي تتغذى عليها العامة ، ويعيد اليها تحاملها بصياغة المثقفين. يقول رولان بارت: “.. ثمة حركة تكاملية الناقد فيها يصبح كاتبا ، غير أنه يجب ان نعلم ان المرء اذا رغب ان يصبح كاتبا فهذا لا يعني ادعاء لقيمة ما ، لأنه قصد تكمن الكينونة من خلفه ، وأما نحن ، فبماذا يهمنا تمجيد المرء لكونه روائيا ، او شاعرا ، او كاتب مقالات ، او مدونا يدون الاخبار؟ ان تعريف الكاتب لا يكون بالدور الذي يقوم به أو بالقيمة التي تعطى له ، ولكنه يتحدد فقط بنوع من انواع وعي الكلام ، وبهذا يكون كاتبا ، أي عندما تحدث اللغة له مشكلة تجعله يغوص فيها الى الاعماق فلا يقف عندها اداة او جمالا. “(3)

 

*           *             *

 

 

رغم الانطباع السائد بان طرابيشي في نقده للايديولوجيا العربية والإسلامية باحث غير ايديولوجي باعتباره ” مفكرا تنويريا “، فان ايديولوجيته غير المعلنة واضحة في كتابه المليء بالإجابات والحلول الشافية ، وهذه سمة الايديولوجيا التي تفضل سطحية الاجابات على عمق الاسئلة ، فمن الممكن ان يجيب صاحب الايديولوجية السياسية حتى عن سؤال حول نظريات ” الانفجار الكوني ” او ” تعدد الاكوان ”  الفيزيائية والتي لم يقل الفيزيائيون كلمتهم الاخيرة فيها ، وبالمثل يستخدم طرابيشي مفاهيم علم النفس والتحليل النفسي بوثوقية وقطعية لا يدعيها العلماء النفسيون . يقوم طرابيشي بتعليم شعب هو مثل اي شعب عاش تاريخا  – مثل كل تاريخ – مليء بالانتصارات والهزائم وبالتقدم في حقبة والتأخر في حقبة اخرى ، لكنه يعلمه اين يقع خطؤه الوحيد والدائم انه : ثقافته العربية الاسلامية ، وان هذا هو سر عجزه المعلن بصورة بسيطة وجوهرية. وطرابيشي هنا مثل نبي ..لكنه لا يحمل اية نبوءة او رؤيا ، وهو بعكس الانبياء لا نلمس لديه اي قلق او توجس او مرارة بحجم المسؤولية.  ولا تاريخية هذه الاحكام التي نجدها في خطاب طرابيشي وأوساط الانتلجنسيا الدنيا لا تحتاج الى تنويه وبهذا المعنى يقع انصار هذا الخطاب اللا تاريخي بالمفارقات فيوافقون – مثلا – على ان : جرائم النازية الالمانية ليست ادانة للشعب وللمجتمع الالمانيين ، وإلقاء قنبلتين ذريتين على المدن اليابانية لا يدين الثقافة الامريكية ، ووحشية اليابانيين في الصين لا يشوه الحضارة اليابانية الراقية ، وخيانة الوطنيين الصينيين للشيوعيين بالتواطؤ مع الغرب ليس كامنا في الثقافة الصينية ، ومحاكم التفتيش ليست دليل ادانة للمسيحية الاوروبية ، وإبادة الكاثوليكية للطوائف غير الكاثوليكية في جنوب فرنسا ليس دليلا على التزمت الديني الأوروبي ، ولكن هزيمة نظام عبد الناصر الذي حمل شعارات قومية في الستينات دليل ازلي على تزمت العرب والإسلام ، ونبذ الاخر وعدم الاعتراف به وكراهية الغرب ، مما يستوجب استخدام مفاهيم علم النفس والتحليل النفسي لتفكيك بنية التراث العربي الاسلامي. و حتى اعلان شخص أصولي رفضه للمجتمع المعاصر وللاعتراف بقوانينه الوضعية في الثمانينات بقوله : ” ان الحكم إلا لله ” (4) يثبته طرابيشي باعتباره دليلا جديدا على قضيته نفسها ، مع ان ما يقوله الاصولي في الكتاب كلام مألوف يقوله الاصوليون بشكل سطحي وبدون مناسبة عبر وسائل الاعلام ، ولكنه في الكتاب يبرر العنوان حين يقول طرابيشي : ” العنوان- المرض بالغرب – يكتسب راهنيه جديدة ، فمن ظاهرة ثقافية تحول المرض بالغرب إلى ظاهرة سياسية تجد تعبيرها في العمليات الإرهابية التي باتت تستهدف منذ هجمات 11 أيلول الغرب بما هو كذلك لا سياسة فحسب بل أساسا حضارة. والحال إن كراهية الآخر هي التي تشكل اليوم مهما تعددت وتنوعت المحفزات الخارجية ، الينبوع الداخلي الأول للإرهاب ولاسيما أن ثقافة الكراهية تلك، التي تخصصت في إنتاجها الشريحة المشار اليها من الانتلجينسيا العربية قد حظيت خلال العقود المنصرمة وبفضل المن النفطي بتمويل مادي..هائل اتاح لها ان تتحول الى ثقافة سائدة ..”(5) يربط طرابيشي بين حركية الاسلام السياسي والثقافة العربية الاسلامية كلها ، رغم ان التمويل المادي النفطي – بكلماته نفسها – دليل موازين قوى دولية مجحفة بحق العرب وهي المسؤولة عن الارهاب وليس ثقافة الانتلجنسيا فالعالم لا تحركه الافكار الجيدة او السيئة بل الوقائع ولا تقوده الانتلجنسيا بل السياسة والاقتصاد.  ولذلك يذهب ( تيري ايجلتون) في كتاب ( الارهاب المقدس) (6)  في طريق معاكس لطرابيشي في معالجة مسالة الإرهاب الأصولي  نفسها ، فيربطها بسياسات الغرب القائمة على العنف والربح اللا محدود ويعتبر ان هناك تواطؤا بين الغرب والإرهاب الاصولي . الاصولية لا تمثل الانتلجنسيا العربية ولا حتى اسلام الناس العاديين ولم تكن يوما ممثلة للمجتمعات العربية وأقوال الاصوليين مادة دائمة الحضور وتكاد تكون ترويجية في الاعلام المحلي والدولي بل انها تستخدم كشارة مكررة في بعض القنوات وكلمات بن لادن التي تتحدث عن انقسام العالم الى فسطاطين ورسائله الاعلامية  صارت موضع هزء المشاهدين .

 

*         *           *

 

– 2-

– الانتلجنسيا الدنيا والعليا

 

إذا كانت المؤلفات التي أشار إليها الكاتب نفسه في كتابه ، في معرض النقد مثل كتاب : (الخطاب العربي المعاصر ) لمحمد عابد الجابري ، أو في معرض الإعجاب مثل كتابي (انفجار المشرق العربي ) لجورج قرم، و(الهزيمة والايدولوجيا المهزومة) لياسين الحافظ ..وغيرها .. إذا كانت هذه تسمى كتبا فان كتاب (المرض بالغرب ..) ليس كتابا .. وكما يقول بارت : ”  الكتاب خالد ليس لأنه يفرض على البشر المختلفين معنى واحدا ، ولكن لأنه يوحي بمعان مختلفة لإنسان واحد .” (7) فجورج طرابيشي يتحدث عن المناهج دون ان يقوم بعمل منهجي بينما الكتب الثلاثة تستند الى منهجية واضحة بدل الحديث عن المناهج . والمقارنة التي سوف نجريها هنا بين كتاب طرابيشي وهذه الكتب المذكورة والتي تستوفي شروط التأليف من رؤية ومنهج وأمانة فكرية ، بعكس كتاب المرض بالغرب، فإنها مع ذلك ستكون مقارنة عادلة لان طرابيشي هو الذي اختار الاشارة الى تلك الكتب بالذات ، والتي تدور بالفعل حول القضية المركزية نفسها في كتاب طرابيشي وهي هزيمة حزيران 1967. ولكن الاختلاف في مستوى معالجة القضية نفسها لا يكشف ضعف كتاب المرض بالغرب بالمقارنة مع الكتب الثلاثة فقط ، بل يكشف انتزاع المؤلف للاقتباسات من سياقها بشكل انتقائي واستخدامها بشكل يتناقض مع روح الكتاب الذي انتزع الشاهد منه ، وهو الامر الذي كان طرابيشي قد زعم ان ” الجابري ”  فعله في كتابه : ” بنية العقل العربي ”  وانه – اي طرابيشي – لذلك تتبع شواهد الجابري الى مصادرها وقرأ الكتب التي انتزعت منها الاقتباسات ، لكنني لم أكن بحاجة لتتبع اقتباسات طرابيشي لأنني كنت مسبقا قد قرأت الكتب الثلاثة ، وفوجئت باقتباس طرابيشي من تلك الكتب ما يعطي القارئ فكرة غير حقيقية عنها ، وكأنها تسلك نفس منحى كتاب المرض بالغرب بينما هي مختلفة عنه الى درجة التناقض.

 

ويعبر طرابيشي عن موافقته عن كتابين منها وهما كتابا ” جورج قرم ” و ” ياسين الحافظ ” ،  بينما يعترض على الجابري تماشيا مع عدائه المشهور لمؤلف ” بنية العقل العربي “.  وعوضا عن نظرية المؤامرة التي يفندها طرابيشي بشدة باعتبارها سمة للخلل في الشخصية العربية ، يتوصل طرابيشي للقول ان العرب اخترعوا دعما امبرياليا غربيا لإسرائيل من اجل تبرير هزيمتهم امام دولة صغيرة تقوم على العلم والديمقراطية ، ولا تدعمها اية امبريالية وفي هذه الحالة لا توجد صراعات دولية ولا مؤامرات ولا تريد القوى الدولية شيئا من العرب او اليهود لكن العرب مهزومين وفاشلين بطبيعتهم ويتوهمون المؤامرات ضدهم. وبذلك ينتقل طرابيشي من نقد ايديولوجيا تبريرية الى ايديولوجيا تستند على المبالغة الثأرية المعكوسة وعلى الرغم ان ” ياسين الحافظ ” لا يعتقد بان للعرب ” جوهرا ” متعاليا على التاريخ يجعلهم متفوقين على غيرهم فانه لا يعتقد ان هناك ما يمنعهم من ان يكونوا مثل غيرهم يقول الحافظ : ” نعم..اليوم انا لاشيء لكنني غدا سأصبح كل شيء “(8) إلا ان طرابيشي يوحي – على النقيض مما يقوله الحافظ – وكأن هزيمة العرب وبقاؤهم خارج حضارة العصر الراهن هو جوهر خاص عربي وإسلامي ، وليس قضية راهنة ، اي ان لهم جوهر متعال ولكن سلبيا. ومن المعلوم ان المعرفة لم تصبح معرفة علمية إلا عندما كفت عن محاولة القبض على الجوهر وبحثت في الظواهر.  ورغم ان الحافظ ينتقد تركيز العرب على اتهام المؤامرات الخارجية بكل ما يتعرضون له ، غير انه يؤكد دور الامبريالية في دعم اسرائيل لإلحاق الهزيمة بالعرب وبعبد الناصر ، إلا ان طرابيشي يقتبس من الحافظ بشكل مجتزأ ما يسند فكرته حول نفي ان تكون هناك اية مؤامرات . ويصور طرابيشي كاريزما ناصر تصويرا ضخما جدا في الوقت الذي قام فيه بتصغير كل ما هو كبير وضخم في الرؤية العربية ، بحيث يتوقع القارئ ان اسهل ما سيقوم به هم تحجيم صورة الزعيم وردها الى حجمها الواقعي ، لكنه قام ، بالعكس ،  بتضخيمها مما يوحي بأنه مثل ابناء جيله ممن عاصروا الناصرية ، ولكنه في الحقيقة اراد بذلك تضخيم حجم الهزيمة التي ألحقتها اسرائيل بالعرب ، بينما صور(جورج قرم ) حياة وموت عبد الناصر تصويرا غنيا مؤثرا وتحليليا دون مبالغات. وهذا يعطي فكرة عن عمق كتابي ( قرم ) و(الحافظ )  في معالجتهما المركبة لقضايا معقدة بطبيعتها ، ولكن بأسلوب سلس وغني ومشوق للقراءة ، ويمتازان بعمق فكري وإنساني وحس بالانتماء للشعب العربي رغم نقدهما للثقافة العربية التقليدية ، في مقابل كتاب طرابيشي الذي يفتقر للعمقين معا وتبسيطه مخل بالقضايا المعقدة ، لكنه صعب القراءة ويبعث على الملل.  ” ان ما يبدو للعقل بسيطا كل البساطة يكون معقدا بالنسبة للهو ، انه يعمل على انساق من المفاهيم مع عقد تحدث بواسطة درب الهوس في الترميز والترابط “.(9) ولا يتطرق طرابيشي من قريب او بعيد الى ذكر المقاومة الفلسطينية التي ظهرت مباشرة بعد هزيمة 67 رغم ان تحليل تداعيات الهزيمة هي موضوعه ، ورغم انه يذكر المقاومة الفرنسية عند مقارنة الهزيمة العربية مع هزيمة فرنسا امام المانيا ، بينما المؤلفون الثلاثة (الجابري) و(قرم ) و(الحافظ) يبحثون المقاومة الفلسطينية بحثا وافيا ، ولم يشر طرابيشي لهذا ايضا. وهذا التجاهل ناجم عن ميل طرابيشي الى تصوير الهزيمة تصويرا مطلقا وجوهريا ، لا يعكره بروز المقاومة بعد الهزيمة مباشرة ، مما يدل على تفضيله لتصور ذهني عن الواقع ، كبديل عن الرؤية الواقعية التي نجدها في الكتب الثلاثة ، بالإضافة لما يمثله تجاهل طرابيشي للمقاومة الفلسطينية من فقر انساني وفقدان للتعاطف يسودان الكتاب الذي يخلو من شغف الكتابة ، مما يؤدي الى غياب شغف القراءة بالنسبة لقارئه ، وهو يعامل الكلمات والموضوعات الحية كأشياء مرتبة ومنسقة بما يتفق مع هدفه ، ويفتقر الى روح التأليف التي تتوهج بروح الابداع الفكري حتى في الكتب الفلسفية والعلمية، يقول دانيال برتو: ” عندما نعطي النظرية امتيازا على التجريب نكون على اعتقاد بإمكانية تطويرها دون العودة الى المعطيات الملموسة ، ولكن في الواقع نكون عندئذ منقادين باستمرار للعودة بصورة لاواعية الى تجربتنا الخاصة ، التي تعتبر الشكل الاكثر بدئية لمعرفة الواقع فنكون قد صنعنا تجريبا باطلا ، وينتهي الامر بنا الى ان نأخذ صياغة مفاهيمنا وأحكامنا المسبقة اللاواعية على انها نظرية. “(10) والتاريخ ليس مجرد قصة تروى انطلاقا من نقطة انتقائية في الحاضر، ولكنه حياة عاشتها الشعوب وصنعت التاريخ  كما صنعها التاريخ ، وهزيمة القومية العربية ليست نصا يمكن فقط تحليله او تفكيكه ، بل هي حياة بشر ايضا .

 

لا يجوز لباحث ان يكون متحاملا على موضوع البحث ، وطرابيشي كاره لموضوعه أي : الثقافة العربية الاسلامية ، وذلك عبر خمسة فصول من الكتاب اما الفصل السادس فانه يصبح اكثر هدوءا وتسامحا ومنهجية ، اي ما تفتقر اليه كل فصول الكتاب الاخرى . وإذا كان الفصل السادس بمثابة الخاتمة مما يوحي بان اختلافه عن بقية الفصول ناجم عن كونه استخلاص للنتائج إلا أنها – هكذا – نتائج ليست متضمنة في المقدمات وهذه فصامية تضاف الى مظهر فصامي اخر من خلفيته الايديولوجية فقد كان قوميا عربيا ومعاديا لعبد الناصر في الوقت نفسه ..بخلاف ما يظهر عليه في الكتاب من تحرر من القومية ومن العداء لعبد الناصر. يفتتح ياسين الحافظ كتابه الهزيمة بسيرة ذاتية فكرية يبين فيها ايديولوجيته وكيف بذل جهدا للتخلص منها في سبيل وعي مطابق للواقع وانه ربما لم ينجح نجاحا كاملا ، وهذه امانة فكرية تليق بمفكر حقيقي ، بينما لا احد يعلم متى تخلى جورج طرابيشي عن ايديولوجيا القومية العربية وأصبح مفكرا غير ايديولوجي يتعالى على القومية العربية وجذورها الاسلامية.

 

*       *        *

 

 

المفارقة ان يبدو كتاب طرابيشي كما لو انه يستفز النقد ويستعدي النقاد ، بقدر ماهو جارح ومهين بحق الثقافة التقليدية للأمة ، ولأنه يهز ثوابتها الجامدة والمتهرئة ، ولأنه ينتهك التابوات . أي انه يحدد وضعه  كناطق بالمسكوت عنه وان كل نقد يوجه له انما هو محاولة لستر الحقيقة . ولكن الامر على العكس من ذلك،  فما يستند اليه الكتاب هو تعبيرات اتهامية تقوم على التحامل والضغينة وجلد الذات، ولذلك فهي في المحصلة تعبيرات ” مازوخية ” او ” سادية ” انتقامية ، وان كانت انتقاما من الذات. والمفترض ان المفكر او المثقف تفصله مسافة نظرية عنها، اما ايرادها مدعمة باقتباسات من انساق متباينة ، علمية او ادبية او خطابية ، واستخدامها كأدوات لتفكيك الثقافة العربية الاسلامية رغم انها أدوات قابلة للتفكيك ، وجمعها معا – هكذا – في كتاب يصفه مؤلفه بقوله : “هذا الكتاب هو في الاصل اطروحة دكتوراه كان يفترض بي ان اقدمها الى جامعة السوربون لولا انني امتنعت…الخ ..”(11) ، فانه لا يجعلها بحثا منهجيا..وتبرير طرابيشي لامتناعه عن تقديم الاطروحة التي تحولت الى كتاب هو انه كان سيتوجب عليه ” التخفيف من لهجتها النقدية الحادة “(12) اي ان الكتاب ليس صالحا للتقدم كأطروحة في الحقيقة. وتعبير(حدة اللهجة النقدية) ليس سوى  تحلله من شروط البحث الفكري والمنهجي ولكن بكلمات اخرى. ذلك انه جزء من سجال يقع – في احسن الاحوال – على هامش الايديولوجيات وليس حول نواتها الصلبة بل حول ما هو سائد وشائع او محتمل على حد تعبير رولان بارت ” المحتمل هو ما لا يتعارض في عمل ما ، او في خطاب ما ، مع اي من هذه السلطات..التقليد والأكثرية والحكماء والرأي العام ، واذا كان المحتمل هو هذا فانه لا يتناسب مع ما كان ..فهذا شان التاريخ .. ولا مع ما يجب ان يكون فهذا شان العلم ، ولكنه يتناسب ببساطة مع ما يعتقد الجمهور انه ممكن “. (13) . ومن المعروف من هي الشرائح الاجتماعية التي سوف تتلقى احكاما مبسطة كهذه وتقوم بتردادها فهذه الشرائح هي المصدر الخام لها بالأصل . انها ما يسمى بالانتلجنسيا الدنيا وهي الشريحة الواسعة من الانتلجنسيا ومن هنا شعبية هذا النوع من الكتب في اوساط شبه مثقفة وليس بين المثقفين او المفكرين الذين يمثلون الانتلجنسيا العليا . ومن هذا المنظار يمكن رؤية جدل طرابيشي مع محمد عابد الجابري ومشروعه الفكري باعتباره سجال الانتلجنسيا الدنيا التي تمتهن الانتهازية الثورية وأدلجة الفكر ضد الانتلجنسيا العليا المنتجة للفكر.

 

لا يعاني كتاب المرض بالغرب اية مشكلة مع الرقابة ولا مع السلطات ، فهو كتاب شعبي بل انه هو نفسه جزء من الرقابة باتهام مسبق لكل ناقد له باعتباره عالقا بثقافته التقليدية المتزمتة ومدافعا لا واعيا عنها . ويلاقي الكتاب ترحيبا في الاوساط ذاتها اللتي تتمسك بالثوابت التقليدية الدينية والتاريخية ، ذلك انه يعبر – فقط – عن لذة انتهاك المحرمات وليس الانقلاب الجذري عليها . وبالتالي فان خطابا كهذا ليس جديدا كما يقدم نفسه ، بل هو قديم قدم الفضائح ، فالفضيحة شعبية دوما وشعبيتها لا تستند الى صحة المعلومات او صدق الغايات ، بل مجرد الاثارة المحيطة بها. ومثلما يقول ياسين الحافظ : ” في مناخ شرقي يفتقر الى تقليد عقلاني ، يصعب ان يتخلص المرء دفعة واحدة من المعتقد الإيماني ، ذلك ان التاريخ والمجتمع يعملان معا لتعويض هذا المعتقد الايماني الديني بمعتقد ايماني آخر ، ربما زمني او ثوري او تقدمي او اشتراكي او قومي او شيوعي ، ذلك لان العالم الايديولوجي او الثقافي للناس لم يبن بأحجار عقلانية وواقعية ، لذا فان ذبول معتقد ايماني ديني في عقل من العقول لا يعقبه بالضرورة انبثاق توجهات عقلانية. فالإلحاد الشرقي غالبا ما يفتقر الى ارضية او نواة عقلانية ، فيغدو ايمانية مقلوبة ، وهذا الذي يفسر الطابع المعتقدي الايماني للماركسيات العربية “.  (14)

 

*           *             *

الهوامش

1- رولان بارت – نقد وحقيقة – ترجمة منذر عياشي – مركز الانماء الحضاري – بدون مكان النشر – 1994 – ص 38.

2- رولان بارت – المصدر السابق –  ص 60.

3 – رولان بارت – المصدر السابق – ص82.

4 – جورج طرابيشي – المرض بالغرب ط1– درا بترا- دمشق – 2005 – ص145.

5 – جورج طرابيشي – المصدر السابق – ص 8.

6 – تيري ايجلتون – الارهاب المقدس – ترجمة اسامة اسبر – دار بدايات – دمشق – 2007.

7 – رولان بارت – نقد وحقيقة – مصدر سابق – 84.

8 – ياسين الحافظ – الهزيمة والايديولوجيا المهزومة ط2– الاعمال الكاملة – دار الحصاد – دمشق – 1997 – ص 272.

9 – جورغ غروديك – كتاب مراجع الشخصية / مجموعة مؤلفين – ترجمة وجيه اسعد – وزارة الثقافة – دمشق 2002 – ص 51.

10 – دانيال برتو- المنهجية في العلوم الاجتماعية- ترجمة هيئة التحرير – مجلة الفكر العربي – العدد 6 – ليبيا / بيروت – 1978 – ص11 .

11 – جورج طرابيشي – المرض بالغرب – مصدر سابق – ص 7.

12 – جورج طرابيشي – المصدر السابق – نفس الصفحة.

13 – رولان بارت – نقد وحقيقة – مصدر سابق – ص37.

14 ياسين الحافظ – الهزيمة والايديولوجيا المهزومة – مصدر سابق – ص 17

 

****************************

*باحث من الجمهورية العربية السورية

 

شاهد أيضاً

محمد عرفات حجازي/ قراءة في كتاب تاريخ الفلسفة الغربية

الحكمة من دراسة الفكر اليوناني عند برتراند رسل    إنّ الناس في عصرنا الحاضر يتّخذون موقفين ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *